السبت , أغسطس 19 2017
الرئيسية / سوريا / مقاربات عسكرية في سورية ومفاوضات تحت النار

مقاربات عسكرية في سورية ومفاوضات تحت النار

بقلم: إبراهيم حميدي — مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب في سورية، هي عسكرية أكثر من كونها سياسية. الذي يجذب انتباه جنرالات إدارته، ليس الجانب السياسي أو الإنساني، بل البعد العسكري. وضمن هذا السياق، وضع ثلاث أولويات: هزيمة «داعش» و «تقليص» نفوذ إيران وحماية أمن إسرائيل. أما العملية السياسية والحديث عن «الانتقال السياسي»، فعادا إلى المقعد الخلفي. لذلك، ليس مفاجئاً ألا ينخرط المبعوث الأميركي إلى سورية مايكل راتني في الجولة السابقة من مفاوضات جنيف. وليس مفاجئاً، أن يُسرّ راتني بهذا الغياب، باعتبار أن إدارة باراك أوباما كانت ترسله للتفاوض مع الروس بحثاً عن «انتقال سياسي» من دون تزويده أي أدوات نفوذ لتحويل نيات الوزير جون كيري إلى واقع.
أدرك حلفاء واشنطن في المنطقة أولوية هزيمة «داعش». انهالت العروض على إدارة ترامب إزاء كيفية تحرير الرقة والقضاء على «داعش» في عاصمته. تضمّن العرض الأول نشر 20 ألف من القوات العربية لتكون القوات البرية للتحالف الدولي بقيادة أميركا ضد «داعش». وتضمّن هذا العرض تنسيق العمليات بين طائرات التحالف والقوات البرية العربية للقبض على الرقة وتخفيف الحساسيات بين العرب والكرد، إضافة إلى خطة لاحقة تضمّنت تحويل الرقة إلى نموذج للمناطق الخارجة عن سيطرة القوات النظامية السورية. استثمار بلايين الدولارات لإعادة إعمار الرقة بعد دمارها وعدم تكرار نموذج عين العرب (كوباني) التي تحررت من «داعش» ودمرت وتنتظر إعادة الإعمار. عدم تكرار نموذج مدن سورية أخرى، سيطرت عليها القوات النظامية السورية ولا تزال مدمرة من دون أهلها. العرض العربي إزاء الرقة، هو إعادة الإعمار واستخدام الرقة بعد تشكيل مجلس محلي وحماية دولية لها، ورقة في التفاوض مع الروس لإنجاز تسوية سياسية ما.
العرض الثاني، جاء من أنقرة. اقترح الجيش والاستخبارات التركيين على واشنطن أن تتمدد فصائل «درع الفرات» من الريف الشمالي لحلب ومن مدينة الباب باتجاه منبج ثم إلى الطبقة وصولاً إلى الرقة، بعد قطع أكثر من مئتي كيلومتر بغطاء جوي من التحالف الدولي واستخدام قاعدة إنجرليك جنوب تركيا، أو تدخّل فصائل من «الجيش الحر» من مدينة تل أبيض على الحدود السورية- التركية إلى الرقة من جهة الشمال بمسافة مئة كيلومتر. الطريقان الذي كان مقرراً أن تسلكهما فصائل «الجيش الحر» المدعومة من أنقرة، يتطلبان توفير واشنطن حماية جوية وتحييد «وحدات حماية الشعب» الكردية لدى توغّل هذه الفصائل في مناطق «الوحدات».
حاولت واشنطن الجمع بين العروض. لكن أنقرة رفضت التعاون مع «وحدات حماية الشعب» التي تعتبرها تنظيماً إرهابياً. كما أن أنقرة تمسكت بضرورة عدم قيادة الأكراد عملية تحرير الرقة للتخفيف من التوتر بين العرب والكرد.
واقع الحال، إن إدارة ترامب حسمت أمرها. وضعت العروض على الرف. التعاون فقط مع «قوات سورية الديموقراطية» التي تضم مقاتلين عرباً وأكراداً وتحاصر الرقة من ثلاث جهات. فعلت إدارة ترامب تنفيذ قرارات اتخذتها إدارة اوباما بإمداد الأكراد بالأسلحة. وبدأت تصل الأسلحة الثقيلة إلى «قوات سورية الديموقراطية» وتضم دبابات وعربات ومضادات صواريخ، إضافة إلى مشاركة مروحيات «أباتشي» لتوفير غطاء لـ «قوات سورية الديموقراطية». كما رفعت إدارة ترامب مدى الانخراط العسكري في سورية، وأرسلت 1500 عنصر من الوحدات الخاصة استعداداً لبدء المعركة في الأسبوع الأول من الشهر المقبل.
مسؤولون في واشنطن، يعتبرون أن فصائل «درع الفرات» لم تُظهر نجاحاً في عملية «درع الفرات» وتحرير الرقة. هم أيضاً، يعتبرون أن الأفضل في محاربة «داعش»، هم الأكراد وأن الأولوية هي فقط لهزيمة «داعش» وطرده من الرقة وإعطاء نصر معنوي لترامب.
هذه المقاربة مقلقة لحلفاء واشنطن أكثر من خصومها. دول إقليمية وغربية، حاول مسؤولوها أن يشرحوا لإدارة ترامب أن هذا سيؤدي إلى عكس الهدف ولا استقرار في المدى الطويل. وقال أحدهم: «إذا كان الهدف هزيمة داعش وتقليص نفوذ ايران وأمن إسرائيل، فإن هذه المقاربة العسكرية ستؤدي إلى طرد داعش من الرقة وقيام مجلس محلي ضعيف ثم دخول القوات النظامية الرقة، ما يعني زيادة نفوذ إيران و حزب الله». وأشار هذا المسؤول إلى انه أبلغ واشنطن ما حصل شمال حلب، عندما قام الجيش الروسي بعقد اتفاق قضى بتسليم «قوات سورية الديموقراطية» الكردية- العربية إلى القوات النظامية السورية قرى بين منبج والباب لقطع الطريق على فصائل «درع الفرات» إلى التمدّد. كما أشار إلى أن الجيش الروسي نشر عناصره في مدينة عفرين الكردية لحمايتها من الجيش التركي. جاء هذان الأمران، عندما أبلغ مسؤولون عسكريون روس نظراءهم الأتراك بوضوح: «يجب أن تخرجوا من سورية».
فجأة وجد الجانب التركي أن تفاهماته مع روسيا شمال حلب هشّة ومتأرجحة وأن عروضه لتحرير الرقة غير مقبولة من واشنطن. لذلك، ظهر تفكير دعم فصائل في «الجيش الحر» وتدريب خمسة آلاف من عناصرها وتمويلهم وتسليحهم بعدما تخلّت عنهم «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إي)، للقيام بهجوم على الرقة من تل أبيض وخلط الأوراق ودفع «وحدات حماية الشعب» للقتال على أكثر من جبهة.
أيضاً، فجأة اشتعلت ثلاث جبهات ضد القوات النظامية السورية. هاجمت «هيئة تحرير الشام» التي تضم فصائل بينها «فتح الشام» (النصرة سابقاً) و «أحرار الشام» و «فيلق الرحمن» الأحياء الشرقية لدمشق بطريقة ذكّرت أهالي دمشق بمعارك 2013. كما هاجمت «هيئة تحرير الشام» وفصائل «الجيش الحر» التي تخلت عنها واشنطن، مواقع القوات النظامية في ريف حماة وحقّقت تقدماً كبيراً ومفاجئاً واقتربت أكثر من مدينة حماة. الجبهة الثالثة، كانت رمزية تمثلت بقصف مدينة القرداحة في اللاذقية معقل النظام.
أيضاً، دخلت إسرائيل على الخط العسكري. قصفت مواقع قيل إنها لـ «حزب الله» قرب تدمر وأخرى في القنيطرة لإبعاد البنية التحتية لإيران و «حزب الله» عن الجولان. رد الجيش السوري بإطلاق صواريخ ضد القاذفات الإسرائيلية. أول مرة تبنّت إسرائيل العملية. أول مرّة ردت دمشق بإطلاق مضاداتها. أيضاً، دخلت موسكو على الخط مطالبة بالتزام «قواعد الاشتباك» وقواعد الخط الساخن بين تل أبيب وقاعدة حميميم في اللاذقية.
إدارة ترامب ليست مهتمّة بالعملية السياسية قبل وضع أقدامها عسكرياً على الأرض السورية مع احتمال تصاعد الانخراط العسكري. هي ليست مستعدة للتفاوض على مستقبل سورية قبل ذلك. هي ليست مستعدة لبحث التعاون العسكري مع الجيش الروسي قبل القبض على الأرض السورية. لذلك استعجلت الإنزال الجوي للسيطرة على سد الفرات في مدينة الطبقة قبل وصول القوات النظامية بدعم الطيران الروسي.
روسيا تريد دعم القوات النظامية لقضم مواقع «داعش» شرق حلب والدخول في سباق نحو الرقة من بوابة الطبقة، إضافة إلى دعم القوات النظامية في معركة طرد «داعش» من دير الزور. المشكلة هنا هي عدم وجود قوات نظامية كافية، ما يعني زيادة الاعتماد على الميلشيات الإيرانية، في وقت تريد موسكو أن تبعث برسائل إلى تل أبيب ودول إقليمية حول إمكان تقليص النفوذ الإيراني و «حزب الله» في سورية. موسكو تريد ضبط طموحات تركيا شمال سورية، خصوصاً بعدما راهن الرئيس رجب طيب أردوغان على نيات ترامب في سورية.
روسيا أيضاً، تريد استعجال تحقيق تقدّم في العملية السياسية في جنيف. تريد تذويب المعارضة و «منصاتها». تريد أيضاً أن تحقّق مزيداً من التقدّم العسكري على الأرض وأن تساعد القوات النظامية في استعادة مناطق، سواء بوسائل عسكرية أو «تسويات» و «مصالحات» كان آخرها في حي الوعر في حمص. تريد أن تنشر شرطتها العسكرية، التي حرصت موسكو أن تكون من سنّة الشيشان، محل ميليشيات تابعة لإيران لطمأنة دول إقليمية. لكن طهران تراقب هذه التحوّلات على الأرض، ولا يمكن أن تقبل التخلّي بسهولة عن «سورية المفيدة» بسهولة بعد استثمار عسكري وأمني ومالي في منع سقوط النظام وبقائه بصرف النظر عن الكلفة والجغرافيا.
بين هذا وذاك، تُعقد جولة جديدة من مفاوضات جنيف. مشاورات بين الأطراف السورية تحت النار. عجلة العملية السياسية تبقى دائرة إلى أن تستقر جبهات القتال وخطوط التماس ومناطق النفوذ ومساحات القضم. الأرض السورية تتغيّر وتزداد تعقيداً كل يوم. عندما يقبض كل لاعب دولي أو إقليمي على قطعة من الأرض السورية، يُجلب السوريون، موالون للنظام ومعارضون، إلى جنيف للتوقيع وإعطاء شرعية لاتفاقات وتفاهمات الآخرين على أرضهم.

المصدر: صحيفة الحياة

المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

دي ميستورا: يجب أن يشارك الأكراد في وضع دستور سوريا الجديد

“شجون عربية”- قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا في مقابلة مع وكالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *