السبت , أغسطس 19 2017
الرئيسية / كتب / العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين

العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين

بقلم: د. هيثم مزاحم — درس الباحث التركي أحمد ت. كورو في كتابه «العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين (الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا)» (صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر) العلمانية في ثلاث دول هي: تركيا، فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وقد اختارها، لأنه اعتبرها استثنائية، فالولايات المتحدة هي المجتمع الغربي الوحيد الذي يتمتع بمشاركة قوية ومستمرة للكنيسة. أما فرنسا فهي الدولة الوحيدة في غرب أوروبا التي تستخدم في دستورها كلمة «جمهورية علمانية». أما تركيا فلأنها تجمع بين كونها مسلمة وغربية في الوقت ذاته، فهي دولة ممزقة، على حد قول صامويل هانتغتون. ويرى كورو أن هناك أوجه شبه مهمة بين الحالات الثلاث تسمح بإجراء المقارنة، ويستأثر مصطلح «العلمانية» بأوجه الشبه وأيضاً بأوجه الاختلاف، وذلك يسمح بالوصول إلى نتائج مهمة قابلة للتعميم من خلال هذه الدراسة.
ويرى الباحث أن لكل من الحالات الثلاث سياستها المختلفة، في موضوعة الرموز الدينية، لكنها تشترك في أنها جميعاً «دول علمانية».
ووجد كورو أن الدول المعنية لا تزال تنتهج مسارات متباينة ومستقرة نسبياً في ما يتعلق بسياساتها العامة إزاء الدين، إلا أنّ هناك تبايناً نوعياً واضحاً بين سياسات الدولة إزاء الدين في الولايات المتحدة من جانب، وفرنسا وتركيا من جانب آخر. فالولايات المتحدة تسمح للطلاب بإظهار رموزهم الدينية، وأداء قسم الولاء للبلاد الذي يتضمن عبارة «أمة واحدة، إله واحد». أما فرنسا وتركيا، فكل منهما تنتهج سياسات تتناقض كلياً مع هذا الموقف، إلى جانب مسائل أخرى.
ويكشف الباحث بالتحليل المعمق عن وجود بعض المفارقات في الحالات الثلاث، كما يتضح أيضاً وجود اتجاهين سلوكيين متباينين إزاء الدين في المحيط العام لكل منهما، ففي الولايات المتحدة، تسود نظرة رسمية عامة واضحة المعالم إزاء الدين، وهو الأمر الذي يغيب وجوده في النموذج الخاص في كل من فرنسا وتركيا.
ففي الدول العلمانية تنشب الصراعات الأيديولوجية بين فكرتين متباينتين حول العلمانية، بعد رسم سياسات الدولة وتشكيلها في ما يسمى «العلمانية الحازمة» و «العلمانية السلبية»، فالأولى تطلب من الدولة أن تؤدي دوراً حازماً إزاء استبعاد الدين من المحيط العام وحصره في نطاق المحيط الخاص، بينما الثانية تطلب أن يكون الدور الذي تؤديه الدولة دوراً سلبياً يفسح في المجال أمام فكرة ظهور الدين على المستوى العام، ومعنى ذلك أن العلمانية الحازمة هي عبارة عن عقيدة شاملة، بينما تعطي العلمانية السلبية الأفضلية لموقف الدولة الحيادي حيال مثل تلك العقائد.
وإذ يؤكد كورو أهمية الأيديولوجيات، يطرح سؤالاً هو: ما سبب هيمنة العلمانية السلبية في الولايات المتحدة، في حين تكون العلمانية الحازمة صاحبة اليد الطولى في كل من فرنسا وتركيا؟ ويقول الباحث أنه سيجيب على هذا السؤال عبر القيام بدراسة تحليلية تاريخية.
ويرى الباحث أن العلاقات السياسية للأديان والتصورات المتعلقة بها تتسبب في تشكيل صياغات محددة للأيديولوجيات ونظم الدين والدولة. ويخلص إلى أن النظام القديم يعد أساساً لعملية استقطاب بين المعارضين لرجال الدين والمحافظين. أما بالنسبة إلى البلدان التي لا وجود فيها للنظام القديم، فالحركة المناهضة للإكليروس غير موجودة أو مهمشة، فالنظام القديم يرتكز في وجوده أو غيابه على أربعة مكونات: 1- نظام ملكي، 2- دين سائد، 3- تحالف بين الاثنين، 4- حركة جمهورية ناجحة. ويشير إلى أن من بين الدول العلمانية تلك الدول التي تفتقر إلى وجود نظام قديم تمرّ من خلاله بتجربة هيمنة العلمانية السلبية. فالعلمانية السلبية والعلمانية الحازمة احتفظتا منذ نشأة الدولة العلمانية بوضعهما المهيمن في الدول الثلاث (الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا) من خلال التلقين الأيديولوجي والتنشئة الاجتماعية المؤسساتية والتعليم الحكومي.
ففي الحالة الأولى وهي الولايات المتحدة، فيرى الباحث أن سياسات الولايات المتحدة تتسم بروح التسامح إلى حد بعيد قياساً على النظرة العامة للدين في المدارس، وذلك من خلال حرية إظهار الرموز الدينية، ويرى أن السياسات المعتمدة تتسم بدرجة من التعقيد، وذلك من خلال سياسات الحظر المفروضة على تمويل الدولة المدارس الدينية الخاصة، إضافة إلى الصلوات المنظمة في المدارس والتعاليم الدينية في المدارس الحكومية، ويشير إلى أن هذه السياسات تستلزم تناولها كإحدى ميادين الصراعات الأيديولوجية المتواصلة.
يقول كورو أن المبدأ العام الذي يقوم عليه النظام القانوني المعمول به في الولايات المتحدة هو عدم جواز حظر الممارسات الدينية الخاصة بالأفراد، والقضية المثيرة للجدل في أميركا في مدى إمكان إعفاء الفرد من قرار الحظر العام بسبب معتقداته أو معتقداتها الدينية. فقد شابَ سياسة الولايات المتحدة إزاء الدين وجود تناقضات معينة، كما تنطوي سياساتها إزاء الدين في المدارس على مفارقة أخرى، فمن ناحية، نجد أن المدارس الحكومية في أميركا مفتوحة أمام التديّن العام في ما يتعلق بالتعهد الذي يتضمن الإشارة إلى الرب والحرية التي يتمتع بها الطلاب في إظهار رموزهم الدينية، ومن ناحية، حالت قرارات المحكمة دون تلقي التعليم الديني وممارسة الصلاة المنظمة في المدارس، وهو السبب الرئيسي وراء هذه التناقضات الأيديولوجية بين المجموعات ذات التفسيرات المختلفة للعلمانية لدى المحافظين من جهة والليبراليين من جهة أخرى.
وتكمن قضية الخلاف الرئيس بين هاتين المجموعتين في قضية العلمانية، في الوقت ذاته يؤيد المحافظون مسألة تبني الدولة الدينَ، في حين يميل الليبراليون إلى الفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية.
يقول الباحث أن المحافظين يرون أن الدين ساهم في شكل إيجابي في الحياة العامة في أميركا، وانحصرت الرغبة الأساسية لواضعي القرارات في حماية الدين من التدخل الحكومي بدلاً من الوقوف ضده. ويرى كورو أن العلمانية السلبية راسخة رسوخاً تاماً في معتقدات الولايات المتحدة، حيت تركز الخلافات الأيديولوجية الرئيسة فيها على التفسيرات المختلفة لهذا النوع من العلمانية، الأمر الذي يجعل نموذج الولايات المتحدة يختلف عن نموذجي فرنسا وتركيا اللتين تدور فيهما صراعات أيديولوجية بين العلمانية الحازمة والعلمانية السلبية. لماذا أصبحت العلمانية السلبية سائدة في الولايات المتحدة؟ يجيب الباحث بأن التحقيق في الهيمنة الحالية للعلمانية السلبية في أميركا يتطلب تحليلاً تاريخياً، فعدم وجود نظام قديم قائم على أساس الملكية وهيمنة الدين ساهم في تشكيل العلمانية السلبية خلال فترة التأسيس الأميركية، إذ كانت أميركا بلداً جديداً يتمتع بتنوع ديني، وقد غذّت هذه الظروف الأولية ظهور العلمانية السلبية وهيمنتها.
في الحالة الثانية، فرنسا، أي العلمانية الحازمة يبدأ الباحث عرض أحداث قضية ارتداء الحجاب التي أخذت مقداراً كبيراً من الأهمية على المستوى الوطني الفرنسي، ويشير إلى وجود مجموعة مناهضي الهجرة الوافدة وأصحاب الخوف المرضي من كل ما ينتمي إلى الإسلام في فرنسا (الإسلاموفوفيا). ويرى كورو أن فرنسا تعدّ حالة استثنائية بين دول غرب أوروبا نتيجة لسياساتها التعسفية التي تنتهجها إزاء المسلمين، كما تقف فرنسا موقفاً أكثر تقييداً إزاء الدين بصفة عامة. ويشير إلى أن سياسات الدولة إزاء الدين في فرنسا تشكلت في خضم الصراعات الأيديولوجية بين أنصار العلمانية المحاربة وأنصار العلمانية التعددية، وأن الهدف الذي تسعى وراءه العلمانية المحاربة هو إقصاء الدين عن المحيط العام، في حين تجيز العلمانية السلبية ظهور الدين على المستوى العام.
ونظراً إلى هيمنة العلمانية الحازمة في فرنسا، فقد ظهرت على السطح سياسات مقيّدة إزاء الدين، مع وجود مقاومة شديدة من جانب أنصار العلمانية السلبية في فرنسا. ولا ينكر الباحث الدور الذي ساهمت به سياسة مناهضة الهجرة الوافدة والإسلاموفوبيا، لأنها بمثابة متغيرات تدخل في تفسير سياسات الدولة إزاء المسلمين في فرنسا.
الحالة الثالثة والأخيرة وهي تركيا ويطرح الكاتب السؤال الآتي: لماذا اتبعت الدولة التركية سياسات إقصائية إزاء الدين تفوق إلى حد كبير ما هو متبع في الولايات المتحدة، بل تتجاوز السياسات الاستبعادية المتبعة في فرنسا؟ ويجيب بأن السياسات الإقصائية في تركيا جاءت نتاجاً للأيديولوجية العلمانية الحازمة المهيمنة والدور شبه الفاشيستي السلطوي الذي أداه كل من الجيش والسلطة القضائية. ويضيف أن الجدل حصل حول العلاقة بين الدولة والدين في تركيا بين مجموعتين هما: الكماليون، والمحافظون المؤيدون الإسلام، حيث وجّه الكماليون انتقاداتهم إلى المحافظين؛ لأنهم لم يعتنقوا العلمانية، إلى جانب امتلاكهم أجندة إسلامية مستترة. أما المحافظون فيرون أن الكماليين لا يدافعون عن العلمانية، بل يدافعون عن نظام مناهض للدين، والصراع هو نقاش حول «المعنى الحقيقي للعلمانية وكيفية ممارستها». فبينما وقف الكماليون موقف المدافع عن العلمانية الحازمة التي تهدف إلى محو الإسلام بخاصة، والدين عموماً من المحيط العام، يحاول المحافظون استبدال تلك العلمانية الحازمة بالعلمانية السلبية التي تسمح بظهور الدين على المستوى العام.
وأهم الجبهات المدافعة عن العلمانية السلبية في تركيا هي المحافظون المؤيدون للإسلام الذين مروا في مرحلة تحول في أواخر التسعينات من القرن العشرين نتيجة تكيّفهم مع عملية العولمة وقمع الدولة، وقدموا نموذج العلمانية السلبية لتكون بديلاً عن العلمانية الحازمة المهيمنة. فقد أعلن علي بولاق، أن الإسلام السياسي القائم على الدولة قد مات، وطالب بوضع أسس لإسلام مدني جديد قائم على الفرد، ولا يتعارض مع العلمانية بوصفها نظاماً سياسياً. أما حزب العدالة والتنمية فقد رفض التوجه بفكره إلى أي انتماء إسلامي، ووصف إطار عمله بأنه «الديموقراطية المحافظة»، وحدد مفهوم العلمانية بأنه «يعني أن تبقى الدولة على موقفها الحيادي إزاء جميع الأديان والعقائد.

المصدر: صحيفة الحياة

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

“موسوعة التطرف”: 535 شخصية من “القاعدة” و”داعش” والسلفية الجهادية في العالم

صدر عن “مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية” في بغداد، بالاشتراك مع دار الرافدين في بيروت، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *