الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية / دراسات / السلفية الوهابية ودعوى الإرهاب
رضوان السيد

السلفية الوهابية ودعوى الإرهاب

بقلم: د. رضوان السيد* —
I
ما عادت المكابرة ممكنةً ولا مفيدة. فلدينا ثورانٌ هائلٌ في قلب الإسلام بدأت ظواهرُهُ فيما صار يُعرفُ بالصحوة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وظهر الجانب العنيف منه في الحركات التي اندلعت بمصر في السبعينات. وتمايز فيه وقتَها جانبان. الجانب الذي صار يُعرف باسم الإسلام السياسي، عَلَماً على الإخوان المسلمين ومتفرعاتهم، والجانب أو الجزء الذي صار يُعرفُ بالإسلام الجهادي. والذي خاض معاركَه الأُولى- كما سبق- في مصر، ثم خاض حربه الطويلة في أفغانستان ثم في نواحي يوغوسلافيا السابقة، وبعض الجمهوريات الروسية؛ وصولاً إلى مهاجمة سفارات أميركية في إفريقيا ثم مهاجمة الولايات المتحدة في عقر دارها. وفي التسعينات صارت القاعدة أبرز تمظهرات ذلك التيار العنفي، والتي سمّتْ نفسَها السلفية الجهادية. وقد تطورت حركات العنف هذه على ثلاث مراحل: مرحلة مصارعة الكفر العالمي (مقولة الفسطاطين)، ومرحلة مهاجمة السلطات والمدنيين الأجانب وغيرهم في البلدان العربية والإسلامية، ومرحلة الاستماتة من أجل إقامة سلطة إسلامية أو دولة إسلامية تطبّق الشريعة.
كلُّ هذه الحركات، وفي سائر المراحل تعتبر نفسها سلفيةً في الاعتقاد والسلوك. ونحن نعرف أنّ القاعدة ما انتهت بل صارت شبكةً هائلة الاتساع. بينما يميل داعش، القائل بالسلفية بدوره، إلى التمركز والهرمية.
كم هي القاعدة، وكم هو داعش سلفي؟ وكم هو بالأحرى وهّابي؟ أمّا العقائد فهي سلفيةٌ أو وهّابيةٌ بالتأكيد، وأما السلوكات والأهداف فليست كذلك بالتأكيد أيضاً. فلننظر بإيجاز في عقائد أو مبادئ هذه الظاهرة الهائلة التي اصطنعت انشقاقات بداخل الإسلام السني، وتحاول أن تفجّره وتفجّر العالم.
أولاً: مواجهة نظام العالم المعاصر بالقوة تارةً من أجل تحطيمه، وطوراً من أجل فكّ حصار وإسار الإسلام المقبوض عليه من جانبه. وهم يخوضون هذه الحرب تحت اسم الجهاد. وقد كانوا يسمونه جهادَ دفْع، وهم في زمن داعش يعتبرونه جهادَ طلب. وهذان المصطلحان كلاسيكيان، لكنهما موجودان أيضاً في عقائد السلفية الوهّابية.
ثانياً: إنّ هذا الكفاح المسلَّح إذا صحَّ التعبير يستند إلى مقولةٍ تظهر في القرآن والحديث وتفرض ظاهراً مجاهدة المشركين والكفّار. وفرض الجهاد ضد الغير ليس مقولةً فقهية كلاسيكية، بل هو عند جمهور الفقهاء القدامى باستثناء الشافعي(-204هـ) فرض كفاية، ويتمُّ أو يجري عند العدوان أو خوفه، فهو جهادُ دفْع. وحتى الشافعي لا يفرض جهاد الطلب بل يجيزه بعلّة الكفر؛ بينما لا يعتبر الفقهاء الآخرون – بمن فيهم أحمد بن حنبل- الكفر سبباً أو علةً للجهاد. السلفية الوهّابية تقول بجهاد الطلب، وتتشدَّدُ فيه، لأنها تتشدد في مسألتي الكفر والشرك تُجاه الخارج باستخدام عقيدة الولاء والبراء بإسراف. وتضيف لذلك بالداخل الإسلامي شنّ الحرب بداعية الردّة. والردة قد تكون علتها المعاصي المكفِّرة،وقد تكون علتُها عدم الخضوع لسلطة الإمام الشرعي. بيد أنّ الوهّابية كما يظهر من فتاوى شيوخها تتوسع في مسالمة الخارج بداعي وجود موادعة أو معاهدة أوعقد أمان بين الإمام ودول ومجتمـعات الكفر والشرك. أما التطـور الآخـر الذي حصـل لديها أو لدى شيوخـها وفقهائـها في عهـد الملك عبد العزيز أيضاً فهو التراجع عن تكفير الفِرَق والمذاهب الأُخرى ابتداءً بداخل الجزيرة وإلى خارجها، إنما على الإمام أن يفرض الإسلام الصحيح عليهم.
ثالثاً: الهدف المعلَنُ للإسلامين السياسي والجهادي إقامةُ السلطة التي تطبّق الشريعة. وهذا أمرٌ قامت به الوهابيةُ أيضاً. وقامت به في الزمن المعاصر حركة طالبان، بل وإسلاميو السودان، وبالطبع دولة ولاية الفقيه، وبصيغٍ مختلفة. إنما هناك فارقٌ بارزٌ لدى داعش، وهو الإعلان عن إعادة دولة الخلافة على نهج الراشدين؛ بينما أقام الملك عبد العزيز وَمَنْ قبله ما اعتبره دولة الكتاب السنة. وبذلك فإنّ الدواعش أرادوا الإفادةَ من رمزية الخلافة التاريخية، وهذه ثقافةٌ جديدةٌ نشرتها جماعات الإسلام السايسي، وما كان الوهابيون يحبونها بسبب حروبهم على مدى أكثر من مائة عام مع العثمانيين.
II
فيما بين الثلاثينات والسبعينات بدت السلفية السعودية على وجه الخصوص مستكينةً ووادعةً، ومطمئنةً إلى شرعية النظام الذي تخضع له. فمقولةُ السمع والطاعة لولي الأمر أساسيةٌ وتكاد تدخل في صُلب الاعتقاد. وكانت تجري مسائل واعتراضات هنا وهناك فيما يتعلق باجتياح التحديث بشتى مظاهره في المملكة ودول الخليج. بيد أنّ المؤسسة ظلّت مسيطرةً في التعليم والفتوى والقضاء. وبدت حريصةً فقط على المسائل الحسّاسة المتعلقة بالهوية مثل القضايا المتعلقة بالمرأة، والشريعة في القضاء، والرقابة في الحياة العامة. إنما المُلاحَظ من خلال مجموعة الفتاوى والرسائل الضخمة المجموعة في الدرر السنية في الأجوبة النجدية، أنه وخلال أكثر من مائة عام ما كانت هناك تطوراتٌ عقديةٌ وفقهيةٌ بارزة بداخلها باستثناء المسألتين اللتين ذكرتُهما وهما: الإقرار بحقّ الإمام في تنظيم العلاقات مع الخارج على أساس التعاهُد والاتفاقيات. والاعتراف بالفِرَق والمذاهب الإسلامية الأُخرى بداخل المملكة مع ممارسة شيءٍ من الرقابة عليها. بيد أن التأزم ظهر بالداخل في مناسبتين: مناسبة حراك جُهيمان العتيبي، ومناسبة الاستعانة بالقوات الأجنبية عندما غزا صدّام حسين الكويت.
ولذا فالحقُّ أنّ السلفية أو السلفيات الجديدة، كما اعتدتُ على تسميتها في بحوثي، إنما تطورت، سواء ما كان منها مسالماً أو مقاتلاً بالخارج العربي والإسلامي والعالمي. وهي تطوراتٌ سميتُها ثوراناً نظراً لانتشارها الهائل وتأثيراتها الهائلة على الداخل السعودي أيضاً. وأقصد بالتطور العظيم أمرين اثنين: السمتية الدينية الشديدة الصرامة في كل شيئ من العقائد وإلى العبادات والشعائر واللباس واللحى والتقاليد الجديدة للمناسبات الدينية والاجتماعية. أما الأمر الثاني فهو مقولة تطبيق الشريعة التي بدت كتلةً ضخمةً في الاقتصاد والاجتماع والأخلاق والتعامُلات، وهي جميعاً مسائل وقضايا وإشكاليات ما عرفت منها الوهابية شيئاً في مسيرتها على مدى مائتي عام. وصحيح أنّ السلفية الوهابية تقيم اعتباراً كبيراً لتأثيرات الشريعة في الشرعية، لكنْ أن تصبح هذه الكتلة الضخمة من الترتيبات الجديدة هي الشريعة، وأن تُصبح السلطة السياسية أو الإمامة، ركناً من أركان الدين، تستمدُّ قُدسيتها من مهمتها المقدسة التي هي تطبيق هذه الشريعة الجديدة؛ فإنّ ذلك كلَّه ما عرفتْه الوهّابية القديمة ولا الحديثة. وحتّى العنف المسمَّى منذ ثلاثة عقودٍ جهاداً خارج المملكة اختفى من أدبيات الفقه السعودي بالتسمية أيضاً منذ الثلاثينات من القرن الماضي. لقد اعتبرت الوهابية أنها أنجزت مهمتّها بإقامة الدولة، واستقرار السلطة، وبدأت هي المعادية للتقليد، تصنع لنفسها تقليداً متلائماً مع التقليد العام.
فمن هو باعث الجهاد العالمي، والجهاد أو الفريضة الغائبة بداخل الديار الإسلامية؟ كلُّ ذلك اصطنعته الحداثات حتى بداخل المملكة. وهي حداثاتٌ تستخدمُ الأصول الكلاسيكية على سبيل الترميز والشرعنة. إذ ينبغي أن لا ننسى أنّ السلفية الحديثة والمعاصِرة ليست جزءًا من التقليد الإسلامي الكلاسيكي لا في العقائد ولا في الفقه. وكما استخدمت الوهابية التأصيل ( أي العودة المباشرة للكتاب والسنة ) للتأسيس والشرعنة؛ فكذلك استخدم الجهاديون رموز التأسيس الوهابية من أجل التأصيل والشرعنة. و قد شعر كلٌّ من بن لادن والظواهري بضرورة التمايُز لتكونَ لهم شرعيتهم المستقلة باعتبارهم ظاهرةً جديةً بالفعل، فسمَّوا أنفسهم سلفيةً جهادية باعتبار أنّ السلفية الوهابية ما عادت جهادية. وجرؤ الزرقاوي والبغدادي أكثر فصرَّحوا بالخلافة التي ما كانت في حساب الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فالسلفيات الحداثية هذه مهمومةٌ بالرموز من أجل الشرعنة، مثل الثورانات في سائر الأديان كاليهوديات والبروتستانتيات والبوذيات والهندوسيات..الخ – وكلها ثورانات حداثة غير تقليدية.
لقد ذكرتُ نماذج الجهاد، والإمامة أو الدولة، والشريعة، وكيف تغيرت معانيها ومدلولاتها ووظائفها في الإسلام المعاصر. وهي عناوين استخدمتها الوهابية بمدلولاتٍ أُخرى. فلنذكر أخيراً مفهوماً أساسياً جداً عند أهل السنة في الأزمنة الكلاسيكية، وقد استخدمته الوهابية بمعنى، وتجنبه الإسلاميون السياسيون والجهاديون تماماً، وأقصِدُ به مفهوم الجماعة الذي لازم السُنّة طوال العصور الكلاسيكية. الجماعة في الإسلام السني هي صاحبة السلطة في الدين والدولة. وقد استخدمته الوهابية بمعنى الاجتماع على الإمام، ولو كان من أئمة التغلب. ذلك أنّ الإمام الشرعي عليه لكي تكونَ سلطته مقبولة أن يحظى بموافقة أهل الحل والعقد أو أهل الشورى، وبالبيعة العامة بعد البيعة الخاصة. وقد قال الإمام أحمد إنه من أجل تجنب الفوضى والفتنة وسفك الدم، يجب الخضوعُ للمتغلب، والإقبال على البيعة والطاعة له إذا صار من أهل الكفاية والشوكة. وقد قالت الوهابية بذلك تبعاً له، لضرورات إقامة السلطة الضابطة في ظروف نجد في القرن الثامن عشر. أما لدى حركات الإسلام الحديث والمعاصر فما عادت المرجعية العليا للجماعة بل للشريعة. بل وأكثر من ذلك: الجماعة غافلةٌ أو ضالّةٌ وينبغي فرضُ الشريعة عليها لاستعادة الشرعية والإسلام. الجماعةُ تعني التأهُّل لبلوغ الإجماع العقدي والفقهي والسياسي، ولا يتيسر ذلك لا لجماعات الإسلام السياسي، ولا لجماعات الإسلام الجهادي؛ بل إنها لا تريدهما. ولذلك يجري تجاهل المفهوم، رغم أنّ حسن البنا ما سمّى تنظيمه جمعية، شأن الآخرين، بل سمّاه جماعة للإيهام بانحصار الشرعية فيه شأن الإسلام الكلاسيكي.
III
فلنخرج قليلاً على العقديات والفقهيات والإحيائيات، ولنقل بعض الأشياء في السياسيات والاستراتيجيات. كل العوالم هائجة على السلفية وعلى الإسلام منذ هاجمت القاعدة الولايات المتحدة، ثم شملت ظواهر العنف هذه المجتمعات الإسلامية والعالم. وآخِرُ من اتهم الإسلام باسم الوهابية، واتهم الإسلام باسم السعودية، الرئيس الأميركي أوباما في مقابلته الطويلة مع مجلة “أتلانتك”. وليس عذراً أن نقول إنّ الدول العربية والإسلامية تضررت وتتضرر من هذا العنف باي اسم مثلما تضرر العالم ويتضرر. فنحن في البداية والنهاية مسؤولون عن ديننا وانفجاراته، وعن دولنا واضطرابها. ولن يفيد في كثيرٍ أو قليلٍ أيضاً الذهاب إلى القول إنّ هؤلاء القَتَلة خطفوا الدين وأنّ علينا العمل على استعادته. فالمفاهيمُ والممارساتُ كلُّها تبدو مسوَّغةً باسم مقولات يعرفُها كُلٌّ منها. المنظومات الدينية أو السياسية مثل السيارة، كل السيارات تملك نفس العناصر والآليات والاختلاف في الشكل الظاهري، وفي طرائق الاشتغال. وتتعطل السيارة أو تتدهور عندما يختل عنصرٌ أو أكثر أو آليةٌ أو أكثر. وقد ضربت الحداثات المناعة الدينية والقيمية، أو أنها غيَّرت فخرَّبتْ طرائق الاشتغال بين عناصر المنظومة. في كل دينٍ فقه عيشٍ، وفقهُ دينٍ أو شرعنة أو توجيه لهذا العيش. وقد تغيَّر العيش وتغيرت موارده وترتيباتُهُ في ديارنا، كما في ديار الآخرين. فأدَّى القلق وعدم التأكد في المجالين الاجتماعي والسياسي إلى الإقبال على اصطناع فقهٍ جديدٍ للدين يضبط أو يصطنع باسم الدين ترتيبات ومواضعات لنظام العيش الجديد. بدأ ذلك بالسمتيات الشعائرية الصارمة، ثم انفجرت هذه السمتيات بأيدي الحركات الدينية الجديدة أو الحداثية، والمعادية للحداثة والعولمة. لقد انفجرت في وجه الدين، وفي وجه المجتمعات، وفي وجه العالم؛ من حيث أرادت السيطرة فيه وعليه باسم استعادة الشرعية الدينية للمجتمعات، وتحريرها من إسار نظام العالم الحديث والمعاصر.
فلنتأمَّلْ المفاهيم والمقولات التي استخدمتها السلفيات الجديدة في بناء نظامها التأصيلي، بعد أن أجْرت تحويلاتٍ وتحريفاتٍ هائلةً عليها. وسأكتفي في هذا المعرض بأربعة مفاهيم محوَّلة ومؤوَّلة ومستقطَعة وقاطعة مع التقليد والتجربة التاريخية للأمة وحتّى مع التقليد الذي آلت إليه الوهابية في المملكة العربية السعودية. وهذه المفاهيم هي: الإيمان، والجهاد، والشريعة، والدولة الإسلامية.
إنّ أهمَّ الخصائص الكلاسيكية للإيمان عند أهل السنة أنه اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ الأركان. بيد أنّ الاختلال في العمل لا يؤدي إلى الاختلال في الاعتقاد، ولا يعرّض صاحبه للاتهام بالكفر، ما دام يؤمن بالوحدانية وبالنبوات والكتب، وباليوم الآخر. وحتّى تشددات الإمام أحمد ما أخرجت أحداً من الإيمان ربما باستثناء الجهمية. أما المرتكبون الآخرون فهم عُصاةٌ. وفي حين اصطنعت الفرق الإسلامية الأُخرى قوانين إيمان، ما حصل ذلك عند أهل السنة. وربما كان الانتشار الشاسع لأهل السنة بعد القرن الخامس الهجري من بين أسبابه هذا المفهوم الواسع للإيمان والإسلام. أرنست غلنر الأنثروبولوجي المعروف في كتابه: مجتمعٌ مسلم (1976) يقول إنّ هذا الأمر، أي المفهوم الواسع للإيمان، خصيصةٌ إسلاميةٌ سنية. ففي كل الأديان يجري الانفصال عن الأرثوذكسية أو التيار الرئيسي من أجل تخفيف المتطلبات العقائدية والشعائرية، إلاّ في الإسلام السني. فالمفهوم الأرثوذكسي أو السني للإيمان أقل أعباءً وتكاليف ومتطلبات منه لدى الآخرين الذين يتمايزون عن السنة بداخل الإسلام من طريق تضييق مفهوم الإيمان، والتكثير من الشعائر والمتطلبات لكي يظلَّ الفِرَقي ذا إيمانٍ كامل. فهناك في الإسلام اتجاهان كلاميان أو لاهوتيان رئيسيان: لاهوتُ العناية والرحمة الذي يمثله اعتقاد أهل السنة، ولاهوتُ التنزيه والعدل، الذي يمثله اللاهوت الآخر للمحكِّمة والمعتزلة والشيعة. في التوجه الأول للشيخ محمد بن عبد الوهاب سيطر نزوعٌ طهوري أو بيوريتاني في الاعتقاد إذ انفتح المفهوم على أمور ثلاثة: الوحدانية في مواجهة الشرك والردة، والولاء والبراء، ومجاهدة المشركين والمرتدين. وهذه المفاهيم هي بالطبع ذات مسستندات قرآنية، وتحمل آثار مرحلة ظهور أهل السنة، أو الفرقة الناجية- ومرحة التأزم في زمن الحروب الصليبية والمغولية- ومرحلة الاجتهادات التطهرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. لكن عندما عادت الدولة إلى آل سعود، وتطلب الأمر استيعاباً للتعدديات الدينية والمذهبية في المجتمع، جرت بالتدريج إقامة توازنات بين مبدأ الجماعة وأعرافها وإجماعاتها من جهة، وطاعة ولي الأمر ونُصرته من جهةٍ ثانية. بمعنى أنّ الولاء والبراء تضاءل استخدامُهُما للنفي والإقصاء والتطهير، كما توقف استخدام مصطلح الجهاد في مواجهة تنوعات الداخل. أما القاعدة وداعش والجهاديون الآخرون فعادوا إلى أصول التأزُّم لأنهم يمثلون انشقاقات، ويريدون اجتثاث السلفية السعودية باعتبارها قد انحرفت عن أصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، للحلول محلّها. وهكذا ضاق مفهوم الإيمان جداً لديهم بحيث صار قاصراً على أتباعهم، وعاد مصطلح الجهاد للاستخدام بالداخل وفي مواجهة العالم.
ولذا فالمطلوب هنا، وتبعاً للإمام أحمد رائد أهل السنة العمل بدون تردد على مكافحة استخدام مفهوم البراءة، ومفهوم الجهاد وممارسته بداخل الإسلام والجماعة. لا بد من الخروج من مسألة التكفير، ومن مسألة العنف بالداخل بزعْم تغيير المنكر، ومن مسألة مقاتلة العالم بحجة {قاتِلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة}. فالقاعدة العامةُ قولُهُ تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم، إنّ الله يحب المقسطين}. يقول الإمام أحمد: المسلمون على ظاهر العدالة، ولا نكفّر مؤمناً بذنب، ونصلي وراء كل إمام، ونجاهد مع كل أمير. لا بد من العودة إلى الروح الطيب، روح أهل السنة والجماعة، من طريق الثقة بالله عز وجل وعنايته ورحمته، وبالأمة والجماعة وقدرتهماعلى الاحتضان والتوحُّد والاتساع للاختلافات وعدم اعتبارها مُعاداة. فلا عصمة إلاّ بالجماعة وأعرافها وإجماعاتها. أما الطهوريات والنخبويات فهي ثوريةٌ وإقصائيةٌ وقاتلة. وقد كان المعتزلة والشيعة عندما يريدون تعييرنا يقولون عنا إننا عوام وطَغام ونابتة، ونحن العامةُ بالفعل، والجماعةُ كما قال رسول الله (ص) رحمةٌ والفُرقةُ عذاب. والراديكالي الثوري القاتل باسم الدين، يصدق عليه قولُهُ صلواتُ الله وسلامُهُ عليه: إنّ المنْبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظَهراً أبقى!
ولنمضِ من هنا إلى مفهوم الشريعة، الذي طوَّره وحوَّره الإسلام السياسي، وحمَّله للإسلام الجهادي، وأعطَوهُ عنوان الحاكمية. إنّ الشريعة هي الدين، والدين لا يمكن تحويله إلى قانون. وإذا كان البرنامج تطبيق الشريعة المقننة وهي عقائد وعبادات وأخلاق وأحكام ومعاملات؛ فإنّ معنى ذلك أننا لا نتبع ديننا الآن، وأنّ إسلامنا موقوفٌ لحين فرض داعش أو الإخوان أو الجماعة الإسلامية الدين والشريعة علينا. وهذا برنامجٌ يصطنع مشكلة بين المسلمين ودينهم، وبين الإسلام والعالم. إنما المهمُّ فيما نحن بصدده أنّ هذا تحويلٌ كبيرٌ وتحريف لعلاقة المسلم بدينه. وبالطبع لا شأن للوهابية به، فقد أقامت دولة الكتاب والسنة بالمملكة العربية السعودية. لكنّ الشبان الذين تمردوا في السلفيات الجديدة من المملكة ومن خارجها، يمارسون العنف بحجة أنّ الشريعة غير مطبقة، أي أنّ الناس بالمملكة أيضاً كفارٌ أو مرتدون.
ولذا يكون علينا الخروج من هذه التحويلات والتحريفات، وإعادة الأمور إلى نصابها بشأن مفاهيم الشريعة والدين، وبشأن سلامة إسلام الناس، وبشأن العلاقة القائمة بين مجتمعاتنا ودينها. فالمجتمعات هي التي تحتضن الدين وتتبعه، وما وكلت أحداً من الدواعش بتطبيقه، لأنّ ذلك هدفٌ وهمي باعتبار قيام الدين واستقراره. إنّ المهمَّ هنا الوعي الذي ينبغي أن يتوافر لدى العلماء والعامة بشأن القبض على دينهم، والعضّ عليه بالنواجذ، بدلاً من الوقوع في إسار الابتزازات الوهمية والصمت بحجة أنّ الدعوة لتطبيق الشريعة أمرٌ جيد. إنّ هذا الأمر هو من المهمات التي عهدت بها الحركات الحزبية الإسلامية لنفسها لتصبح ضروريةً للمجتمعات، وتحلَّ محلَّ القائمين بالأمر لإنفاذ المهمة المقدسة في تطبيق الشريعة!
ويبقى مفهوم الدولة الإسلامية. والتي صارت ركناً من أركان الدين، بذريعة استعادة الشرعية وتطبيق الشريعة، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. إنها وظيفةٌ جديدةٌ للدولة ما عرفتها قديماً وحديثاً. فالنظام السياسي هو لإدارة الشأن العام. وقد قال الماوردي(- 450هـ) إنّ الإمامة موضوعة لحراسة الدين وسياسة الدنيا. وقال كل الفقهاء إنها مصلحيةٌ وتدبيريةٌ وليست من التعبديات، ولا تدخل في أصول الدين وليست من أركانه. والمعروف انّ الإمام أحمد اختلف مع الدولة من أجل شأنٍ ديني هو قول بعض خلفاء بني العباس بخلْق القرآن. لكنه ما ثار عندما عُرض عليه ذلك، ولا خرج عن السمع والطاعة، وإنما اعتبر أنّ النظام السياسي مهمته إدارة الشأن العام، وحماية الديار من العدو، وليس تحديد عقائد الناس أو تطبيقها وإنما حراسةُ الدين على أصوله المستقرة وأعرافه الجامعة. والجماعة وفقهاؤها هم الذين يحددون ثوابت الدين وليس أمراء المؤمنين، ولا السلطة القائمة. لقد انقلب كلُّ ذلك في العقود القليلة الماضية، فصارت الإمامةُ أو الخلافة ركناً من أركان الدين، وصارت مهمتها تطبيق الشريعة، ولا تستطيع ذلك أو لا تعرف القيام به إلاّ إذا تولى الأُمورَ الحركيون والجهاديون الإسلاميون. وفضلاً عن تغيير مهمات الدولة، هناك تسليمها الشأن الديني، مما يعطيها عصمةً، فتصبح أقوى من الدول القومية والعلمانية الغربية. ويضافُ إلى كل هذا مساوىء إدخال الدين في بطن الدولة، إذ يدخل الحزبيون باسم الإسلام في الصراع على السلطة، ويزداد التشرذم والضياع والانقسام في الدين وعلى السلطة. ولا شكّ انّ الثوران الديني بسبب أهواء الحداثة والعولمة ومتغيراتها الهائلة، هو الذي دفع سائر الأصوليات في كل الأديان، إلى التدخل في الشأن السياسي، ودائماً بحجة إحقاق الدين، وتنفيذ تعليماته. وإلى ذلك هناك فشل تجار الدولة الوطنية في العالمن العربي والإسلامي، مما دفع ويدفع بعض الشبان المتدينين إلى تعليق آمال على دولة الإسلام التي يعتبرونها أفضل بما لا يقاس!
إنّ هذا الأمر العظيم الذي ابتُلينا به في ديننا ودُوَلنا ينبغي الخروج منه أيضاً. بحيث لا يتحول هذا التسييس للإسلام إلى دينٍ لا يمكن الخروج منه، باتجاه إقامة دول الحكم الصالح والرشيد، التي تعيد علاقة الانسجام بين الدين و الدولة في مجالنا الجيوسياسي.
*****
إنّ التشخيص الذي قمتُ به لظواهر التكفير والعنف والإرهاب لدى السلفيات الجهادية الجديدة تترتب عليه النتائج التالية:
أولاً: لقد نجحت الإحيائيات العنيفة وغير العنيفة في إجراء تحويرات وتحويلات في فقه الدين، وفي مفاهيم أساسية مثل الإيمان والجهاد والشريعة والدولة.
ثانياً: إن هذه الحركات هي حركات من نتاج الحداثة، وهي معادية للحداثة والعولمة. وهي لا تلجأ للكتاب والسنة والوهابية إلاّ على سبيل الرمز والشرعنة. ثم إنّ لجوءها لبعض الأصول الوهابية هو بغرض إزاحة السلفية الوهابية المعاصرة للحلول محلَّها باعتبارها خانت تلك الأصول.
ثالثاً: إنّ هذا لا ينفي أنّ هناك أُصولاً في السلفية الوهابية يمكن استخدامها في دعاوى الشرك والردة والبراءة والتكفير، وتبرير العنف. ولذا لا بد من أعمالٍ اجتهاديةٍ وتجديديةٍ وإصلاحية على وجه الخصوص في مجالات: الإيمان والشرك، والردة والقتال، والولاء والبراء. لقد كان هناك سكونٌ وسكينةٌ في السلفية السعودية على مدى ستين عاماً وأكثر. وهناك تقدمٌ في الدراسات المقارنة الفكرية والفقهية. وهناك اجتهاداتٌ بارزةٌ في القضاء، والتقنين الفقهي، ودراسات المذاهب الفقهية الأُخرى، واعتصامٌ بالجماعة وإجماعاتها. بيد أنّ هذا الاتساع في قراءة التجربة التاريخية والحاضرة، ما سرى في المجال العقدي بقوة كما جرى في المجال الفقهي والتنظيمي. ولذا لم يؤثّر كما يجب في تغيير رؤية العالم وملاءمتها في الوقت الذي كان فيه للسلفية الوهابية الهادئة نفوذٌ واسعٌ في سائر انحاء العالم الإسلامي. وعلى نفس النحو ما كانت هناك تأثيراتٌ بارزةٌ باتجاه الانفتاح والتلاؤم في المجال التربوي والتعليمي. وهذا لا يعني أنّ الاتجاه السني العقدي الآخر والأكبر، أي الأشعري، كانت له نجاحاتٌ بارزة. فهو يقول بالمسالمة والتلاؤم، ولا يكفّر ولا يُقصي. ومع ذلك فإنه تصدع وانهار أمام مطالب السلفية، ومطالب الإصلاحيين، ومطالب العولمة.
رابعاً: إنّ هذا الاستنتاج يدفعُنا للقول بالتشارُك والتعاوُن بين المؤسسات الدينية السعودية والمصرية والمغربية. فالذي حدث نتيجة هذا العنف الهائل هو انشقاقاتٌ في الدين، وقد نالت بشدّة من سائر الاتجاهات العقدية والفقهية في الإسلام. السلفية متهمةٌ بأنها بفكرها وعملها هي من وراء التطرف. ويتطلب الأمر مُراجعةً نقديةً للتجربة الفكرية والعقدية والدعوية والدولتية أو مع الدولة. لكن ماذا يفعل الآخرون الأشعريون وأتباع المذاهب؟ هم متهمون بالعجز، وأيضاً بعدم القدرة على الملاءمة رغم ما بذل علماؤهم من جهود. فإذا كانت السلفيات الجديدة قد ضربت السلفية التقليدية في عقر دارها؛ فإنّ السلفيات الجديدة ضربت الأشاعرة والصوفية في عُقر دارهم أيضاً، كما ضربتهم العلمانيات والحداثيات، بحيث ضعُفت القدرة على اسستيعاب الشباب السائرين بالاتجاهين: السلفي الجديد، والحداثي. وهكذا فإنّ الدين ذاتَه في خطر. وإذا كان أهل كل اتجاه يجب عليهم مراجعة تجاربهم القديمة والحديثة مراجعةً نقدية، فالمطلوب أيضاً التعاون والتشارك لتجاوز العجز، والتصدي للانشقاقات في الدين، أو تظهر أديانٌ جديدةٌ على حواشي وهوامش الإسلام. وحينها لا يعود الاجتهاد ولا الإصلاح ممكنين، ما دامت النزعات العقدية هي التي تحكم الشارع الديني.
هل تستطيع المؤسسات وعلماؤها النهوض بالدين من حمأة الإحيائيات؟ لا شكّ هناك حاجةٌ للفهم وللتأهُّل ولاستعادة روح المبادرة والرسالية. كل هؤلاء يعملون اليوم على مكافحة التطرف والإرهاب ويكون عليهم بالنقد والمراجعة الخروج ببدائل لاستعادة السكينة في الدين، بإخماد هذه الانشقاقات، التي لا يستطيع الأمن وحده إخمادها: { أما الزبد فيذهب جُفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

*باحث ومفكر لبناني مختص بالإسلاميات.

————
(**) ورقة قُدّمت بمركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام – الرياض، بتاريخ 26/3/2016.

المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد
http://www.ridwanalsayyid.com/

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

السياسة التركية حيال الأزمة السورية “2011 ـ 2017”

بقلم: جلال سلمي – ملخص: مع انطلاق اللهيب الأول للثورة السورية، بزغت، وبكل وضوح، هيمنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *