الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / تقدير موقف / زيارة أوباما لفيتنام واستخدامها لاحتواء الصين

زيارة أوباما لفيتنام واستخدامها لاحتواء الصين

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: د. هيثم مزاحم* —

زار الرئيس الأميركي باراك أوباما فيتنام بعد مضي 40 سنة على نهاية الحرب الفيتنامية، التي تركت بصماتها في تاريخي البلدين، وأحدثت جروحاً عميقة في شعبيهما. وكان الأكثر أهمية في الزيارة التاريخية إعلان أوباما عن رفع الحظر على بيع الأسلحة الأميركية لفيتنام، التي حاربت الجيش الأميركي بشراسة وشجاعة قلّ نظيرهما وقتلت نحو 57 ألف عسكري أميركي، بينما فقد الفيتناميون في هذه الحرب أكثر من مليون قتيل.
وكان كلام أوباما معبّراً حول تطور العلاقات بين البلدين إذ قال: “جئت إلى هنا مدركاً الماضي وتاريخنا الصعب، لكني أتطلع إلى المستقبل.. نقول اليوم جملة لم نتصور أننا نستطيع نطقها، وتفيد بأن فيتنام والولايات المتحدة شريكان”.
“شريكان” كلمة ذات دلالات قوية تستخدمها الولايات المتحدة عادة للحديث عن حلفائها كالدول الغربية. فما طبيعة هذه الشراكة وما الأهمية الاستراتيجية لفيتنام بالنسبة لأميركا اليوم؟
ليس سراً القول إن احتواء الصين هو هدف واشنطن من تطبيع العلاقات مع فيتنام ووصفها بالشراكة. وقد حاول أوباما التخفيف من مخاوف الصين من توجّهه إلى هانوي ورفعه الحظر عن بيع الأسلحة لها، بالدعوة إلى حل سلمي للخلافات في بحر الصين الجنوبي، قائلاً: “يجب أن تكف البلدان الكبيرة عن مضايقة البلدان الأصغر”، في إشارة إلى النزاعات على السيادة البحرية الدائرة بين الصين ودول جنوب شرقي أسيا.
لكن الصحافة الرسمية الصينية ردت بأن أوباما يكذب بتأكيده أن رفع الحظر الأميركي عن مبيعات الأسلحة إلى فيتنام، الذي تطالب به هانوي منذ مدة، لا يستهدف بكين، واتهمت واشنطن بمحاولة احتواء الصين.
وقد كتب جورج فريدمان، المحلل الأميركي البارز في موقع ستراتفور الأميركي الوثيق الصلة بالاستخبارات الأميركية، قبل أيام مقالة بعنوان “فيتنام والولايات المتحدة ومركزية الجغرافيا السياسية” قال فيها إنه على أساس أيديولوجي، يجب على واشنطن عدم بيع أسلحة الى هانوي، لأن الأخيرة دولة شيوعية ماركسية، فـ”المرء قد يعتقد أن التاريخ والأيديولوجيا من شأنهما أن يجعلا تجارة الأسلحة(مع فيتنام) مستحيلة. ولكن عندما ننظر إلى تاريخ ما بعد الحرب في المنطقة، وإلى عدم أهمية الأيديولوجيا في القرارات التي تتخذها هذه الدول نجدها مذهلة فعلاً”.
يوضح فريدمان أن السبب في هذا القرار هو الصين التي لا تشكّل بعد تهديداً عسكرياً كبيراً على الصعيد العالمي أو في المنطقة. لكنها في الوقت نفسه، تنوي زيادة قدراتها ويجب على الولايات المتحدة أن تخطط وفقاً لذلك. فالجغرافيا تفرض على الولايات المتحدة أن تجد حلفاء من الذين لديهم خلافات كبيرة مع الصين، ويحتاجون إلى الدعم لمواجهة هكذا تهديد محتمل. لقد كانت الصين وفيتنام حليفتين خلال حرب فيتنام، حيث وفّرت الصين كميات هائلة من الأسلحة والمواد وبعض المستشارين لفيتنام، ورأى الصينيون هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام كتراجع للتهديد الأميركي لبلادهم حينها.
ويشير فريدمان إلى أنه حتى قبل انتهاء حرب فيتنام، تدهورت العلاقات بين الحليفين الشيوعيين، الصين والاتحاد السوفييتي، وقد خاضا معركة كبيرة في عام 1968 على نهر أوسوري، الذي يفصل سيبيريا عن الصين، بغض النظر عن الأيديولوجيا الشيوعية المشتركة، فقد كان السوفييت يخشون الصينيين والعكس صحيح. ويضيف أن القوة الأميركية تراجعت لأنه أصبح واضحاً بشكل متزايد أن الولايات المتحدة كانت تخسر الحرب في فيتنام.
لقد كان الخوف الأميركي من أن السوفييت سوف يستخدمون هذا الضعف في محاولة للاستيلاء على أوروبا الغربية، وبسبب افتقارها إلى العدد الكافي من الجنود لتعزيز أوروبا، واجهت الولايات المتحدة أزمة استراتيجية آنذاك. لكن الولايات المتحدة قد حلّت هذه الأزمة من خلال الوصول إلى الصينيين، حيث كانت الصين في ذلك الوقت تقوم بتسليح القوات الفيتنامية لمحاربة الأميركيين، فتواصلت إدارة الرئيس نيكسون مع الصينيين واقترحت عليهم التوصل إلى تفاهم يقوم على أن تضغط الولايات المتحدة على السوفييت من الغرب فيما يضغط عليهم الصينيون من جهة الشرق. فالقوتان الأضعف تخلقان ضغوطاً على القوة الأقوى من اتجاهين، مما يجعل قيام السوفييت بأي عمل مستحيلاً. فمن وجهة النظر الصينية، إذا انهارت أوروبا الغربية، سيكون السوفييت مطلقي اليد في الهيمنة على الصين. ومن وجهة النظر الأميركية، فإن المصالحة الصينية مع السوفييت ستجعل الكتلة الشيوعية قوية وساحقة في ذروة الضعف الأميركي.
ويشرح جورج فريدمان أنه لما انتهت حرب فيتنام، ظهرت التوترات الكامنة بين فيتنام والصين. فالاحتلال الصيني لفيتنام كان لا يزال حياً في الذاكرة الوطنية القديمة لفيتنام. وبعدما وضعت الحرب أوزارها، أصبحت فيتنام القوة المهيمنة في الهند الصينية، فخشي الصينيون هذه القوة المتزايدة لفيتنام. في عام 1979، تحول هذا التوتر إلى حرب خاطفة. فيما تحالف السوفيات الذين كانوا يتعاملون حينها مع الصين كعدو، مع الفيتناميين.
أما الولايات المتحدة فقد وجدت في ذلك توازناً مرضياً لميزان القوى. ولذلك ظلت عدائية تجاه فيتنام لأسباب تاريخية واستراتيجية. وظل أعداء الصينيين هم أعداء أميركا، في ذلك الوقت، وإلى أجل محدد. لكن انهيار الاتحاد السوفييتي قد أبعد سيناريو كابوس الصين التي شرعت في التركيز على النمو الاقتصادي وفقدت اهتمامها الشديد بفيتنام. بدورها، فقدت الولايات المتحدة مصلحة في سياسة القوة لفترة من الوقت ثم ذهبت إلى الحرب مع “الجهاديين”، فيما انخفضت تعقيدات توازن القوى في آسيا.
ويكشف فريدمان أنه مع هبوط اقتصاد الصين ونمو جيشها، أصبحت فيتنام قلقة من أن الصينيين قد يفكرون مرة أخرى بعمل عسكري ضدهم. أما الولايات المتحدة، فهي ترى كذلك تزايد احتمال المواجهة مع الصين، وتنظر الآن بشكل مختلف إلى فيتنام مما كانت تفكّر بها في السابق.
ونتيجة نشر الولايات المتحدة لقواتها من أوروبا إلى الشرق الأوسط وشمال شرق آسيا، فلن يكون لديها ما يكفي من القوات لإشغال الصين فى البر الرئيسي. ولذلك ستقوم واشنطن بأي شيء يمكن القيام به لجعل الصين تفرّق قواتها وللتقليل من احتمالات الحاجة لمواجهة الصين مباشرة. هنا يأتي دور فيتنام، فخوفها من الصين وخوف الصين منها، قائمان منذ فترة طويلة. ولذلك، فإن فيتنام أقوى هو أفضل بالنسبة للولايات المتحدة.
لذلك وافقت الولايات المتحدة على بيع الأسلحة إلى فيتنام، لفتح الباب أمام تهديد متزايد للصين في جانبها الجنوبي، وفي أسوأ الحالات، التعاون مع فيتنام لإخضاع الصين في الجنوب، بحسب فريدمان.
يقول فلاديمير باتيوك، الباحث العلمي الأقدم في معهد الولايات المتحدة وكندا، إن “العلاقات الأمريكية – الفيتنامية حالياً هي في أعلى مستوياتها منذ سبعينيات القرن الماضي. إذ إن فيتنام تساهم في مشروع الشراكة عبر المحيط الهادئ الذي تنجزه واشنطن. وهذا المشروع حافز إضافي لتقارب البلدين، على الرغم من أن الصين هي العامل الرئيس في تقاربهما؛ لوجود نزاع حدودي بين الصين وفيتنام، لا يوجد مثله بين فيتنام والولايات المتحدة. أي ليس مستبعداً أن ينطلقا من مبدأ عدو عدوي – صديقي”.
وتأمل واشنطن أن تفقد هذه العلاقة مع فيتنام خصومها في بكين توازنهم؛ خاصة أن العديد من الشركات الأميركية بدأت تنتقل من أسواق الصين إلى السوق الفيتنامية. وبحسب صحيفة واشنطن بوست، فإن هذه الشركات تستغل رخص الأيدي العاملة في فيتنام. وهذا ما فعلته شركة “روكفورد” في ولاية مشيغان المنتجة للأحذية، حيث إن 30 في المئة من إنتاجها يتم في فيتنام، مقابل انخفاض حصة الصين فيه من 90 إلى 50 في المئة. وتقول الصحيفة إن “أوباما إذا تمكن من بلوغ هدفه، فستصبح الدولة الشيوعية أكثر جاذبية للرأسمال الأميركي بفضل “الشراكة عبر المحيط الهادئ”، التي ستخفض الرسوم العالية على البضائع الفيتنامية”.
يلاحظ فريدمان أن النظام الفيتنامي لا يقل ماركسية عما كان عليه في عام 1968، وليس أقل قمعاً من الصينيين وهو ليس أقرب أيديولوجياً إلى الأميركيين. ولكن بعد النظر إلى القصة كاملة، نجد عدم أهمية المسائل الأيديولوجية. فالقصة كلها هي ثلاثة أنظمة ماركسية(الاتحاد السوفياتي، الصين، فيتنام) معادية لبعضها البعض، والنظام الرأسمالي الغربي يستخدم هذا العداء لموازنة القوة. ومن وجهة نظر التحليل الجيوسياسي، واضح انعدام الأهمية للأيديولوجيا في كل ما حدث. بل تكمن الأهمية للدولة القومية، بغض النظر عن أيديولوجيتها الرسمية.
ويختم فريدمان: “لا واحدة من هذه الدول الأربع تصرفت كما دعت أيديولوجيتها. الكل تصرف كما دعت المصلحة الوطنية العليا. هذا هو السبب في أنني أجد الجغرافيا السياسية وسيلة أكثر أهمية لفهم العالم من المعتقدات والمبادئ”. فالماركسية لا يمكن أن تقاوم الضرورات الجيوسياسية. وبالتالي، يدعو فريدمان إلى عدم الدهشة من ذهاب رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما إلى بلد ماركسي وتمهيد الطريق لتسليحه، على الرغم من حقيقة أن الولايات المتحدة قد خاضت حرباً استمرت سبع سنوات مع فيتنام وخسرتها وأصبحت هذه الحرب مضرب مثل للهزيمة النكراء التي منيت بها أميركا.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف سينعكس دفء العلاقات الأميركية الفيتنامية على روسيا، وخاصة أن فيتنام شريك استراتيجي لروسيا منذ أمد بعيد؛ لكن حجم التبادل التجاري بين روسيا وفيتنام أقل مما بين فيتنام وكل من الولايات المتحدة والصين.
وبحسب غريغوري لوكشين، الباحث في معهد الشرق الأقصى في روسيا، فإن حجم التبادل التجاري المدني بين فيتنام وروسيا بلغ 3.9 مليار دولار. كما أن 75 في المئة من المعدات العسكرية والأسلحة التي يستخدمها الجيش الفيتنامي هي سوفيتية وروسية؛ حيث استوردت فيتنام عام 2015 أسلحة روسية بقيمة 714 مليون دولار، مشيراً إلى أن ظهور واشنطن كمنافس لروسيا في سوق السلاح في المنطقة، هو أمر سلبي من وجهة نظر المصالح الروسية.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط
haythamlb2015@gmail.com
@haytham66

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

“البطن الرخوة” في أوروبا وضربات “داعش”

بقلم: د. بكر أبوبكر* — حسب المعطيات الاعلامية فإن نشاط التيارات الاسلاموية المتطرفة لم تنقطع، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *