الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / مقالات / مؤتمر غروزني، شمعة تتحدى الظلام
الشيشان

مؤتمر غروزني، شمعة تتحدى الظلام

بقلم: أحمد عدنان* عن صحيفة العرب — أثار مؤتمر غروزني الذي عقد مؤخرا جدلا واسعا، فالتوصيات التي اعتمدها اتسمت بالشجاعة وبالعمق، والشخصيات التي بلورتها ووقعت عليها من العيار الثقيل، فمنها على سبيل المثال شيخ الأزهر د. أحمد الطيب.

ولو تطرقنا إلى أهم توصياته سنرصد، “توجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل والتحذير من خطر اللعب على سياسة الموازنات وضرب الخطاب الديني ببعضه. ويوصي المؤتمر الحكومات بتشريع قوانين تجرّمُ نشر الكراهية والتحريض على الفتنة والاحتراب الداخلي والتعدي على المؤسسات”.

أما التوصية التي فتحت باب سجال واسع، وهي أهم التوصيات في تاريخ المحافل الإسلامية منذ قرون، فهي تعريف المؤتمر لهوية أهل السنة والجماعة، إذ حددها المؤتمر بقوله “هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى”، ويمكنني الزعم بأنني ناديت غير مرة باعتماد هذا التعريف، وحددت الفوارق القاطعة بين السنة وبين السلفية، ومن ذلك تثليث التوحيد (ربوبية وألوهية وأسماء وصفات)، والحاكمية (الإسلام السياسي)، ورواسب التجسيم والنصب (أي تجسيم الإله ومجافاة آل البيت عليهم السلام)، وكلها أفكار ومعتقدات فتحت الباب لترسيخ العنف ولتكفير المسلمين والحكومات، ولا شأن لهذه الأفكار بالسنة من قريب أو من بعيد.

وما أثار دهشتي حقا، المشاعر المرهفة التي فاجأنا بها السلفيون نظير استبعادهم من أهل السنة، وهم لم يتركوا طائفة أو مذهبا في الإسلام إلا وأخرجوه من الدين كله، وحين نعود إلى فتاوى هيئة كبار العلماء السعودية عن أهل السنة سنجد العجاب، فالفتوى رقم 21119 حددت موقفا نهائيا من الصوفية “المتصوفة قد انحرفوا عن الكتاب والسنة، وأحدثوا طرقا مبتدعة خالفوا فيها منهج العلماء… ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يحارب البدع والشركيات ومن أعظمها التصوف المنحرف”.

وعن الأشاعرة قال المفتي السعودي الشيخ عبدالعزيز بن باز في المجلد الثالث من فتاواه “الأشاعرة ضلّوا في ما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين في ما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله، وأبوالحسن الأشعري ليس من الأشاعرة وإن انتسبوا إليه لكونه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السنة”، ولست أدري من أين ظن ابن باز – رحمه الله – أن الأشعري تراجع عن أشعريته، أما الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله- وهو مفت سعودي رسمي أيضا، له فتوى صريحة وواضحة تخرج الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة.

وبناء على الفتاوى السابقة فاجأتني هيئة كبار العلماء حين أصدرت بيانا تعلق فيه على مؤتمر غروزني قائلة إن استبعاد السلفية من أهل السنة والجماعة دعوة تهدف إلى إثارة النعرات وإذكاء العصبية بين الفرق الإسلامية، “على أن كل ما أوجب فتنة أو أورث فرقة فليس من الدين وليس من نهج محمد صلى الله عليه وسلم في شيء”، وليتهم قالوا ذلك لأنفسهم قبل التبلي على غيرهم.

إن الفروق العلمية والعقدية بين السنة وبين السلفية واضحة لا لبس فيها، وما قام به علماء الأمة الأجلاء والمعتبرون في غروزني خطوة طال انتظارها، فبسبب الالتباس بين السنة وبين السلفية تم وصم السنة جميعا بالإرهاب وهم من ذلك براء، فأغلب الجماعات الإرهابية سلفية لا سنية، ونظرا لأن أهل الإسلام سوادهم الأعظم من السنة، أصابت تهمة الإرهاب الإسلام نفسه، وهو من ذلك براء أيضا، ولا تصدقوا قولهم بأن السلفية هي أتباع الكتاب والسنة ومن يعاديها فقد عادى الإسلام، لأن كل فرق الإسلام، بلا استثناء، ترى منهجها معبّرا عن الكتاب والسنة.

إن الداء الذي لا دواء له في المذهب السلفي كامن في أساس وجوده الذي لفظه القرآن الكريم، أي اعتماد المثال في الماضي لا في المستقبل “حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا”، وبالتالي فقد كل أسباب التطوير والنمو، وقد يأتي من هنا أو من هناك من يستشهد بفتوى تكفيرية لأشعري أو ماتريدي، لكن يغيب عن المستشهد أن الزمن قد تجاوزها بفعل الارتقاء الجمعي، أما الجوهر النقلي والماضوي للسلفية مازال يحكمنا ويحكمها إلى يومنا هذا.

وما يلفت الانتباه، تبرع بعض الكتاب السعوديين بالتهجم على مؤتمر غروزني وعلمائه، زاعمين بأن المؤتمر يهدف إلى تقويض السعودية كمرجعية دينية، وهذا غير صحيح، فالسنة والمسلمون – تاريخيا – قدروا المملكة كمرجعية سياسية لهم، أما المرجعية الدينية فهي محسومة للأزهر منذ ثلاثة قرون، وتحديدا منذ أصبح المنبر في الحرمين الشريفين سلفيا، والعجيب أن بعض هؤلاء الكتاب دافعوا عن السلفية كمن يدافع عن الروح، والطريف أن هؤلاء البعض لا تصنفهم السلفية من جملة المسلمين، وظن البعض الآخر أن دفاعه عن السلفية دفاع عن بلاده، ولا شأن لهذا بذاك، فالسلفيون أقلية في المملكة، ولا يظهرهم إلا احتكار المناصب الدينية الرسمية.

ولو كان لنا عتب على أهل المؤتمر الذي استضافته الشيشان، فهو موقع المؤتمر، رغم أن أهل تلك المنطقة وما حولها عانوا الويلات من السلفية، وأتذكر أن رئيس جورجيا أعلن السلفية عدوا أول لبلاده بعد عام أو عامين من أحداث سبتمبر 2001، ومع ذلك فمأخذي على موقع المؤتمر أن شيخ الأزهر هو شيخ المسلمين جميعا، لذا كان يجب أن يحضر الجميع بين يديه لا أن يذهب إلى أحد، وصدور هذه التوصيات من قلب الأزهر الشريف سيكون أثره أقوى وأكبر، ومع ذلك أقول إن توصيات غروزني بمثابة ضوء آخر النفق، ولن يتهاوى الظلام إلا إذا تبنت القيادة السياسية السعودية توصيات غروزني، فتنسجم المرجعية الدينية للمسلمين (الأزهر) مع المرجعية السياسية (السعودية).

لقد وصل الإسلام إلى لحظة انسداد صارخة، فقد تصادم العالم والمسلمون من جهة، وتصادم المسلمون مع أنفسهم من جهة أخرى، لن تستطيع السلفية مواجهة الإرهاب ولا مواجهة إيران بسبب مشكلاتها البنيوية، فلن يكسر التطرف إلا الاعتدال، والاعتدال سني لا سلفي، ولن تستطيع السلفية أن تتفاعل بإيجابية مع العالم لأنها تعيش في زمن قديم بمفاهيم بالية، لذلك جاءت توصيات مؤتمر غروزني لتنقذ الإسلام ولتنصف السنة بعد أن بلغ السيل الزبى وأصبح الإسلام الأكثري (السنة) في دائرة الخطر والاستهداف، لأن أعداء الإسلام من داخله فتحوا الأبواب لأعداء الملة من الخارج ومن كل مكان بعد عبثهم بجوهر الدين الحنيف، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

*كاتب سعودي

المصدر: صحيفة العرب

الآراء الواردة في المقالة تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *