الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / دراسات / السياسة الخارجية الأميركية بعد هجمات 11 أيلول – سبتمبر(2001- 2002)
الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن

السياسة الخارجية الأميركية بعد هجمات 11 أيلول – سبتمبر(2001- 2002)

بقلم: د. هيثم مزاحم– نُشرت هذه الدراسة في مجلة “شؤون الأوسط” اللبنانية في حزيران – يونيو 2002 اي قبل نحو 8 أشهر من الغزو الأميركي للعراق، وقد تم فيها عرض مواقف القوى الدولية والإقليمية من تهديد الولايات المتحدة وحلفائها بمهاجمة العراق، خاصة أن هذا الغزو لم يكن مؤكداً بسبب الرفض الدولي له.

—————————————————————————————————————–

أظهرت الحرب الأميركية ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001، وما تبعها من إقامة قواعد أميركية فيها وفي دول اخرى في آسيا الوسطى والقوقاز، أن الولايات المتحدة استغلت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في نيورك وواشنطن لتعزيز نفوذها العالمي، وخصوصاً هيمنتها على مناطق آسيا الوسطى وبحر قزوين والخليج التي تتمتع بأهمية جيو – استراتيجية وجيو اقتصادية، نظراً إلى تمتعها بثروات هائلة من النفط والغاز كمصادر للطاقة التي تزداد أهميتها يوماً بعد يوم مع ارتفاع أسعارهما والتوقعات بتزايد الطلب عليهما في السنوات المقبلة.
تحاول هذه المقالة دراسة السياسة الخارجية الأميركية بعامة وتجاه الشرق الأوسط بخاصة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، واستغلال هجمات 11 أيلول/سبتمبر لتبرير غزو العراق وتهديد إيران، وكذلك تأثير هذه الهجمات على العلاقات الأميركية – السعودية، بعد الانتقادات الأميركية للرياض بسبب كون معظم منفذي هجمات 11 أيلول/سبمتمر هم من الجنسية السعودية (15 من أصل 19 خاطفاً)، واتهام بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية السعودية والخليجية بتمويل تنظم “القاعدة” الذي بتزعمه أسامة بن لادن.

مقاربة إدارة بوش للسياسة الخارجية
تميزت إدارة الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الإبن بمقاربة للسياسة الخارجية أكثر تشدداً وعدوانية من مقاربة إدارة سلفه الديموقراطي بيل كلينتون، بحيث تبنّت سياسة “غطرسة القوة” و”الهيمنة الآحادية” على العالم من دون أي مهادنة للخصوم وأي مراعاة للحلفاء والأصدقاء. وقد برز ذلك منذ الشهور الأولى لحكم بوش، إذ رفضت واشنطن التوقيع على معاهدة كيوتو للطاقة، ثم جاءت مسألة الخلاف مع الصين بسبب قضية طائرة التجسس الأميركية التي اخترقت الأجواء الصينية وسقطت بعد اصطدامها بطائرة عسكرية صينية اعترضتها. ثم برز الخلاف مع روسيا بسبب قرار واشنطن إلغاء معاهدة “إيه بي أم” للصواريخ مع طرف واحد واعتزامها بناء “الدرع الصاروخية” (الدفاع الصاروخي القومي).
أما في الشرق الأوسط، فقد أعلنت إدارة بوش عزمها على إعادة تشديد الحصار على العراق فكثفت غاراتها الجورة على بعض الدفاعات الجوية والمواقع العسكرية العراقية من جهة، وطرحت مشروع “العقوبات الذكية” في مجلس الأمن من جهة أخرى. ونتيجة المعارضة الروسية والفرنسية والصينية لهذا المشروع في مجلس الأمن، تم تمديد العمل باتفاق “النفط مقابل الغذاء” لمدة ستة أشهر كحل وسط على أن يعاد النظر في المشاريع المقترحة واتخاذ قرار جديد في أيار/مايو 2002 في شأن تجديد العقوبات على العراق أو إلغائها أو تعديلها.
وبالنسبة إلى إيران، فقد بنيت آمال بحصول تقارب أميركي إيراني بعد وصول بوش ونائبه ديك تشيني إلى الحكم، وذلك بسبب ارتباط الاثنين بشركات النفط الأميركية صاحبة المصلحة الرئيسية في رفع الحظر الاتقاصدي عن إيران، وخصوصاً إلغاء “قانون العقوبات على إيران وليبيا” الذي انتهت مدته في آب/أغسطس 2002. لكن اللوبي الإسرائيلي مارس ضغوطه على الكونغرس الأميركي بحيث تم تجديد القانون لسنتين وتم تفويت فرصة ثمينة للتقارب مع إيران.
أما بالنسبة إلى سياسة إدارة بوش تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي وعملية التسوية فكانت سياسة انعزالية غير مبالية في العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر 2000. فلم تقم واشنطن بأي جهد يذكر لوقف هذا العدوان والضغط على إسرائيل للانسحاب من المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية التي عاودت احتلالها، أو القيام بمبادرة لاستئناف مفاوضات الوضع النهائي بين الجانبين، والتي توقفت عند الانتخابات الإسرائيلية التي أسفرت عن فوز أرييل شارون برئاسة الحكومة الإسرائيلية.
ونتيجة لهذا الاستخفاف الأميركي بدماء الفلسطينيين والانحياز الكامل لإسرائيل الذي تمثل بمنح شارون “ضوءاً أخضر” للقضاء على الانتفاضة من دون أي اعتراض أميركي، بدأ التوتر يعتري العلاقات الأميركية – السعودية بسبب غضب الرياض من موقف بوش الذي دعمه العرب والمسلمون الأميركيون حتى فاز في الانتخابات الرئاسية على منافسه الديمقراطي، آل غور، الذي اعتبر أحد أكثر الموالين لإسرائيل. فكانت المفاجأة أن بوش الذي لم يحظ بدعم اليهود وأنصار إسرائيل في الانتخابات وفاز بأصوات العرب أظهر انحيازاً مكشوفاً لإسرائيل ولا مبالاة تجاه الاحتجاج العربي.

السياسة الخارجية الأميركية بعد 11 أيلول
بعد هجمات الطائرات المخطوفة في 11 أيلول/سبتمبر، برزت تطورات جوهرية ومهمة مع المقاربة الأميركية للسياسة الخارجية كان محورها أن الولايات المتحدة لم تعد بعيدة من الاستهداف بهجمات إرهابية، إذ اتضح أن ثمة تهديدات فعلية وخطيرة تهدد الأمن القومي الأميركي قد تأتي من تنظيمات “إرهابية” وليس فقط من دول “مارقة”، إذ إن ثمة احتمالات جدية بحصول “الإرهابيين” على أسلحة دمارشامل. كما شعرت واشنطن أن هيبتها كقوة عظمى احادية قد تراجعت وأنه لا بد لها من أن تستعيد الهيبة لقوتها والانتقام من الإرهابيين والدول التي ترعاهم، وكذلك العمل مع الدول كلها للقضاء على “الإرهاب” وإضعاف الدول الداعمة له.
وقد أعلن الرئيس الأميركي، جورج بوش، في 15/3/2002 أنه لن يدع الأنظمة الخطر في العالم تهدد أميركا وحلفاءها بأسلحة الدمار الشامل. وقال بوش على العالم المتحضر أن يأخذ على محمل الجد التهديد الإرهابي المتزايد على مستوى كارثي. علينا أن نمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل(…) لن ندع الأنظمة الأخطر في العالم تتعاون مع قتلة لمحاصرة الأمة الأميركية العظيمة، وحض بوش الكونغرس الأميركي على التصويت من دون إبطاء على موارنة الدفاع الأميركية التي تتضمن زيادة بقيمة 48 مليار دولار، مشيراً إلى ضرورة تزويد الجيش بكل الوسائل الضرورية لتحقيق النصر في الحرب على “الإرهاب”.
وأقر وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، في 21 أيار/مايو 2002 أن الإرهابيين سيمتلكون بلا شك أسلحة دمار شامل. وقال “علينا الاعتراف بأن الشبكات الإرهابية تقيم علاقات مع دول إرهابية تملك أسلحة دمار شامل، ومن المؤكد أنهم سيصلون إليها ولن يترددوا دقيقة واحدة في استخدامها”. وأورد في هذا الشأن أسماء العراق وإيران وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية.
وقد ادرك صانعو القرار الأميركيون وخصوصاً “صقور الإدارة” الذين يتقدمهم نائب الرئيس، ديك تشيني، ووزير الدفاع، دونالد رامسفيلد، ونائبه الصهيوني، بول وولفوفيتز، ومستشارة الرئيس للأمن القومي، كوناليزا رايس، أن فرصة مثالية قد أتيحت لأميركا كي تحكم قبضتها على العالم وتعزز نفوذها في مناطق جديدة وخصوصاً حيث تكمن ثروات النفط والغاز. فجاءت الحرب ضد تنظيم “القاعدة” الذي يتزعمه أسامة بن لادن وحركة طالبان الحاكمة في أفغانستان في تشرين الأول/ اكتوبر 2001 لتمنح واشنطن قواعد عسكرية في أفغانستان وفي دول أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز (أوزبكستان وقيرغيرزستان وطاجيكستان وجورجيا) فضلاً عن وجودها في أذريبجان وذلك تحت غطاء محاربة الإرهاب، ما يعزز التواجد الأميركي في هذه المنطقة المطلة على بحر قزوين بما يمكنها من السيطرة على الحصة الأعظم من النفط والغاز. كما سوف تتيح هذه القواعد العسكرية لأميركا تطويق إيران ومواجهة المارد الصيني عن قرب وتحدي الخصم الروسي في عقر داره.
وقد ساهم الانتصار الأميركي السريع في أفغانستان في تصاعد غرور الأميركيين واستعلائهم ما جعلهم ينتقلون بسرعة إلى المرحلة الثانية من الحرب ضد الإرهاب مع إعلان واشنطن عن إدخال حركات وتنظيمات أخرى فيلائحة المنظمات “الإرهابية”، وخصوصاً حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، وذلك إكراماً لإسرائيل ورضوخاً لضغوط اللوبي المؤيد لها في الكونغرس والإدارة. ولم تكثف إدارة واشنطن بذلك، بل أعلن بوش في خطابه حول “وضع الاتحاد” في نهاية كانون الثاني/ يناير 2002 عن “محور الشر” الذي يضم العراق وإيران وكوريا الشمالية ملقياً تهديدات ضد هذه الدول الثلاث.
وقد برزت مؤشرات قوية إلى أن واشنطن ستستهدف العراق في المرحلة الثانية من حملتها العسكرية ضد “الإرهاب” بعد النصر الذي حققته في أفغانستان، وجاء إعلان الرئيس الأميركي، جورج بوش، عن “محور الشر” الذي يشمل العراق وإيران وكوريا الشمالية وتهديدات المسؤولين الأميركيين لهذه الدول الثلاث ليعيد خلط الأوراق، وذلك بعدما ظهرت إشارات تقارب إيراني – أميركي تجلى في تعاون غير مباشر في دعم التحالف الشمالي الأفغاني في الحرب ضد حركة طالبان الأصولية.

ثوابت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط
قبل البدء في دراسة السياسة الأميركية الحالية تجاه الشرق الأوسط، وخصوصاً منطقة الخليج، بعد اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر، لا بد من معاينة ثوابت هذه السياسة قبل هذا التاريخ وتحديداً مقاربة إدارة جورج بوش لهذه السياسة.
تقوم الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على ثلاثة أركان أساسية هي:
1 – حماية منابع النفط وطرقه بما يضمن استمرار تدفعه إلى الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة، بأسعار متدنية وثابتة نسبياً.
2 – بقاء المنطقة سوقاً استهلاكية للسلع والخدمات الأميركية ولا سيما الأسلحة منها.
3 – حماية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخصوصاً ضمان أمن إسرائيل وتفوقها النوعي العسكري على دول المنطقة، وكذلك ضمان استقرار الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة.
وعلى الرغم من التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال “الخطر الشيوعي” وقيام نظام عالمي جديد تهيمن عليه الولايات المتحدة، إلا أن أركان السياسة الأميركية الشرق أوسطية تلك قد بقيت على حالها من دون أي تغيير جذري، وذلك لأن النفط ما زال في صدارة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية، وكذلك لاستمرار أهمية السوق الخليجية بالنسبة إلى الصادرات الأميركية وخصوصاً الأسلحة منها، إضافة إلى ثبات مكانة إسرائيل وأهميتها بالنسبة إلى الرأي العام والدوائر الحاكمة الأميركية.
وقد نجحت النخب المؤثرة في صناعة القرار السياسي الأميركي، والتي تتشكل من تحالف “المركب الصناعي – العسكري – الاستخباراتي” مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، في الترويج لسياسة احتواء الدول الإقليمية التي تشكل خطراً على المصالح الأميركية في العالم وخصوصاً في منطقة الخليج، إذ تمت المبالغة في القدرات العسكرية لعدد من الدول، وخصوصاً في منطقة الخليج، إذ تمت المبالغة في القدرات العسكرية لعدد من الدول، وخصوصاً العراق وإيران. وتبنت الولايات المتحدة إطلاق مفاهيم “الدولة المارقة” (Rogue State) أو “الدولة الخارجة عن القانون” (Outlaw State) و”الدولة الداعمة للإرهاب” لنعت الدول المناهضة لها وتبرير السياسات المعادة لها. فعادت واشنطن إلى سياسة الاحتواء التي استخدمتها في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي لتستخدمها ضد خصومها من القوى الإقليمية كالعراق وإيران وخصوصاً في ما سمي لاحقاً بـ”الاحتواء المزدوج”.
كما تم الترويج المقولة “الخطر الإسلامي” الذي تشكله حركات “الإسلام السياسي” التي يطلق عليها تسميتا “الأصولية” و”الإرهابية” واتهمت إيران برعاية ودعم هذه الحركات من جهة أخرى.
وتعود أسباب اختلاق هذه الأخطار إلى حاجة “المركب الصناعي – العسكري – الاستخباراتي” لتبرير وجوده وثبات الموازنات المخصصة له وزيادتها وكذلك ضمان سوق يؤمن استمرار عمل مصانع الأسلحة الأميركية، فيما أراد اللوبي الإسرائيلي من الترويج لهذه المخاطر والتهديدات تبرير الدعم الأميركي لإسرائيل، بعد تراجع مكانتها كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط في أعقاب انتهاء الحرب الباردة.
بينهما واستخدام كل طرف لإضعاف الطرف الآخر. وبعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) بروز العراق كقوة إقليمية ذات قدرات عسكرية وتكنولوجية تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة، وتهدد كذلك التفوق العسكري الإسرائيلي، تمكنت الولايات المتحدة من تفكيك هذه القدرات العسكرية العراقية في حرب الخليج (عاصفة الصحراء) عام 1991 بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، ومن ثم عبر فرض الحظر الدولي عليه وإخضاع العراق لتفتيش دولي متواصل للبحث عن أسلحة الدمار الشامل والتأكد من عدم إخفائه أياً منها أو معاودة تصنيعها.
ولاحتواء ما اعتبر تهديداً إيرانياً أعلنت إدارة الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون، منذ أيار/مايو 1993 بتأثير مباشر وصريح من إسرائيل واللوبي اليهودي، سياسة “الاحتواء المزدوج” ومع ظهور فشل هذه السياسة وعجزها عن عزل إيران دولياً وفرض حصار اقتصادي شامل عليها على غرار العراق بسبب عدم وجود إجماع دولي على هذه السياسة، أسفرت الضغوط الإسرائيلية على الإدارة والكونغرس الأميركيين ف تشديد سياسة الاحتواء ضد إيران ومن ثم تم فرض حصار اقتصادي اميركي في 30 نيسان/ أبريل 1995 وثم أعلن “قانون العقوبات على إيران وليبيا” (ILSA) عام 1996 وهو مرسوم رئاسي تنفيذي يقضي بفرض عقوبات من الدرجة الثانية على إيران وليبيا بحيث تعاقب الشركات الأجنبية التي تتعامل معها.
وكان “الاحتواء المزدوج” للعراق وإيران قد أشرف في نهاية ولاية كلينتون عام 2001 على الانهيار بعد تآكله وتعرضه لانتقادات واسعة من الشركات الأميركية والاتحاد الأوروبي في أعقاب فشله في التأثير على النظامين العراقي والإيراني، بينما أضر بالشعب العراقي بصورة مأساوية وكذلك بمصالح الشركات النفطية والمزارعين الأميركيين. وقد دفع ذلك إدارة كلينتون إلى القيام بمراجعة لهذه السياسة، لكنها لم تقم بأي خطوات إجرائية في هذا السياق تاركة الخيار لإدارة الرئيس الجديد، جورج بوش.
كما كان الحظر الجوي على العراق قد تم كسره عامي 2000/2001 من قبل طائرات مدنية عربية وروسية وإيرانية وأوروبية تعبيراً عن معارضة هذه الدول وشعوبها للحصار المفروض على الشعب العراقي. كما كانت الضغوط الروسية والفرنسية في مجلس الأمن الدولي تعمل على إلغاء الحظر الدولي المفروض على العراق خلال فترة قصيرة (ستة أشهر) بعد التأكد من تنفيذ النظام العراقي للقرارات الدولية، وخصوصاً لجهة الاعتراف بالكويت ومصير الأسرى الكويتيين وعودة لجنة المفتشين الدوليين إلى العراق وإنهاء عملها خلال فترة محددة.

الحملة على العراق
لم تكن الحملة الإعلامية الأميركية ضد العراق مفاجئة بسبب الصراع المستمر بين واشنطن وبغداد وتصاعد دعوات “صقور” الإدارة مؤيدي إسرائيل مباشرة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر إلى استهداف العراق في المرحلة الثانية من الحملة العسكرية ومحاولة إيجاد صلة بين اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر والعراق. وعلى الرغم من عدم اكتشاف أي صلة بين بغداد وهذه الهجمات، فإن واشنطن أعلنت بوضوح أن طموحات الرئيس العراقي، صدام حسين، في شأن التسلح ستطرح في المدى القريب مشكلة أمنية في مستوى خطورة “الإرهاب الأصولي”.
وتدرس الولايات المتحدة سبل الإطاحة بصدام حسين من السلطة تحت ذريعة أنه يشكل تهديداً إقليمياً ودولياً وخصوصاً بسبب سعيه لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. ورفضه عودة مفتشي الأمم المتحدة المكلفين التحقق من كون العراق قد وضع حداً لكل مشاريع صناعة الأسلحة الجرثومية أو الكيميائية أو النووية.
وسنعرض في هذه المقالة أبرز مواقف الإدارة الأميركية بشأن استهداف العراق خلال الأشهر الماضية والتي تظهر ضبابية الرؤية الأميركية في هذا الصدد، وكذلك أبرز ردود الفعل العراقية عليها، ومن ثم سنوقم بمحاولة الخروج باستنتاج حولها.
فقد أكد وزير الخارجية الأميركية، كولن باول، إن بوش يدرس “مجموعة خيارات” لإرغام الكونغرس في شباط/فبراير 2003 “أن تغيير النظام (في بغداد) هو أمر يمكن الولايات المتحدة أن تقوم به بمفردها”. وقال غن على مفتشي الأمم المتحدة أن يعودوا إلى العراق “بشروطنا.. وبموجب قرار مجلس الأمن”.
وقال نائب الرئيس الأميركي في 18/2/2002 “إذا اقتضى الأمر اللجوء إلى عمل قمعي، فأنا أتوقع أن يحصل على الدعم الملائم سواء من الشعب الأميركي أو من المجموعة الدولية”.
وقالت مستشارة الأمن القومي الأميركي، كوندوليزا رايس، إن الرئيس جورج بوش “أعلن بوضوح أن صدام حسين كان يطرح مشكلة قبل 11 أيلول/ سبتمبر وما زال. إنه نظام سيء جداً وسيكون العالم أفضل حالاً وأكثر أماناً حين لن يعود موجوداً”. لكنها أكدت أن تشيني قام في آذار/مارس 2002 بجولة شملت تسع دول عربية إضافة إلى لندن وأنقرة، ناقش خلالها مسألة العراق والأمن الإقليمي في الخليج في إطار تحضير دول المنطقة وحشدها تمهيداً لهجوم أميركي لإطاحة النظام العراقي.
وفي أنقرة بحث تشيني مع رئيس الوزراء التركي، بولنت أجاويد، وقائد الأركان، حسين كيفريك أوغلو، تفاصيل الخطة الأميركية لضرب العراق وطلب منهما الإعلان عن موقف تركيا الواضح تجاه العمل العسكري الأميركي ضد بغداد. وقالت مصادر ديبلوماسية أن أجاويدطلب من تشيني تعهدات أميركية في ما يتعلق بضمان وحدة العراق وعدم السماح للأطراد بإعلان دولة كردية مستقلة في الشمال. وأعلن نائب رئيس الوزراء التركي، مسعود يلماظ، إن واشنطن لن تستأذن أحداً إذا قررت ضرب العراق، واعتبر أن ما تستطيع أن تفعله أنقرة في مثل هذه الحالة هو اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الآثار والنتائج السلبية لمثل هذا العمل العسكري، متوقعاً أن تضرب واشنطن العراق في خريف 2002 وبعد اتخاذ جميع التدابير العسكرية والديبلوماسية لذلك.
وقد واجه تشيني خلال جولته على الدول العربية رفضاً لتوجيه ضربة إلى العراق، على الأقل بحسب الإعلان الرسمي لهذه الدول، حتى الكويت العدو اللدود للنظام العراقي أعلنت معارضتها شن هجوم عسكري على العراق، فيما يذهب البعض إلى أن ثمة موافقة ضمنية لبعض الدول العربية على تغيير النظام العراقي.
وذكرت تقارير إعلامية أن السعودية عملت على إقناع الإدارة الأميركية بأن “أي ضربة للعراق لن تكون مضمونة النتائج وتحمل خطر تقسيم العراق” ويمكن أن تثير غضب الرأي العام العربي والإسلامي ضد الحكومات العربية التي ستتعاون مع الولايات المتحدة. كما أكدت السعودية إنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هذا الهجوم.
وقال نائب رئيس الوزراء الكويتي وزير الخارجية، الشيخ صباح الأحمد الصباح، في مؤتمر صحافي مشترك مع تشيني “نحن لن نؤيد هذا الموضوع… إن النظام العراقي لن يتضرر وإنما الشعب العراق.. نتمنى أن يقدر النظام العراقي ما قد يحصل لشعبه لو أنه رفض استقبال وحدة نزع السلاح الشامل”.
يذكر انه تنتشر في منطقة الخليج قوات أميركية تضم نحو 25 ألف جندي، يتمركز ما بين خمسة آلاف وستة آلاف منها في السعودية في قاعدة الأمير سلطان الجوية على بعد ثمانين كيلومتراً جنوب الرياض. وتوجد قوات عسكرية في الكويت وفي مقر قيادة الأسطول الأميركي الخامس في البحرين، لكن مقر قيادتها الجوية في السعودية يمكن أن يكون عنصراً أساسياً في أي حرب جديدة في العراق.
ورأت بغداد أن الولايات المتحدة تصر على عودة مفتشي الأسلحة الدوليين إلى العراق بهدف إيجاد منافذ “للتجسس على أمنه” وإيجاد “ذرائع” لشن “عدوان” جدلد عليه. وكتبت صحيفة بابل العراقية في 18/2/2002 أن التصريحات الأميركية التيتتهم العراق بالسعي لامتلاك أسلحة الدمارالشامل تهدف إلى “إسكات الأصوات التي تتزايد مطالبة برفع الحصار بعدما وفى العراق بجميع التزاماته. إن كل هذه الجعجعة تهدف إلى إطالة أمد الحصار وجعله في عداد المسائل المنسية”. وفي آذار/مارس 2002، استأنف العراق الحوار مع الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، الذي اعتبر “أن أي هجوم على العراق في هذه المرحلة لن يكون حكيماً”. وزار رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، الولايات المتحدة في نيسان/أبريل حيث بحث وبوش العملية العسكرية لقلب النظام العراقي. وقد أكد بوش وبلير على “الخطر” الذي يمثله الرئيس العراقي، صدام حسين. وقال بوش “أوضحت لرئيس الوزراء (بلير) أن سياسة حكومتي تقضي بإطاحة صدام، وجميع الخيارات على الطاولة.. أنني متفق مع رئيس الوزراء على ضرورة أن يثبت (صدام حسين) أنه لا يطور أسلحة دمار شامل”، معتبراً أن الرئيس العراقي “يخفي شيئاً ما”. وأضاف “إننا نقر بخطورة رجل يريد قتل شعبه عبر جمع وتطوير أسلحة دمار شامل. صدام حسين زعيم هاجم شعبه بالغازات السامة وهاجم الشعوب المجاورة بالأسلحة الكيمياوية”. وقال بلير إن “العراق سيكون بلداً أفضل من دون صدام حسين… إننا نفكر في جميع الخيارات التي في متناولنا” في ما يتعلق بالعراق، لأن “تهديد أسلحة الدمار الشامل حقيقي”.
وفي تأكيد لضبابية الخطة الأميركية في شأن العراق، أعلن رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال طالباني، في 16/2/2002 إن واشنطن لم تطلب مشاركة الأكراد في عملية عسكرية محتملة ضد النظام العراقي. وقال طالباني “لم يبحث معنا الأميركيون في ضرب العراق ولم يطلبوا منا الاشتراك” في عملية من هذا النوع. وأضاف “نحن في نوع من الضبابية ولا نعرف ما هي الخطة الأميركية… ليس هناك إلى الآن أي دلائل واضحة وأكيدة عن ضرب العراق وكل ما هو موجود عبارة عن حديث عن إجبار العراق على القبول بالمفتشين الدوليين”. وأعرب عن اعتقاده بأن العراق “سيغير رأيه في آخر لحظة” في شأن المفتشين الدوليين الذين غادروا بغداد عام 1998 عشية ضربات أميركية وبريطانية، والذين يرفض العراق عودتهم.
وأعلن وزير الخارجية الأميركية في 7/4/2002 أن الولايات المتحدة لا تريد القيام بعملية عسكرية على المدى القصير ضد العراق لكن “كل الخيارات تبقى مفتوحة”. ونفى باول خلال جلسة استماع أمام إحدى لجان مجلس الشيوخ في 30/4/2002 وجود خطة حالية لشن هجوم عسكري واسع النطاق على العراق، كما ذكر مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، إذ أشار المقال إلى أن الإدارة الأميركية تبحث في إمكانية شن هجوم جوي وبري كبير على العراق مطلع العام 2003. وأوضحت الصحيفة ان واشنطن وضعت هذه الخطة التي تنص على مشاركة نحو 250 ألف جندي بعدما اعتبرت أن أي انقلاب في العراق لا يملك فرص نجاح كبيرة، وكذلك الحال بالنسبة إلى عملية تشنها قوى محلية مناهضة للرئيس العراقي، صدام حسين.
وفي 14/5/2202 أعلن وزير الدفاع البريطاني، جيفري هون أن لندن وواشنطن لم تتخذا قراراً في شأن توجيه ضربات عسكرية ضد العراق في المستقبل، مؤكداً أن العراق ما زال يشكل تهديداً على الاستقرار العالمي. وقال هون خلال مؤتمر صحافي في ختام زيارة قصيرة للكويت “لم يتخذ أي قرار في بريطانيا أو في الولايات المتحدة على حد علمي في شأن عمليات عسكرية ضد العراق”. وأضاف إن “بريطانيا تبقى ملتزمة بأمن الكويت وتستمر في احتواء التهديد الذي ما زال العراق يشكله على استقرار المنطقة”. وتابع “تناولنا ترتيبات قرار مجلس الأمن حول العراق والتي تهدف إلى ضمان ألا يتمكن العراق من تهديد جيرانه أو الأمن في المنطقة. سنستمر في حض العراق على احترام قرارات مجلس الأمن الدولي”.
وفي 14/5/2202، دعت صحيفة بابل التي يشرف عليها عدي صدام حسين، النجل الأكبر للرئيس العراقي، الولايات المتحدة إلى فتح حوار مع بغداد بدلاً من استخدام لغة “التهديد والعدوان”. وقالت الصحيفة إن “الطريق إذن مفتوح للحوار بل ومرحب به شريطة أن يكون قائماً على الإقرار بحق الشعوب بسيادتها ومصالحها الوطنية المشروعة واحترام خياراتها التي لا تقبل الانتقاض حتى وإن امتلكت أميركا جبروت القوة”.
وفي 14/5/2002، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 1409 الذي ينص على تخفيف نظام العقوبات ضد العراق الذي فرض عليه غداة غزوه الكويت. وينص القرار على إجراءات تتيح للحكومة العراقية توريد منتجات للاستخدام المدني بصورة أيسر، وهو صيغة منقحة لمشروع “العقوبات الذكية”. وسيعاد النظر في هذه الآلية بعد ستة أشهر في ضوء تقرير سيرفعه كوفي أنان.
والنقطة الرئيسية في النظام الجديد هي “قائمة أعيد النظر بها” تضمن كل المنتجات التي يمكن أن تستخدم عسكرياً ويبقى استيرادها خاضعاً لمراقبة للتأكد من إنها لن تستخدم عسكرياً.
وقد ألمح العراق، الذي قام بحملة ديبلوماسية في العالم العربي مضادة لجولة تشيني، إلى أنه يقبل بشروط عودة مفتشي الأمم المتحدة في مجال الأسلحة. وقال نائب الرئيس العراقي، طه ياسين رمضان، إن “العراق يرفض عودة المفتشين ما لم يتم تحديد المواقع التي يتعين تفتيشها ولم يحدد جدول زمني واضح”.
وأعلن وزير الإعلام العراقي، محمد سعيد الصحاف، في 17/5/2002 إن العراق يقبل “التعامل” مع قرار مجلس الأمن رقم 1409 وبتجديد العمل بمذكرة التفاهم لمدة ستة أشهر أخرى. ويبدو أن بغداد استجابت لنصائح دول عدة من بينها روسيا حتى لا تقدم ذريعة للتعرض لهجوم أميركي.
وكشف جيمس كانينغهام، نائب المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، أن بغداد تنظر بجدية في السماح بعودة مفتشي الأمم المتحدة إلى العراق. وقال “أعتقد أن الكثير من الناس يبلوغننا إن العراقيين يفكرون في ذلك بجدية الآن”. وأضاف إن الوفد العراقي في محادثات أيار/مايو الجاري مع كوفي أنان قد أتيحت له “قرصة كبيرة لتبادل الآراء” مع كبير مفتشي الأمم المتحدة، هانز بليكس، وهو ما وصفه بأنه تطور إيجابي”. وفي شأن الخيار العسكري أشار كانينغهام إلى عدم التوافق بين متابعة مثل هذا الخيار وفي الوقت نفسه محاولة تنفيذ قرارات مجلس الأمن ومنها إعادة المفتشين إلى العراق والإسراع بوصول السلع المدنية للمواطنين العراقيين.
وأقر نائب الرئيس الأميركي، في 19/5/2002، إن عودة المفتشين الدوليين إلى العراق ليس صلب المشكلة. وقال إن “المفتشين ليسوا المشكلة، إنهم مجرد وسيلة. المشكلة هي أن صدام انتهك وما زال ينتهك القرار رقم 687 الصادر عن الأمم المتحدة والذي يطلب منه وبالتحديد التخلص من كل أسلحة الدمار الشامل ومنشآته البيولوجية والكيميائية والنووية والسماح بتفتيش دولي للتحقق من ذلك”. وأضاف إن النظام العراقي “يريد على الأرجح إثارة جدل كبير حول المفتشين، لكن المشكلة الحقيقية هي التخلص من هذه التجهيزات بموجب قرار الأمم المتحدة”.
وحول تغيير النظام في بغداد، قال تشيني إن “المنطقة ستتمتع بأم أفضل والشعب العراقي سيتمتع بحرية أكبر إذا تولى السلطة شخص آخر (غير صدام)”. وأكد الرئيس الأميركي مجدداً في 21 مايو/أيار 2002 أن الولايات المتحدة ليس لديها خطط محددة لمهاجمة العراق. وقال بوش “ليس لدي خطط عسكرية على مكتبي لكنني أبحث جميع الخيارات عن كثب مع حلفائنا (الأوروبيين).. إنه خطر نحتاج إلى أخذه بجدية ومن الأفضل ان نأخذه بجدية الآن”.
يذكر ان روسيا والصين وفرنسا وعدداً كبيراً من الدول الأوروبية والعربية والإسلامية قد أعلنت أنها لن تؤيد توجيه ضربة إلى العراق. ويعزو بعض الخبراء في واشنطن هذا التردد أو الضبابية الأميركية في شأن ضرب العراق إلى أن الاستعدادات العسكرية والتحضيرات الديبلوماسية الأميركية تحتاج إلى أشهر عدة قبل تنفيذ أي عملية عسكرية.

وفي 24/2/2002، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين في البنتاغون وإدارة بوش إن شن هجوم ضد العراق أمر مستحيل قبل ستة أشهر على الأقل، بل ربما ستة، كي “تصبح الولايات المتحدة جاهزة لإطلاق هجوم منسق قد يحقق الأهداف المنشودة وهيت دمير أسلحة الدمار الشامل العراقية والإطاحة بنظام صدام حسين”. وبحسب الصحيفة، سيتطلب الأمر ستة أشهر لإعادة تشكيل مخزون أجهزة توجيه الذخائر الفائقة التطور، والتي تأكلت بشدة بفعل الحملة في أفغانستان وقد أكد ذلك وزير الدفاع الأميركي الذي أقر بأن الولايات المتحدة استخدمت في أفغانستان “أسلحة عديدة جداً وقنابل تعرف بالذكية” مضيفاً إننا “نعيد سريعاً تكوين مخزوننا” من مثل هذه الأسلحة. كما تقتضي العملية أيضاً التحصير لتعبئة الجنود باعتبار أن الهجوم البري عملية لا مجال لتفاديها، إذ يتعين تعبئة 200 ألف عنصر على الأرض في حين أن القيادة المركزية التي تغطي المنطقة لا تملك سوى 60 ألف عنصر.
واعتبر جوزيف تشير نسيوني، المتخصص في المسائل الاستراتيجية في مؤسسة “كانيجي” الأميركية، “إن المسألة في الأوساط الجمهورية (حزب الرئيس بوش) لم تعد معرفة ما إذا كان يجب مهاجمة العراق وإنما بالحرى متى سيتم ذلك”.
وقال لورانس كورب، عضو مجلس العلاقات الخارجية، ومساعد سابق لوزير الدفاع في عهد رونالد ريغان، “أعتقد أن الولايات المتحدة ستعمل في وقت أو في آخر بعد الانتخابات النيابية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر 2002 على تغيير النظام العراقي إذا ما تخلف صدام حسين عن السماح لعمليات التفتيش” التي تطالب بها الأمم المتحدة. ورأى أن العملية قد تبدأ بدعم عمليات مسلحة للمعارضة العراقية، ثم بتدخل عسكري كثيف يشارك فيه 50 ألف رجل إذا لزم الأمر.
واعتبرت جوديث كيبر، الباحثة في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، أن اتخاذ الرئيس بوش قرار مهاجمة العراق من دون دراسة متأنية وعميقة لما ينطوى عليه من مخاطر هو أمر مشكوك فيه. ورأت أن الأولوية المعطاة لمطادرة تنظيم “القاعدة” والانتخابات النيابية الأميركية تحمل على الاعتقاد “أنه لنيحصل على الأرجح أي شيء على الفور على الصعيد العسكري”.
ورأى جون وولفشتال في مؤسسة “كرنيجي” أن احتلال العراق “وإعادة إعماره قد تكون مهمة ثقيلة العبء على الولايات المتحدة وحدها إذا لم يكن هناك تكليف ودعم واضح من المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن “بغداد ليست كابول والحرس الجمهوري لدى صدام حسين ليس ميليشيا طالبان”.

الحملة على إيران
كان مفاجئاً التصعيد الأميركي ضد إيران التي ساهمت في إسقاط حركة طالبان عبر دعمها للتحالف الشمالي الأفغاني في الحرب وتأييدها لتشكيل الحكومة الأفغانية الموقتة في مؤتمر بون. وكان ثمة تقارب أميركي – إيراني قد ظهر خلال الحرب ضد “طالبان” و”القاعدة” تجلى في المصافحة الولى من نوعها من انتصار الثورة الإسلامية فيإيران عام 1979 بين وزيري الخارجية الأميركية، كولن باول، والإيراني، كمال خرازي، خلال اجتماع للجنة (6 + 2) في نيويورك للبحث في مستقبل أفغانستان. لكن هذا التقارب سرعان ما تلاشى وذلك بسبب كثرة الخلافات الأميركية – الإيرانية في شأن العلاقات الثنائية وخصوصاً استمرار الحظر الاقتصادي الأميركي الشامل على إيران، وكذلك الخلافات الإقليمية نتيجة تواجد القوات الأميركية في الخليج من جهة وتواجدها الحالي في أفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى، إضافة إلى عداء إيران لإسرائيل ودعمها حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي في مقابل الانحياز الأميركي لإسرائيل من جهة أخرى.
ففي 29/1/2002، اعتبر الرئيس بوش إيران والعراق وكوريا الشمالية “دولاً إرهابية تهدد السلام العالمي”، وأنها “تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل وتشكل خطراً تزداد حدته” ووصف الدول الثلاث بأنها “محور للشر يسلح نفسه لتهديد سلام العالم”.
وفي الأول من شباط/فبراير، قال بوش إن تصريحاته المتشددة ضد كوريا الشمالية وإيران لا تعني الإشارة إلى التخلي عن الحوار السلمي مع البلدين. لكنه قال إن “كل الخيارات على المائدة في شأن كيفية جعل أميركا وحلقائنا أكثر أمناً، وأبدى ليونة تجاه كوريا الشمالية مؤكداً أنه مستعد للدخول في حوار معها إذا برهنت على أنها فههمت التحذير الأميركي وقامت “بسحب الأسلحة التقليدية” من المنطقة المنزوعة السلاح في شبه الجزيرة الكورية وبالتوقف “عن تصدير الأسلحة”.
وفي 5/2/2002، أعلن وزير الخارجية الأميركي إن وصف دول بأنها تشكل “محور الشر” لا يعني أن الولايات المتحدة تنوي اجتياحها. وأوضح أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ “إننا على استعداد لبدء حوار ونريد العمل مع أصدقائنا وحلفائنا في العالم للتعاطي مع هذا النوع من الأنظمة”. وفرق باول بين إيران وكوريا الشمالية اللتين تريد واشنطن “مواصلة السعي إلى الحوار معهما” والعراق الذي تؤيد واشنطن “مواصلة سياسة العقوبات حياله مع الأمم المتحدة”.
واتهمت كونداليزا رايس كوريا الشمالية بانها الدولة الأولى في العالم التي تبيع الصواريخ الباليستية آخذة عليها أيضاً عدم الاهتمام بالمخاطر التي قد تتسبب بها الدولة المشترية. وتجدر الإشارة إلى أن أحد خلفيات الحملة على كوريا الشمالية يعود إلى قيامها ببيع صواريخ بالستية لإيران. وقد جمدت كوريا الشمالية اتصالاتها مع واشنطن وسيول في 2001، بعد تشدد الموقف الأميركي مع وصول بوش إلى السلطة، وخصوصاً بسبب مسألة أسلحة الدمار الشامل وقضية صادرات الصواريخ.
وانتقدت واشنطن إيران أيضاً لدعمها الانتفاضة الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد اللتين اعتبرتهما واشنطن إرهابيتين. وإتهم وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، إيران بأنها تأوي “إرهابيين” من تنظيم القاعدة، معتبراً أن الحكومة الإيرانية لا تتعاون كثيراً في الحملة التي أطلقتها واشنطن لمكافحة الإرهاب، ما نفته طهران بشدة وطالبت بتقديم أدلة عليه. كما اتهم باول إيران بتهديد استقرا ر الحكومة الأفغانية الجديدة ومحاولة “ممارسة نفوذ غير مناسب” في غرب أفغانستا. لكنه أشاد بالدور “المفيد” الذي اضطلعت به طهران العام الفائت في مؤتمر بون حول تشكيل الحكومة الانتقالية في أفغانستان، وفي الفترة الأخيرة خلال مؤتمر طوكيو حول المساعدة الدولية لإعادة إعمار هذا البلد!
وأكد مساعد وزير الخارجية لشؤون الشق الأوسط، وليام بيرنز، أن للولايات المتحدة وإيران بعض المصالح المشتركة. وقال “يبدو لي أنه لا يوجد ما هو غير مستبعد على صعيد النزاعات أو التوترات بين الشعب الإيراني والشعب الأميركي. فعلاقاتنا معقدة وإيران بلد مهم جداً في منطقة مهمة من العالم تهمنا كثيراً. رأينا بوضوح في الأشهر والسنوات الأخيرة أن مصالحنا تلتقي في بعض القطاعات وأشار في شكل خاص إلى موقف طهران العام الفائت في مؤتمر بون من مستقبل أفغانستان السياسي وعودة اللاجئين الأفغان أو أيضاً من قضية مكافحة المخدرات. ولكن بيرنز ذكر إن واشنطن “تواجه مشاكل حقيقية مع إيران بسبب دعم الأخيرة لمجموعات إرهابية تسعى إلى نسف عملية السلام (الإسرائيلية الفلسطينية) وسعيها للحصول على أسلحة دمار شامل”. وكشف ان هذه المخاوف “كانت من دون شك وراء ملاحظات الرئيس بوش التي تعكس بالفعل ما يثير قلقنا الشديد في شأن هذه الجوانب في الممارسات الإيرانية”.

في هذه الأثناء، كانت إسرائيل واللوبي اليهودي في واشنطن يحرضان الولايات المتحدة على إيران. فقد حذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي جنرال شاؤول موفاز، إيران من مواصلة تطوير أسلحتها الصاروخية معتبراً أن ذلك يشكل تهديداً لوجود دولة إسرائيل وبقائها.
وأدعى موفاز أن الخطر الإيراني على إسرائيل يأتي من خلال ثلاث دوائر الأولى هي: أولاً محاولات إيران التسلح بصواريخ بعيدة المدى، وثانياً تزويد حزب الله بصواريخ يبل مداها 70 كيلومتراً تشكل تهديداً لإسرائيل، ثالثاً علاقات إيران بالفلسطينيين ومحاولاتها إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، مشيراً إلى أن قضية سفينة الأسلحة كارين (أيه) التي صادرتها إسرائيل في البحر الأحمر وكانت موجهة من إيران إلى السلطة الفلسطينية بحسب الزعم الإسرائيلي قد كشفت عن علاقات خطيرة بين الطرفين.
وقد لخص الرئيس الإيراني، محمد خاتمي، أبعاد السياسية الأميركية ضد بلاده فاعتبر أن الولايات المتحدة قد تشمل أوروبا وروسيا والصين في “محور الشر” إن استمرت في “فرض آرائها”. وقال خاتمي، في مقابلة مع صحيفة تانيا اليونانية خلال زيارته إلى اليونان، إن “أميركا تحاول بعد 11 أيلول/سبتمبر استغلال الوضع لفرض آرائها وإزالة جميع الحواجز بغية التحول إلى القوة الحصرية في العالم”. وأضاف “إن استمر الوضع على هذه الحال، فسوف يزج الأميركيون أوروبا في “محور الشر”، وكذلك الصين وروسيا، وسيتوجه العالم نحو حرب فظيعة”.
ورأى خاتمي أن القوات الأميركية موجودة في آسيا الوسطى “ليس لمواجهة الإرهاب بل لإقامة قواعد”، مؤكداً أن “الوجود العسكري الأميركي قد يحمل على قدوم قوات عسكرية أخرى من الصين وروسيا”.
وقد تعرضت السياسة الخارجية الأميركية لانتقادات عدة من مسؤولين أميركيين سابقين ومسؤولين غريبيين، وكان أبرز هذه الانتقادات تلك التي وجهتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، للسياسة الخارجية لإدارة بوش وخصوصاً سياسة “محور الشر”. وقالت إن بوش ارتكب “خطاً كبيراً” حين جمع إيران والعراق وكوريا الشمالية معاً في خطابه عن حال الاتحاد. وأضافت “إن الولايات المتحدة تحاول احتواء الرئيس صدام حسين منذ عام 1991، ومن الضروري القيام بعمل قوي. ولكن الوضع بالنسبة إلى إيران معقد بدرجة أكبر والولايات المتحدة في حاجة لمساعدة طهران في التعامل مع أفغانستان. وفي شأن كوريا الشمالية قالت أولبرايت “حين غادرنا السلطة تركنا على المائدة احتمال التوصل إلى اتفاق لوقف تصدير تكنولوجيا الصواريخ. أعتقد ان التخلي عن ذلك خطأ نعرف أن كوريا الشمالية خطرة لكن جمع الدول الثلاث معاً خطر”.
وفي تأكيد على الفوضى والتخبط في السياسة الخارجية الأميركية. وجهة أولبرايت مجدداً في 20/5/2002 انتقادات حادة إلى إدارة بوش. وقالت أولبرايت “يبدو أن فريق بوش المكلف السياسة الخارجية يعاني من فوضى تجعله متردداً بين اتجاهين في شان عدد من القضايا المهمة”. وأضافت إن المسؤولين في إدارة بوش “يتحدثون عن أهمية تحالفاتنا الأوروبية والآسيوية ثم يغفلون استخدام هذه التحالفات في شأن قضايا أمنية مشتركة”. وتابعت إنهم “يدعون إلى نظام تجاري عالمي أكثر انفتاحاً ثم يفرضون تدابير حمائية على الصلب ويدعمون المزارعين الأميركيين عبر زيادة المساعدات”.
وقالت أولبرايت “إنهم يحذرون من مخاطر الصواريخ العابرة ويماطلون بلا مبرر في التفاوض مع كوريا الشمالية. إنهم ينتقدون النقص في الديموقراطية في كوبا ويشيدون بالأنظمة الاستبدادية في ماليزيا ودول اخرى”. وأضافت إلى “هذه الازدواجية موجودة أيضاً في أفغانستان حيث يستخفون يوماً بإعادة الإعمار فيها، وفي اليوم التالي يقترحون خطة مارشال، وكذلك في الشرق الأوسط، حيث تتغير الإشارات التي يرسلونها من يوم إلى آخر”. إن “أساس المشكلة يكمن في أن قسماً من الإدارة يؤمن حقاً بالديبلوماسية الدولية والقانون، والقسم الآخر غير مقتنع بذلك”، وذلك في إشارة إلى الصراع المعروف بين وزارتي الدفاع والخارجية حيث يهيمن الصقور على وزارة الدفاع بقيادة رامسفيلد ويدعمه تشيني، فيما تتمتع وزارة الخارجية بقيادة باول برؤية مختلفة تتسم بالمرونة وضرورة حل بعض النزاعات والخلافات بالطرق الديبولماسية والحوار وليس بالتهديدات والاتهامات.

توتر العلاقات الأميركية – السعودية
احتدمت التوترات بين الولايات المتحدة والسعودية في شكل مثير بعدما بدأ الرئيس الأميركي، جورج بوش، ما أطلق عليه تسمية “الحرب ضد الإرهاب” في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، لتعيد البحث في أسس العلاقات بين الدولتين التي صيغت منذ عقود على أساس شراء النفط السعودي بأسعار متدنية مقابل الدعم الأميركي للنظام السعودي وانتقدت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بعنف ما أسمته “تسامح المملكة مع الإرهاب” وقالت في افتتاحيتها ” إن الأموال والرجال السعوديين اللذين قدموا بموافقة الرياض ساعدوا على إنشاء أسامة بن لادن الإرهابية وعلى استمرارها”. كما أخذ المتقدون على السعودية أنها لم تمنح الولايات المتحدة حرية وصول مباشر لقاعدة الأمير سلطان الجوية في الحرب في أفغانستان وعدم تحركها بسرعة لإغلاق قنوات التمويل لشبكة “القاعدة” وجماعات متطرفة أخرى.
ولعل أبرز هذه الانتقادات جاءت من مقالات توماس فريدمان، الصحافي اليهودي الأميركي المؤيد لإسرائيل في نيويوك تايمز، وكذلك في المقالة اللاذعة لمارتن أنديك المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية في مجلة فورن أفيرز في عدد كانون الثاني/ يناير – شباط/فبراير 2002.
فأسامة بن لادن ابن لأسرة سعودية ثرية وكان هناك 15 سعودياً من بين 19 شخصاً يعتقد أنهم الذين نفذوا هجمات 11 أيلول/سبتمبر التي يُتهم بن لادن بالتخطيط لها. كما يتهم بالتخطيط للهجمات ضد مجمع عسكري أميركي في حزيران/يونيو 1996 في الخبر (شرق السعودية)، وضد مقري السفارة الأميركية في أفريقيا الشرقية عام 1998، وكذلك على المدمرة الأميركية “كول” في ميناء عدن اليمني عام 2000.
وظهر الخلاف العميق بين الولايات المتحدة والسعودية حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى العلن في 29 كانون الثاني/يناير 2002، وذلك بعدما أعلن ولي العهد السعودي، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، أنه “من الصعب الدفاع” عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وذلك بسبب انحياز واشنطن المطلق إلى المواقف المتطرفة التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي، أرييل شارون، ضد الفلسطينيين.
يذكر أن الأمير عبد الله لم يلبِّ دعوة للتوجه إلى البيت الأبيض في حزيران/يونيو 2001 معتبراً أن الإدارة الأميركية لم تقم بما يكفي لكبح إسرائيل وتتجه إلى تجاهل هموم الفلسطينيين. كما أبدت الرياض ضيقاً من السياسة الأميركية القاضية بمحاصرة العراق. ففي مقابلة نشرتها صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز في 28 كانون الثاني/يناير 2002، قال الأمير عبد الله إن دعم واشنطن لإسرائيل التي “يهاجم جيشها الذي يملك طائرات ومدرعات ومروحيات هجومية شعباً مسلحاً بالحجارة… يجعل الدفاع عن أميركا صعباً للغاية… من الصعب علي قبول ما يحدث في الأراضي (الفلسطينية) لأن ذلك غير إنساني وينتهك المبادئ الأساسية… يبدو لنا في الوضع الحالي أن الدفاع عن أميركا صعب للغاية بصراحة، كيف يمكن الدفاع عنها؟”. وأوضح الأمير عبد الله ان أميركا تبقى “صديقة” وليس هناك أي تعديل نبحثه في ما يتعلق بوجود نحو خمسة آلاف جندي أميركي على أراضينا، محاولاً تهدئة المخاوفا لتي سببتها معلومات مفادها أن الرياض ترغب في تخفيض هذا الوجود. وقال “لا أعتقد ان هناك تغيرا في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية. إن علاقتنا كانت قوية جداً لأكثر من ستة عقود ولا أرى سبباً لتغييرها”. وأعتبر أن السعوديين الـ15، من بين الـ19 منفذي اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر، كانوا ضحايا “غسل دماغ” م جانب أسامة بن لادن الذي وصفه بانه “منحرف” يسعى إلى “دك أسفين بين المملكة (السعودية) والولايات المتحدة”.
وأقر البيت الأبيض بوجود خلافات مع السعودية حول عملية السلام العربية الإسرائيلية، وقال الناطق باسم البيت الأبيض، أري فلايشر، “إن المقاربة إزاء الشرق الأوسط وإزاء السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب هو موضوع يدور حوله خلاف، وأوضح أن منطقة الشرق الأوسط “منطقة شديدة التعقيد. لذلك من الصعب جداً التوصل إلى سلام في هذه المنطقة (…) الكثير من الأشخاص لديهم وجهات نظرم ختلفة حول نوع السلام الذي يمكن أن يتم التوصل إليه، وهذا هو سبب المشاكل التي تواجهنا للتوصل إليه”.

وقد تسبب حملة الصحافة الأميركية في الأشهر الأخيرة، التي انتدت على لسان مسؤولين أميركيين غياب الالتزام السعودي بمكافحة الإرهاب، وكذلك انتقادات البرلمانيين الأميركيين، بستياء شديد في الرياض. وجاءت تصريحات السناتور الأميركي النافذ، كارل ليفين، بأن الولايات المتحدة قد تسحب قواتها المتركزة فيالسعودية، وكذلك معلومات نشرتها صحيفة واشنطن بوست حول أن السعوديين يطالبون بمغادرة هذه القوات من المملكة، لتثير مجدداً هذه القضية الحساسة. يشار إلى ابن لادن، الذي يحظى بشعبية وسط كثير من السعوديين، قد اعمد الوجود الأميركي في السعودية شعاراً لحملته المناهضة للأميركيين لمعرفته بمدى استياء الرأي العام العربي من وجود هذه القوات.
وأعلن ليفين، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بعد زيارة إلى السعودية في كانون الثاني/يناير 2002 إنه غير مرتاح إلى مستوى ونوعية التعاون الأمني مع السعودية. وقال “لدي شعور بأننا في مكان لا يتقبل وجودنا” مضيفاً إن حكومة الرياض “تتصرف وكأنها تقدم لنا خدمة”. وأشار إلى أن القوات الأميركية يمكن أن تُنشر في مكان آخر “حيث نلقى قدراً أكبر من الترحيب وحيث لا تذهب كميات كبيرة من الأموال لتمويل نشاط متطرفين” في إشارة إلى الدعم السعودي المالي لحركة طالبان خلال السنوات الخمس لحكمهم في كابول.
ونقلت صحيفة واشطن بوست في 18 كانون الثاني/ يناير عن مسؤول سعودي رفيع قوله إن المسؤولين السعوديين يعتبرون أن الجنود الأميركيين “استغلوا ضيافة المملكة” وإن انتشار القوات الأميركية يجب أن ينتهي ويجب وضع حد لسوء التفاهم بين البلدين، وذكرت الصحيفة إن السعودية قد تطلب من الولايات المتحدة قريباً إنهاء وجودها العسكري في أراضيها. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سعوديين قولهم إن الوجود العسكري الأميركي أصبح يمثل عبئاً في السياسة الداخلية، كما إن الحكومة السعودية لم تعد تشعر بالارتياح للقيام بدور ضمن الجهود الأميركية الرامية إلى احتواء صدام حسين.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن مسؤولين كباراً في الكونغرس وزارة الدفاع الأميركيين دعوا إلى انسحاب القوات الأميركية من السعودية بسبب ما اعتبروه تأييداً فاتراًللحرب الأميركية على الإرهاب والقيود على العمليات العسكرية الأميركية.
غير أن واشنطن والرياض نفتا هذه الإنباء. وأعلن البيت الأبيض في اليوم نفسه (18 كانون الثاني/يناير 2002) أن الرئيس بوش يريد الاحتفاظ بالوجود العسكري الأميركي في السعودية وأشار إلى أنه لا يدري بأي اتصال بين الولايات المتحدة والسعودية يعبر عن رغبة في رحيل القوات الأميركية. وقال وزير الخارجية الأميركي “لم نتلق لا إشعاراً بالترحيل ولا تبليغاً من الحكومة السعودية بأن شيئاً من هذا سيحدث”. وأضاف “سيكون أمراً طبيعياً(…) أن نبحث مع السعوديين في إعادة توزيع قواتنا في السعودية. ليس لدينا أي مصحلة في الاحتفاظ بوحدات لا تفيد بشيء. وعلينا إلا نفرض أنفسنا على حكومة في ما هو أكثر من الضروري جداً بالنسبة إلينا… إن إمكانية إجراء مباحثات أمر طبيعي جداً”.
وأوضح باول أن الوجود العسكري الأميركي في الخليج هو هدف بعيد المدى وليس مجرد ردع موقت ضد الرئيس العراقي. وقال إن هذا الوجود في السعودية يمكن أن ينتهي “عندما يتحول العالم إلى… الشكل الذي نحلم به”. وأضاف: “لدينا قوات أميركية في السعودية منذ نهاية حرب الخليج وتخدم هدفاً مفيداً هناك كقوة ردع لصدام حسين ولكن في ما وراء ذلك تمثل رمزاً للوجود الأميركي والنفوذ… لدينا أيضاً قوات في دول أخرى في منطقة الخليج الفارسي. رغبنا دائماً في أن نحتفظ بوجود في هذا لاجزء من العالم لأسباب مختلفة”.

وفي 20 كانون الثاني/يناير 2002، أعلن الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون، في كلمته أما منتدى جدة الاتقصادي، إن الولايات المتحدة بحاجة للاحتفاظ بوجودها العسكري في السعودية، كما يحدث في المواقع الاستراتيجية الأخرى لمضان الرد السريع علي أي تهديد إقليمي.
ورداً على الانتقادات الأميركية، باشرت السعودية مؤخراً حملة علاقات عاملة قوية لإصلاح علاقاتها مع الولايات المتحدة، عبر إجراء مزيد من المقابلات الإعلامية، إذ منح صحافيون من وسائل الإعلام الأميركية الكبرى تأشيرات دخول للمملكة حيث أجروا مقابلات مع ولي العهد وكبار مساعديه، وتم عقد ندوات وإقامة حفلات عشاء خاصة في واشنطن لتخفيف التوترات وإقناع النخبة الأميركية بأن الرياض ملتزمة حقاً بالعلاقة القائمة منذ زمن بعيد بين البلدين. قوال ريتشارد ميرفي، وهو سفير سابق للولايات المتحدة في الرياض، أن من الواضح أن الأمير عبد الله يحاول من خلال حملة العلاقات العامة هذه “توصيل الرسالة إلى شعبه وإلى العالم بأن هذه العلاقة مع الولايات المتحدة مهمة”.
واستبعد بعض الخبراء أن نختفي هذه التوترات لوجود خلافات كبيرة بين النظام السعودي المحافظ والنظام الليبرالي الأميركي، وذلك لرفض الرياض أي هجوم عسكري أميركي ضد العراق وقلقها من تأثير ذلك على الوضع الداخلي في المملكة، وذكلك رفض الرياض تلبية مطالب الأميركيين بإصلاحات داخلية تكل التعليم الديني وأسلوب الحكم والدستور. وقد يتقلص في وقت ما الوجود العسكري الأميركي في السعودية وهو مصدر رئيسي لهذه التورات، لكن ذلك يحدث قبل فترة زمنية بما يتوافق مع تلبية الاحتياجات العسكرية الأميركية وخصوصاً بعد حسم مستقبل النظام العراقي.

السياسة النووية الأميركية
بحسب تقرير سري قدمته وزارة الدفاع إلى الكونغرس في كانون الثاني/2002، في إطار إعادة النظر في العقيدة النووية الأميركية، يقترح البنتاغون هجمات نووية ضد روسيا والصين وخمس دول أخرى لا تملك رسمياً السلاح النووي، وهي العراق وكوريا الشمالية وإيران وليبيا وسوريا، في حال نفذت هجوماً واسع النطاق على الولايات أو على حلفائها بأسلحة الدمار الشامل.
وأظهرت مقتطفات من التقرير الذي كشفته الصحف الأميركية في 15/3/2002 إن الولايات المتحدة قد تتوقف عن احترام قرار تجميد التجارب النووية لتتمكن من إنتاج جيل جديد من أسلحة مضادة للتحصينات. وجاء في هذه الوثيقة التي حصلت عليها مركز الأبحاث والتحليل “غلوبال سكيوريتي أورغ” في واشنطن ونشرها على موقعه عبر شبكة إنترنت “أن الولايات المتحدة تحاول تطوير ترسانتها من دون إجراء تجارب نووية جديدة، لكنها لن تتمكن من المحافظة على هذا الموقف إلى الأبد”. وأشار واضعوا الدراسة إلى وجود مشاكل في الترسانة الأميركية عائدة في شكل أساسي إلى التلف أو عيوب في الصنع. وأضافت “ستزداد صعوبة تقويم القدرات (النووية) بموضوعية من دون إجراء تجارب”. وتحترم الولايات المتحدة مثل بريطانيا فورنسا وروسيا والصين قراراً يقضي بتجميد التجارب النووية منذ سنة 1992.
ودافع وزير الدفاع الأميركي عن المفهوم النووي الأميركي الجديد في حين أعلنت وزارة الطاقة عن دراسة حول الأسلحة النووية المضادة للتحصينات. وقال رامسفيلد إن “مراجعة المفهوم النووي عمل جيد. فهي لم تسبب مشاكل مع روسيا” التي “أبلغت بذلك مسقاً وكذلك حفاؤنا”. وأوضح أنه درس مطولاً هذا الأسبوع الموضوع من وزير الدفاع الروسي، سيرغي إيفانوف.
واعتبر الرئيس خاتمي أن “التهديدات النووية” الأميركية تشمل “البشرية بأسرها”. وقال إن “القوة التي تهدد شعباً آخر بأسلحة نووية لا تهدد هذا الشعب فحسب بل كذلك البشرية بأسرها”. وانتقدت كوريا الشمالية في شدة السياسة النووية الأميركية الجديدة وهددت بإعادة النظر في جميع اتفاقاتها مع الولايات المتحدة، في وقت جرت محادثات بين البلدين لاحتواء التوتر. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية “الآن ومع وجود المجانين النوويين في البيت الأبيض، نحن مضطرون إلى مراجعة كل اتفاقاتنا مع الولايات المتحدة في حال كانت مشاريعهم بتوجيه ضربات نووية ضد كوريا الشمالية صحيحة” متحدثاً عن “إجراءات مضادة”.
وكان وزير الطاقة الأميركي، سبنسر إبراهام، أعلن للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي إن دراسة كلفتها 10 ملايين دولار جارية حالياً للتحقق ما إذا يمكن تغيير رؤوس نووية موجودة لتحويلها إلى أسلحة تستطيع اختراق العمق.
ويرى العسكريون الأميركيون أنه لا بد من تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية للتمكن من تدمير منشآت مقامة تحت سطح الأرض. وتشير وكالة استخبارات الدفاع “دي إي إيه” إلى وجود أكثر من 10 آلاف منشأة من هذا النوع حالياً في 70 بلداً قد يكون 1400 منها يستخدم لإخفاء أسلحة دمار شامل ومنصات إطلاق صواريخ باليستية وكذلك مراكز قيادة استراتيجية. وتفيد الوثيقة أن “الولايات المتحدة لا تملك حالياً الوسائل الملائمة لمواجهة هذه المنشآت”.
وفي 16 آذار/مارس 2002، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية إن قذيفة دمرت رأساً حربياً وهمياً في الفضاء فوق المحيط الهادئ بعد أن ختارت الهدف بدقة من بين ثلاث بالونات خداعية في اختبار ناجح لبرنامج الدفاع الصاروخي الأميركي (NMD). وكلفت تجربة أمس الجمعة 100 مليون دولار. وكان هذا رابع اختبار ناجح منذ عام 1999 في الجهود الأميركية لتطوير الدرع المضادرة للصواريخ الذي يهدف إلى اعتراض أي صاروخ باليستي معاد في الفضاء قبل أن يصل إلى الأراضي الأميركية أو دولة حليفة للولايات المتحدة، من دول معادية مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق.
وتعارض روسيا ولاصين الدرع الصاروخي الأميركي المزمع قائلتين أنه يمكن أن يردي إلى سباق تسلح. ولكن الولايات المتحدة انسحبت من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ ذاتية الدفع المبرمة عام 1972 بين موسكو وواشنطن “إي بي أم” (ABM) واليت حظر نشر مثل هذا النظام. ويخشى معارضو هذا المشروع ومن بينهم روسيا والصين ودول أوروبية عديدة أن تؤدي هذه الدرع إلى إطلاق سباق جديد للتسلح. واعتبرت روسيا أن انسحاب أميركا من المعاهدة أضر بنسيج الاستقرار الاسترايتيجي خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال رامسفيلد إنه بعد أنه يصبح انسحاب الولايات المتحدة من “أي بي أم” سارياً “واعتباراً من حزيران/يونيو 2002 سيكون في وسعنا تجربة وتطوير أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ ونشرها، إذا قررنا ذلك”. وقد أعلن متحدث باسم الوكالة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ، اللفتنانت كولونيل ريك لينر، إن وزارة الدفاع الأميركية ستبدأ في 14 حزيران/يونيو 2002 أي غداة انتهاء التزامها بمعاهدة الحد من انتشار الصواريخ، بناء ستة مراكز تحت الأرض في فورت غريلي في الأسكا لنصب الصواريخ المعترضة. وتعتزم وزارة الدفاع إنهاء بناء منشآتها التي تشمل تجهيزات للقايدة بحلول خريف 2004، لإعطاء الولايات المتحدة إمكانية استخدام الصواريخ الأولى في مشروع بوش الواسع عند هذا الموعد.
وبعد فشل المحاولات التي بذلتها موسكو لإنقاذ المعاهدة مع واشنطن تم التوافق على توقيع معاهدة لنزع الأسلحة الاستراتيجية تقلص الترسانة النووية في كلا البلدين بمقدار الثلثين، والمقدرة حالياً بنحو ستة آلاف رأس نووي لكل منهما إلى ما بين 1700 و2300، ولقد وقع المعاهدة الرئيسان الأميركي، جورج بوش، والروسي فلاديمير بوتين، خلال لقاء القمة بينهما بين 23 و26 أيار/مايو 2002 في موسكو.
ويرى الخبراء أن روسيا والصين لا تملكان الوسائل المالية والتقنية لمنافسة الأميركيين في مشروع الدرع الصاروخية هذه. وقال مدير مركز الشؤون الاستراتيجية والميزانية، وهو مركز مستقل للدراسات، اندرو كريبينيفيتش، إن الروس “غير قادرين على مواجهة التحدي بسبب التمويل المخصص للدفاع”. وأشار إلى أن الصين لا تسير باتجاه سباق جديد للتسلح على ما يبدو، مشيرين إلى أن بكين تركز على تايوان ولع ىرغبتها في بسط نفوذها في شرق آسيا. وقال “إذا نشرنا صواريخ يعتبرونها فعالة فإنهم سيزيدون من قدراتهم النووية لتوجيه تهديد إلى الولايات المتحدة”، مؤكداً أن “الوضع ما زال بعيداً من ذلك”. وفي سياق التوجهات العسكرية الأميركية، صادق مجلس النواب على قانون لتوجيه موازنة الدفاع الأميركي ينص على رفع كبير لاعتماداتها ما يعكس كلفة، الحرب ضد الإرهاب” والأولية المعطاة لتحديث العتاد العسكري وينص القانون على موازنة عسكرية بقيمة 383 مليار دولار لعام 2003 أي بارتفاع نحو 50 مليار وهي أكبر موازنة منذ رئاسة رونالد ريغان قبل عشرين عاماً. وسيتواصل هذا الجهد خلال السنوات الأربع المقبلة ويفترض أن تبلغ النفقات السعكرية عام 2007 نحو 451 مليار دولار. وجرى التصويت بأغلبية 359 صوتاً مقابل 58 صوتاً. ويفترض التصويت في الخريف على قانون آخر لتخصيص المبلغ فعلياً، وهو ما يشير إلى غياب أي معارضة قوية داخل الكونغرس من قبل المعارضة الديموقراطية تذكر لسياسة العسكرة الأميركية هذه والتي تعيد الولايات المتحدة إلى أجواء الحرب الباردة، وذلك نتيجة استغلال الإدارة الجمهورية لهجمات 11 أيلول/سبتمبر لتبني هذه السياسة وتمرير هذه المشاريع العسكرية الخطيرة والتي تتطلب حجم إنفاقات هائلاً.
وفي قراءة للتصريحات الأميركية المتضاربة في شأن تجيه ضربة عسكرية للعراق قد تتضمن عملية لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين (واستهداف إيران لاحقاً)، وكذلك الغموض حول جدية هذه التهديدات وتوقيت تنفيذها وطبيعة القوى الدولية والإقليمية والمحلية المشاركة فيها، أعتقد أن الخطة التي اعتمدها “مكتب التأثير الاستراتيجي”، الذي أسسه البنتاغون الأميركي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، ليقوم بتضليل وسائل الإعلام والحكومات الأجنبية من أجل إرباك العدو، ما زال العمل بها مستمراً في سبيل إرباك الخصوم وجعلهم في حال استنفار وهلع دائمين وموقف دفاعي بدلاً من أن يكونوا في موقف هجومي وارتياح عام، وذلك على الرغم من إعلان البنتاغون رسمياً عن إغلاق هذا المكتب.
وأعتقد أن هذه الحملة الأميركية تهدف إلى تشديد الحصار على العراق لإجبار بغداد على السماح بعودة المفتشين الدوليين إليه وتمكينهم من ممارسة مهامهم، وكذلك تمرير مشروع “العقوبات الذكية” في مجلس الأمن الدولي بحيث لن يلقى ذلك الشمروع معارضة دولية في ظل تصاعد الضغوط والتهديدات الأميركية على العراق، إذ ستعتبره روسيا وفرنسا وكذلك الدول العربية المعارضة لهذا المشروع “أهون الشرين” في حال تخييرهم بين الحرب على العراق أو “العقوبات الذكية”. وقد تم ذلك بتبني مجلس الأمن في 14 أيار/مايو قراراً بتعديل هذه العقوات، كما رغبت واشنطن ولندن.
ولا يستبعد أن تقوم الولايات المتحدة وبريطانيا في حال رفض العراق عودة هؤلاء المفتشين بتوجيه ضربات جوية قاسية للجيش العراقي ومؤسسات النظام العسكرية والمنشآت الاقتصادية وقصور القادة العراقيين، وذلك بهدف إضعاف النظام العراقي وتمهيد الطريق أمام شمروع انقلاب عسكري من داخل الجيش ضد صدام حسين، وكذلك دعم المعارضة العراقية وتسليحها لتمكينها من شن هجوم بري ضد النظام في بغداد. ولكن هذا السيناريو يحتاج إلى تأييد دولي وعربي وإيراني وتركي، وخصوصاً لجهة إشراك الأكراد والمعارضين الإسلاميين الشيعة في الهجوم البري على النظام العراقي. كما أن هذا الخيار لم ينضج بعد لأسباب عدة أبرزها غياب البديل عن نظام صدام وخصوصاً عدم رغبة واشنطن في قيام نظام مقرب من إيران في حال تسلم السلطة الشيعة في العراق من جهة، وخشية تركيا من قيام دولة كردية في شمال العراق من جهة أخرى. بينما قد تؤدي الفوضى وانقسام البلاد في حال سقوط النظام العراقي إلى عدم استقرار قد يهدد حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.
وأعتقد أن الخيار العسكري لتغيير النظام العراقي وخصوصاً التدخل البري مستبعد في الوقت الراهن لكن ذلك لا يعني استبعاد أن تلجأ إليه واشنطن في حال رفضهم عودة المفتشين الدوليين.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن الخيار العسكري مستعبد تماماً في المدى المنظور، وذلك بسبب عدم قدرة الولايات المتحدة على إلحاق هزيمة بإيران على غرار أفغانستان ولعدم وجود أي مبرر قانوني وأخلاقي دولي لهكذا هجمات. لذلك تهدف هذه الضغوط إلى جعل إيران في موقع دفاعي يدفعها إلى عدم مواجهة النفوذ الأميركي في أفغانستان وآسيا الوسطى من جهة وعدم دعم حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد إسرائيل ومعارضة عملية التسوية العربية – الإسرائيلية في حال استنئناف المفاوضات من جهة أخرى.
وفي شأن العلاقات الأميركية – السعودية فإن هذه العلاقات ستستمر متينة كما كانت في السابق لكن وشانطن ستمارس ضغوطاً على النظام السعودي لإدخال إصلاحات سياسية وتربوية واقتصادية تخفف من تصاعد قوة الحركات الأصولية المتشددة والعداء للولايات المتحدة وإسرائيل في السعودية. ولعل إعلان ولي العهد السعودي للمبادرة السلمية مع إسرائيل هدفه من جهة تحسين صورة النظام السعودي في الدوائر الأميركية، وحل القضية الفلسطينية من جهة أخرى لسحب الذرائع التي غذت وتغذي المعارضة الأصولية، وخاصة الانحياز الأميركي لإسرائيل.
أما بالنسبة إلى السياسة الأميركية تجاه روسيا والصين وكوريا الشمالية وغيرها من الدول التي تعارض السياسات الأميركية، فهي فضلاً عن وضع خطط لاستهدافها بضربات نووية، كما كشف التقرير، فقد واصلت واشنطن سياسة العقوبات والتهديدات ضد الدول الإقليمية الصغيرة (العراق، إيران، ليبيا، كوبا، سوريا)، بينما هادنت الدول الكبرى كروسيا والصين وكذلك كوريا الشمالية بسبب قدرتها على الدفاع عن نفسها في حال أي تهديد أميركي لها.
وتراهن الولايات المتحدة على برنامج “الدرع الصاروخية” (NMD) بعدما رضخت روسيا وقبلت بإلغاء معاهدة “أي بي أم”، وهذا البرنامج سيكفل للأميركيين تفوقاً استراتيجياً على روسيا والصين فضلاً عن الدول الأقل تسلحاً بحيث تصبح جميع الصواريخ الباليستية ذوات الرؤوس النوورية أو الكيميائية أو البيولوجية التي قد تهدد الولايات المتحدة غير ذات فاعلية في حال نجاح هذا البرنامج. وسيضمن ذلك الهيمنة الأحادية المطلقة العسكرية والسياسية والاقتصادية لواشنطن.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *