الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / دراسات / لماذا الرقص مع روسيا؟

لماذا الرقص مع روسيا؟

بقلم: بيري كاماك — أستأنف الجيش السوري يوم الاثنين 19 أيلول/سبتمبر غاراته على حلب، بعد أن أعلن نهاية هدنة دامت أسبوعاً واحدا. وهكذا تقوّض الاتفاق الروسي- الأميركي الذي أُعلن في 9 أيلول/سبتمبر حتى قبل أن يرى النور بالكامل. كما شكّل قصف قافلة المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، بعد أن سمح لها النظام السوري بالعبور، صدمة كبيرة وأسفر عن مقتل ما لايقل عن 20 عامل إغاثة.

ألقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري كلمة أمام مجلس الأمن يوم الأربعاء الفائت، قال فيها: “ليس هناك سوى بلدين تحلّق طائراتهما فوق تلك المنطقة، وهما روسيا وسورية”. كما أعلن المسؤول العسكري الأعلى رتبة في الجيش الأميركي، الجنرال جوزيف دانفورد، أمام مجلس الشيوخ الأميركي يوم الخميس، ما مفاده: “لاشكّ بأن الجانب الروسي هو المسؤول عن استهداف القافلة، لكنني لا أعرف أي طائرة تحديداً هي التي نفّذت القصف”.

والحال أن الانخراط الأميركي المتواصل مع روسيا، بوصفه الوسيلة الأمثل لتسوية النزاع السوري، يبدو حرفاً للأحداث عن تلك القواعد المعتادة الخاصة بالهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط. إذ يبدو للنقّاد وكأن هذا النوع من المفاتحات، أشرع الأبواب والنوافذ طوعاً أمام توسّع النفوذ الروسي، حتى بعد أن وصلت التوترات إلى أعلى مستوياتها بين واشنطن وموسكو منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد كان للولايات المتحدة خلال معظم حقبات العقود الأخيرة، مكانة مركزية مرموقة في غالبية المشاريع الأمنية والدبلوماسية في المنطقة- سواء تعلّق ذلك بأمن الطاقة، وحظر انتشار الأسلحة النووية، والاحتواء المزدوج للعراق وإيران- أو بمختلف تمظهرات الصراع العربي- الإسرائيلي. وأولئك الذي رفضوا النظام الإقليمي الذي تزعمته الولايات المتحدة، أي إيران وسورية وحماس وحزب الله والقاعدة، بلوروا أهدافهم وفقاً لهذا المعطى بالتحديد.

كانت روسيا تقف حينذاك في غالب الأحيان في صفوف المتفرّجين. فحتى العام 2011 لم يكن لديها أصول يعتد بها في المنطقة عدا حفنة منشآت بحرية في طرطوس، وعضوية اللجنة الرباعية المُحتضِرة (التي شُكّلت لدفع عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية قدما)، وبعض زبائن أسلحة في الجزائر وليبيا وسورية وإيران والعراق في عهد صدام حسين.

وخلال الأيام الأولى لانتفاضات الربيع العربي في العام 2011، امتنعت روسيا عن ممارسة حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1973، الذي فرض منطقة حظر جوي في ليببا، لكنها سارعت بعد ذلك إلى الاحتجاج بأن حلف شمال الأطلسي أساء تطبيق القرار بهدف تغيير النظام الليبي بالقوة. ثم، وبعد سنوات خمس من عرقلة كل الخطوات المفيدة حول سورية في مجلس الأمن، أثبت التدخل العسكري الروسي في أيلول/سبتمبر بأنه قادر على تغيير قواعد اللعبة، فأنقذ نظام الأسد من انهيار بدا وشيكاً، ومنح موسكو- حتى الآن على الأقل- دور المحاور الرئيس في الشرق الأوسط.

الآن، إذا ما وضعنا في الاعتبار الدور الإقليمي المحدود سابقاً لروسيا، ما الذي يُفسّر إقدام واشنطن على كسر هذا المعطى، عبر اندفاعها إلى الانخراط مع موسكو بوصفها شريكاً أساسياً في حل معظم أزمات الشرق الأوسط الضاغطة؟

هنا تُحشد ثلاثة أسباب: الانحدار النسبي المُفترض للقوة الأميركية؛ ومُقت الرئيس باراك أوباما المعروف للشرق الأوسط؛ والإنهاك الذي ضرب الشعب الأميركي جراء استمرار الصراعات العسكرية بعد 15 عاماً من هجمات 11 أيلول/سبتمبر. لكن، وعلى الرغم من وجود نذْرٍ من الحقيقة في كل هذه الأسباب، إلا أنها تتضمن مبالغات وتخفي وراءها مشكلة أساسية أكبر، وهي انعدام المطابقة الملائمة بين تحديات الشرق الأوسط وبين وسائل معالجتها.

لقد تمحورت معضلات الشرق الأوسط في العقود التني سبقت 11 أيلول/سبتمبر حول الدول والجيوسياسات. وعمد الرؤساء الأميركيون المتعاقبون إلى منح الأولوية لهذه التحديات واستجابوا لها بطرق مختلفة، وبمستويات متباينة من النجاح. لكن أهدافهم كانت متّسقة بكل معنى الكلمة: وهي دعم التدفق الحر للنفط، وضمان أمن إسرائيل، ومنع انتشار الأسلحة، وإدارة ما كان آنذاك إرهاباً مُزعجاً فقط. أما ترقية الديمقراطية وحقوق الإنسان، فجرى وضعها غالباً أسفل هذه الأهداف من حيث الاهمية.

أما اليوم، فالتحديات الرئيسة التي تواجهها المنطقة لاتقتصر على العلاقات بين الدول، بل تشمل أيضاً سياساتها الداخلية. وهكذا، وعلى الرغم من انخراط الولايات المتحدة المتواصل في حروب العراق منذ أكثر من 25 عاماً، إلا أن هذا البلد يبدو أقل استقراراً ممّا كان عليه في العام 1991.

لقد تراجعت فعالية الوسائل التقليدية التي تستخدمها الولايات المتحدة في فنّ الحكم، سواء تلك التي تعتمد أساليب الترغيب (مثل الدبلوماسية متعدّدة الأطراف، والتعاون الأمني، ومبيعات الأسلحة، والمساعدات الاقتصادية) أو الترهيب (كالردع، والعقوبات الاقتصادية، والقوة العسكرية). وكل هذا في منطقة كالشرق الأوسط، تعاني من الانهيار المؤسساتي على نطاق واسع، وتشهد بروز قوى غير دولتية وتنافساً عابراً للحدود.

لاريب أن سياسة مدّ اليد التي تنتهجها إدارة أوباما تجاه روسيا، تعكس حاجة ملحّة للسعي إلى استخدام ماتبقّى من ولايتها، لنزع فتيل التصعيد في الصراع السوري الكارثي، الذي أسفر عن مصرع نحو نصف مليون شخص، مع غياب أي حلٍّ في الأفق. لكن هذا ينمّ أيضاً عن تقييم متشائم أساساً لمدى قدرة الأفرقاء الخارجيين على ممارسة تأثير إيجابي في الشرق الأوسط الجديد، والأكثر خطورة.

بعد مضيّ عامٍ على انطلاق التدخل العسكري الروسي في سورية، يتّضح أن موسكو حقّقت مكاسب يُعتدّ بها من عمليتها العسكرية المتواضعة نسبيّاً، مثل حيازة المزيد من الزخم الدبلوماسي (والذي لم تقم الولايات المتحدة بجهود تُذكر للتصدّي له)، ناهيك عن أن مبيعات الأسلحة الروسية سجّلت ارتفاعاً كبيراً، وزادت وتيرة زوّار موسكو رفيعي المستوى من ملكيات الخليج وإسرائيل وبلدان أخرى. وحدث ذلك حتى في خضمّ توطيد روسيا علاقاتها مع إيران والعراق.

لكن، على المدى الأبعد، ثمة عوامل عدّة قد تعيق المطامح الروسية بتولّي قيادة المنطقة وترقية نفوذها الجيوسياسي. فالاقتصاد الروسي، الذي يعتمد بكثافة على الصادرات الهيدروكربونية، غارقٌ حتى أذنيه في الركود منذ ستة أرباع متتالية؛ كما أن حجم قواتها البحرية الهرمة، والتي ورثتها عن الحقبة السوفياتية، يتقلّص باضطراد، فضلاً عن أن الدعم الروسي غير المشروط للعنف العشوائي الذي يمارسه نظام الأسد ضدّ المدنيين، مُدان بعمق في صفوف الغالبية السنيّة في المنطقة. وعلى الرغم من أن الرئيس بشار الأسد نجا من الهزيمة العسكرية، لايبدو أن في حوزة موسكو إجابات أوضح (من واشنطن) حول كيفية التوصّل إلى حلٍّ للحرب الأهلية السورية.

لايزال النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وعبر المنطقة على قدرٍ من الأهمية. لذا يأمل كثيرون أن تنتهج الإدارة الأميركية المُقبلة مقاربةً أكثر حزماً هناك. ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا سيستخدم الرئيس الأميركي المُقبل القوة العسكرية كوسيلة لتحقيق أهداف السياسة الأميركية. بالطبع، ثمة أسباب أخلاقية واستراتيجية توجِب استخدامها، نظراً إلى الخسائر البشرية الفادحة الناجمة عن الصراع السوري الذي يعيث دماراً وخراباً في النظام العالمي الذي أُرسي بعد الحرب الباردة. ومن شأن اعتماد الولايات المتحدة مقاربة أكثر حزماً أن يضع حدٍّ للنجاح النسبي الذي حقّقته روسيا مؤخّراً، وأن يحول دون تنفيذ حملة عسكرية مشتركة، خاصة أن القوات المسلّحة السورية باتت الآن مسؤولة عن قصف قافلة المساعدات الإنسانية الأممية.
يبقى، مع ذلك، أن سجلّ ربع القرن الفائت من التدخّل الخارجي في شؤون الشرق الأوسط لايشكّل مدعاة للتفاؤل. ومن غير الواضح ما إذا كان تكثيف الضعوط العسكرية، سواء الأميركية أو الروسية، سيؤدّي إلى كبح جماح العوامل المسبّبة للصراعات العديدة وحالة عدم الاستقرار العميقة التي تشهدها المنطقة، أو حتى إلى عكس تداعياتها.

المصدر: مركز كارنيغي

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *