الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / كتب / السلطة والسلطة المضادة في عصر العولمة

السلطة والسلطة المضادة في عصر العولمة

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: د. هيثم مزاحم (*) —

أولريش بيك (1) هو أحد أشهر علماء الاجتماع الألمان المعاصرين، وتركّز أعماله العلميّة بدرجة أساس على موضوع العولمة والحداثة، وطبيعة التحوُّلات الاجتماعيَّة والتطوّر التكنولوجيّ وآثارها على المجتمع الإنسانيّ، حيث يبحث عن الجانب الأخلاقيّ للعولمة والحداثة.
يقول بيك في كتابه (السلطة والسلطة المضادّة) (2) الذي نشر بالألمانيّة في العام 2002 ونشر بالعربيَّة مؤخَّراً، أنَّه ينبغي فهم صعود شعبويّة اليمين في أوروبا وفي أجزاء أخرى من العالم باعتبارها ردَّة فعل على الرؤى الجذريّة في عالم تزعزعت حدوده وأسسه، نتيجة العولمة، وعدم قدرة المؤسَّسات والنُخب الحاكمة على إدراك هذه الحقيقة الاجتماعيّة الجديدة واتِّخاذ موقف منها على علاقة بطريقة حياة هذه المؤسسات وبتاريخ تكوّنها. فهذه الأخيرة وجِدَت في عالم تسوده النزَعات القوميّة وأفكار أولويّة السياسة الحكوميّة والحدود الفاعلة والسيادة القومية على الاقتصاد الوطني. فمن يمتدح العولمة التي أتاحت للشركات الكبرى المتعدِّدة الجنسيّة التلاعب بالدول الواحدة ضدَّ الأخرى لتجنّب دفع الضرائب المتوجِّبة عليها، فذلك مهين للإنسانية، وكذلك هو ازدراء للأزمات في المجتمعات المتعدِّدة القوميات والأعراق. كما أنَّ الزعم أنَّ التقنيَّة والصناعة ستحلان المشاكل التي نجمت عن الكوارث البيئية
والغذائية هو أيضاً إهانة للإنسانيّة.

ويعتبر بيك أنَّ الأوروبيّين يتصرَّفون كما لو أنَّ ألمانيا أو فرنسا وغيرهما من دول الاتِّحاد الأوروبيِّ، ما زالت كما كانت من قبل، أي قبل الاتِّحاد ، قائلاً إنَّ هذه البلدان لم تعد في الواقع موجودة منذ وقت طويل، إذ إنَّ خزَّانات السلطة التي كانت تتشكَّل من الدول القوميَّة المغلقة على نفسها والمجتمعات التي كانت تضع حدوداً في ما بينها صارت غير واقعية، منذ اعتماد اليورو كعملةٍ موحدّة. فالحدود ومجالات التجارب والكفاءات الحصريّة التي تشكِّل عالم الدول القوميّة لم تعد موجودة. ويتساءل بيك: وإذا كان ذلك كله صار من الماضي، فما هو شأن العالم الذي هو طوْر التكوّن، أو قد قام بالفعل؟ ويجيب: «إنَّ هذه هي المسألة التي يثيرها هذا الكتاب ويحاول الإجابة عنها. فما ظهر إلى الآن هو سياسة حدود لم تتّضح بما يكفي..، لا يجب النظر إليها من منظور قوميّ، بل من منظور عابر للقوميَّات في إطار سياسة عالميّة داخليّة. وبالإشارة تحديداً إلى الأمن القديم، أي الصراع ضدَّ الجريمة وطرد الغرباء وطالبي اللجوء، نجد أنفسنا ملزمين بترك ما كان احتكاراً للدولة مثل البوليس ومراقبة الحدود، أي حقوق السيادة المقدَّسة بهدف استعادة الأمن والسيادة القوميَّين. إنَّ تداخل المسائل التي جرّتها العولمة، والتي تعدِّل حتَّى أسس المجتمعات، وشلل السياسة الذي يدور حول نفسه، قد خلقا محرّمات أدى انتهاكها من جانب وسائل الإعلام إلى إعطاء شعبوية اليمين صوتاً لا شك به».
فهناك مقاربتان للعولمة في عصرنا الراهن: الأولى تنظر إليها وتدرسها بوصفها نامياً (Interconnectedness)، وبعبارة أُخرى بوصفها زيادة في المداخلات والعلائق والموجات العالمية الهويّة والشبكات العابرة للحدود. أمَّا وجهة النظر الأخرى فتركز على (إلغاء المكان من خلال الزمان)، وهو ما صار ممكناً بفضل وسائل الاتِّصال الجديدة، فقد أصبح الحبُّ والزواج والصداقات عالمية، بل إنَّ الهويَّات والولاءات السياسيَّة لم تعد خاضعة لولاء الزواج الآحاديّ القوميّ.

الرؤية الكوسموبوليتيّة
يستعيد هذا الكتاب دراسة هذين المحورين مع التقدّم خطوةً حاسمةً نحو تصوّر العولمة بوصفها تحولاّ تاريخياً. وهو يطرح السؤال التالي: كيف يمكن تصوّر عالم ودينامية حيث أُسسهما ومنطق فعلهما الخاص بنظام الدولة ـ الأمّة، فيما بعض الميّزات والمؤسّسات الأساس التي أوجبها التاريخ، قد صارت متهافتة بفعل المسائل الناتجة عن حداثةٍ جذريّة؟
والجواب عن هذا السؤال سيشرحه المؤلِّف على امتداد فصول كتابه، وملّخصه التالي: «إنَّ السياسة الداخليّة العالميّة الجديدة التي باتت فاعلةً الآن وهنا في ما يجاوز الوطنيّ والعالميّ، قد صارت ما بعد ـ لعبة سلطة مفتوحة كلياً على منفذها، حيث الحدود والقواعد والتميّزات الأساس موضوع إعادة نقاش، ليس فقط تلك المتعلِّقة بالوطني والعالميّ، بل بما يتعلّق أيضاً بالاقتصاد العالميّ والدول، بين حركات المجتمع المدنيّ الفاعلة على المستوى السياسيّ، والأنظمة الفوق عالميّة والحكومات الوطنيّة».
لقد فقدت الواقعيّة السياسيّة ـ أسيرة المنظور الوطنيّ ـ القومي من وجاهتها وتمَّ استبدالها بواقعيَّة سياسيَّة كونيّة (كوسموبوليتية). وهذا ما يحاول المؤلِّف بحثه في الكتاب. يبقى علينا البحث عن منطق السلطة في هذه الواقعيّة التي تولي الدور الحاسم للاقتصاد العالميّ وللفاعلين فيه مكانةً مركزيّةً، وكذلك لاستراتيجيّات حركات المجتمع المدنيّ العابرة للقوميّات، بما في ذلك الشبكات الإرهابيّة العابرة للحدود والقوميّات. فالدولة القوميّة لم تعد قادرةً على خلق إطار معياريّ يشمل جميع الأطر الأخرى. فقد علمتنا أحداث 11 سبتمبر 2001 أنّ القوّة ليست مرادفاً للأمان. ففي عالم منقسم بشكل جذريّ لا يمكن العيش بأمان إلا حين يصبح كلُّ فردٍ قادراً وجاهزاً ليرى عالم الحداثة الجامحة بعيني الآخر، حيث يحثّ التطوّر الثقافي كلَّ واحد على ممارسة هذا الانفتاح يومياً. فخلق معنى مشترك لما هو سياسة كونيّة، ذهنيّة الاعتراف بغيريّة الآخر واختلافه، قادرة على فهم التقاليد الاثنية القومية والدينية، أصبح ذلك بعد 11 سبتمبر مسألة بقاء بحق وحقيق.
أن نعطي العولمة الوجه الذي نريد فذلك يتطلَّب تغييراً للأفق، والتخلّي عن وجهة النظر القوميّة لوجهة نظر تتعلَّق بالسياسة الكوسموبوليتية. هذا التغيير للأفق، لواقعيّته ودلالاته وأخطاره، هو ما يحاول الكتاب التفكير فيه. وينصح الكاتب القارئ العجول بأن يبدأ في قراءة الكتاب من فصله الأخير، (رثاء قصير لمهد العصر الكوسموبوليتي) ثمّ الفصل ما قبل الأخير (من سيربح؟ الدولة والسياسة في الحداثة الثانية: تصوّرات وإشكال قيد التحوّل)، قبل أن يقرأ المقدمة والفصول الأخرى.
السيطرة الشرعيّة
يطرح أولريش بيك سؤالاً هو: ما هي ـ في عصر العولمة ـ أُسس السيطرة الشرعيّة؟ باستطاعة أيِّ أحدٍ القول إنَّ السياسة تدور في البرلمان والحكومة والأحزاب السياسيّة. إلا إنَّ هذه الإجابات الجاهزة التي تزعم الإجابة عن السؤال حول السيطرة المشروعة لا تمنعنا بالتأكيد من فهم الصراعات على السلطة التي تهزّ العالم.
يُثير خبراء القانون الانطباع بأنَّ الدول ليست من يصنع القوانين الدوليّة، ولا هي التي تحكم في القضايا الدوليّة. فمجموعات الناشطين المحليّين على الصعيد الدوليّ والمجموعات الدوليّة الكبرى تحدِّد القانون على المستوى المحليّ، لكنَّها تتملَّص في الوقت نفسه من الالتزام المشروع بدفع الضرائب. يتمّ التدخّل العسكريّ في الدول الأخرى باسم حقوق الإنسان ومطاردة الإرهابيّين، بحيث أصبحنا في وضعيّة نجد فيها أنَّ السلم قد صار أكثر خطراً من الحرب. وفي ظلِّ هذه الظروف وبوجود حدود وتميّزات يسودها ضباب وهي آخذة في الزوال، يحقّ لنا أن نسأل عن دلالة عبارة (السيطرة المشروعة).
ما يحدث الآن ـ وهذه هي قيمة الكتاب ـ هو تدمير ذاتيُّ خلاق للنظام العالمي (الشرعي) الذي تسيطر عليه الدول ـ الأمم. وهذا التطوّر شديد الالتباس، لكنّه يُبرز إمكانيَّة النظرة الكوسموبوليتيّة أو متابعة تطوّر السياسة نحو (دولة كوسموبوليتيّة). فالأمر لا يتعلَّق بـ(صراع حضارات) بل بالصراع من أجل قيام حضارة إنسانيّة يُمكن أن تتعايش فيها تقاليد شديدة الاختلاف، فالأخطار التي تتعرّض لها الحضارات نفسها لا تقيم فرقاً بين الأعراق والأمم أو القارات.
ثمَّة واقعيّة كوسموبوليتيّة جديدة تطلّ برأسها! ولا يعني أولريش بيك بتعبير (كوسموبوليتي) الإشارة إلى تصوّر مثالي أو نخبويّ يكون رأس حربة لطموحات النُخب الإمبرياليّة والمنظَّمات العابرة للحدود (ترانسناشوينال)، بل هو يعني قِيَم التعدديّة المعاشة والمعترف بها، القِيَم التي تؤثِّر على كلِّ المواقف الاجتماعيّة والسياقات التاريخيّة بالمعنى الكوسموبوليتيّ المشترك الذي يستحوذ على أجزاء كبيرة من البشريّة لتوصلها إلى تطوّرات لا مجال لمقاومتها ظاهريّاً.
ولا بدّ مع بداية هذه الألفيّة الثالثة من تبنّي مقولة (إنّ سياستنا تكون أكثر وطنيّة ومكللة بالنجاح أكثر بقدر ما تكون سياسة كونيّة ـ كوسموبوليتيّة). يوضح هذا الكتاب هذه الفكرة المركزيّة بشأن الواقعيّة الكوسموبوليتية الجديدة في عصر الأزمات والمخاطر الشاملة، توصل سياسة (القيود الذهبيّة)، أي خلق شبكة كثيفة من الروابط العابرة للقوميّات، إلى استعادة الاستقلال الوطنيّ، بل حتّى تجاه مكاسب السلطة وسط اقتصاد شديد الحركيّة.
إنّ الكوسموبوليتيّة هي الفكرة المستقبليّة الكبرى التي ستحلّ مكان الأفكار التي طالما استُخدِمَت في التاريخ، مثل القوميّة والشيوعيّة والاشتراكيّة والليبراليّة المحدثة، وهي قد تتيح للإنسانيّة أن تستمر في البقاء في القرن الحادي والعشرين دون أن تقع مجدّداً في البربرية.
إنَّ محو حدود الاقتصاد والسياسة والمجتمع يُعتبر بداية صراع جديد من أجل السلطة المضادّة. بل إنّ ما يُعتبر أشدّ خطراً هو أنّ قواعد السيطرة المشروعة قد باتت بدورها خاضعةً مجدّداً للنقاش. وسنجد وسط اقتراحنا التحوّل الماورائي للاقتصاد والسياسة وللدولة في عصر العولمة أنّ الأفكار الناظمة لهذا التحوّل وقاعدته البيانية تتحوّل، ساحبةً معها تصوّرات السلطة والشرعيّة والعنف والدولة والسياسة. إنّ الإشكاليّة التي ينطلق منها الكاتب هي كيف يمكن لهذه الحداثة الثانية أن تصبح حداثة كوسموبوليتيّة؟
يجيب المؤلِّف: «سنتَّخذ هدفاً يقوم على وضع نظامٍ بديلٍ يرتكز على السياسة والإنصاف الاجتماعيّ والسياسيّ، وليس على قوانين السوق العالميّ. إنّ العولمة هي من صنع الأقوياء وهي ضد الفقراء. إنّ المخيلة الكوسموبوليتيّة تذهب باتِّجاه المصلحة الشاملة التي تحتاجها الإنسانيّة لتحفظ نفسها. إنّها محاولة لإعادة التفكّر بالعلاقات المتبادلة والانعكاسيّة بما يتجـاوز البداهة والغطرسـة الوطنيتين بذهنية واقعيّة كوسموبوليتيّة، توسّع وترهف النظرة التي يمكن أن نكوّنها حول المجتمعات غير المعروفة بشكل جيد، والشبكات (المحليّة ـ والشاملة) التي نعيش ونتصرف وسطها.
ما بعد ـ لعبة السياسة العالميّة
مع بداية هذه الألفيّة الثالثة يبدو مستقبل الإنسانيّة وقد انفتح فجأةً. لقد حدث ما سبق أن تكهّن به كلٌّ من فردريك نيتشه وكارل ماركس وعمانوئيل كانط وماكس فيبر. فمنذ نحو قرن ونصفِ القرن قال نيتشه: «على أوروبا أن تقرّر وضع حدٍّ للمهزلة التي طالت والمتمثّلة بتمزّقها إلى دول صغيرة، وكذلك لضعف إرادتها القبليّة والديموقراطية. لقد انتهى عصر السياسة الصغيرة. وسيحمل القرن القادم الصراع من أجل السيطرة على العالم، والإلزام المطلق لممارسة سياسة كبرى». وقبل نيتشه، تمتّع كانط بهذه الرؤية الكوسموبوليتيّة بوصفها فكرة موجّهة لهذه السياسة الكبرى، إذ قال: «أن يفكِّر الإنسان بنفسه بوصفه عضواً كاملاً في المجتمع المدنيّ العالميّ، وطبقاً لحقّ المواطنين، تلك هي الفكرة الأكثر سموّاً التي بإمكان الإنسان أن يتصوّرها في ما خصّ عنياته، والتي لا يستطيع أحد التفكر بها من دون حماسة». وقال ماركس إنّ شمولية الرأسمال ـ وليس سياسة الدول ـ هي التي ستكسر المسلّمة السياسيّة الوطنية وهي التي تفتح لعبة السياسة الكبرى.
ماذا يعني تعبير (ما بعد ـ لعبة) السياسة العالمية؟ إنّ أجهزة السياسة العالميّة القديمة التي تطبّق القواعد قد تداخلت في السياسة العالميّة الجديدة التي تعدِّل القواعد، ولا يمكن فصلها عنها من وجهة نظر الفاعلين والاستراتيجيات والتحالفات كلٌّ على حدة. في العتمة حيث يختلط غسق العمل القوميّ مع فجر العصر الكوسموبوليتي سيخضع العمل السياسيّ لنمطين من الإخراج شديدي الاختلاف، كلٌّ منهما يتمازج مع الآخر.
ما تتميّز به طبيعة (ما بعد ـ اللعبة) يتجلّى تحديداً في هذا الخلط الموجود فعلاً بين المقولات والسيناريوهات والمسرحيّات والممثِّلين، وفي إعادة الكتابة هذه لمسرحيّات السياسة العالمية في الوقت الذي لا تزال تُعرض فيه. وهناك ثلاثة أنواع من التنظيمات في ما بعد ـ اللعبة هي: الدول، والفاعلون في الاقتصاد العالمي، والفاعلون في المجتمع المدني العالمي. فلم تعد الدول وحدها قادرة حصرياً على أن تشكِّل مسرح العمل الجماعيّ بمعنى أنّها لا تحدّد لا مكان لعبة الفعل السياسيّ ولا أنظمة قواعده، بما في ذلك المؤسّسات اللازمة لاتِّخاذ القرارات الجماعيّة وجعلها موضع التنفيذ.
إنّ العولمة وليس الدولة هي من تحدِّد وتعدل الميادين التي يدور فيها العمل الجماعيّ. وتعني العولمة أمرين: ثمة لعبة جديدة قد انفتحت، وبواسطتها فقدت القواعد والمفاهيم الأساس في اللعبة القديمة حقيقتها حتَّى لو كانت لا تزال قيد الممارسة. لم تعد اللعبة القديمة التي تحمل أسماء متعدّدة مثل الدولة ـ الأمة، والمجتمع الصناعي القومي، والرأسماليّة العالية أو حتّى دولة الرعاية الوطنيّة، كافيةً لوحدها. فقد أحدثت العولمة فضاء وإطاراً جديدين للعمل: لقد تحرّرت السياسة من الحدود ومن الدول، ما أدّى إلى ظهور لاعبين إضافيّين، وأدوار وموارد جديدة وقواعد مجهولة وتناقضات وصراعات جديدة. وحده نقد الدولة الأرثوذكسيّة القوميّة المرتبط بمقولات جديدة يمهد لنظرة كوسموبوليتية، يقدِّم حظوظاً جديدة للوصول إلى السلطة.

السلطة المضادّة

إذاً ما هي السلطة المضادّة، الخصم الذي يواجه الاقتصاد المعولم؟
في الرأي العام، كما في العديد من الدراسات، لا يؤول دور السلطة المضادّة تجاه الرأسمال الذي يقلب القواعد إلى الدول، بل إلى المجتمع المدنيّ العالميّ، وإلى فاعليه المتعدّدين. السلطة المضادّة في المجتمع المدنيّ العالميّ تستند إلى صورة المستهلك السياسيّ التي تقوم على كونه قادراً في كلِّ لحظةٍ وفي كلِّ مكانٍ على رفضه للشراء. فسلاح (عدم الشراء) لا يمكن وضع حد له، لا في المكان ولا في الزمان ولا في تنوّع المنتجات التي يُمكن أن يطالها.
إنّ الأمر القاتل بالنسبة لمصالح الرأسمال هو عدم وجود أيّة استراتيجية قادرة على مواجهة السلطة المضادّة المتنامية ضدّ المستهلكين. حتّى المجموعات الصناعيّة العالميّة الشديدة القوّة لا تستطيع أن تستغني عن المستهلكين الذين يستحيل تهديدهم كما العمال، أو الإيقاع بينهم والتلاعب بتضامنهم. فاعتراضات المستهلكين هي اعتراضات عابرة للأوطان (ترنسناشيونالية). إنّ مجتمع الاستهلاك هو المجتمع العالميّ الذي يتمتَّع بوجود فعلي، فهو لا يعرف حدوداً، وهو ما جعل سلطتهم المضادّة شديدة الخطورة على سلطة الرأسمال.
لا وجود لطريقٍ تُتيح إعادة تعريف سياسة الدول. فمَّما لا شكَّ فيه أنَّ لعبة السلطة والسلطة المضادّة العالميّة لا يمكنها أن تتجاوز المناضلين والفاعلين في المجتمع المدنيّ العالميّ، وتحديداً لفرض القِيَم والآداب الشاملة. إنّ المذهب الإنسانيِّ الذي يتميّز به المجتمع المدنيّ يسمح لنا باستنتاج سهل: إنّ التناقضات والأزمات والنتائج الثانويّة للتحوّل الثاني الكبير، الذي هو قيد الحدوث الآن، يمكنها من أن تصبح أكثر تمدّناً على المستوى الكوكبيّ عبر الالتزام في المجتمع المدنيّ والذي يستقطب حالياً كلَّ الآمال. وحده التغيّر في سياسة الدولة يمكنه أن يحوّل اللعبة من لعبة الكلُّ فيها خاسر وهي ما بعد اللعبة إلى لعبةٍ حيث الكلّ يربح.
والسؤال المفتاح هنا هو: كيف يمكن لمفهوم تنظيم الدولة أن ينفتح على تحدّيات العولمة الاقتصاديّة والثقافيّة وأن يتحوّل ويتغيّر؟ وكيف يمكن لتحوّلٍ ذاتيّ كوسموبوليتي للدولة أن يصبح ممكناً؟ بعبارة أخرى: من هم بالمعنى المكيافيلي السياسي (الأمراء الديموقراطيّون) للحداثة الثانية. والجواب هو أنّ الأمير الكوسموبوليتي هو فاعل جمعيّ، لكن من هو؟ هل الأمراء الجُدد هم أصحاب العمل في الشركات الكبرى الذين يُمارسون (التدمير الخلاق) على مستوىً عالميّ؟ أم هل هم أعضاء جمعيات (غرينبيس) البيئية أو منظمة العفو الدوليّة؟ أو هل هم (المجدّدون) الذين يمارسون البرنامج النيوليبرالي؟
إنَّ الاتِّحاد الوثيق بين المجتمع والدولة هو ما أطلق عليه اسم (الدولة الكوسموبوليتيّة). إذ كان من المناسب التخلّص من التركيز على الدولة القوميّة، حيث الدولة لم تعد الفاعل للنظام العالميّ، بل فاعل بين فاعلين آخرين. إنّ ما بعد ـ لعبة السلطة تعني أنَّـه لا بدّ من التفكير في الدول باعتبـارها وحدات عارضة، ممكنة وقابلة سياسيّاً للتحوّل. والسؤال الذي يُطرح هنا هو كيف يمكن جعل التعابر (transnationalisation) بين الدول ممكناً؟ فقانون انحسار السلطة القوميّة يقول: من لا يلعب في ما بعد ـ اللعبة العالميّة إلا الورقة القوميّة يخسر. والسلطة المضادّة للدول تتطوّر عبر تعابر هذه الدول نفسها وتحوّلها إلى الكوسموبوليتيّة.

المجموعات الإرهابيّة فاعلون عالميّون جُدد
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، اكتسبت المجموعات الإرهابيّة فجأةً وضعيّة الفاعلين العالميّين الجُدد في منافسة الدول والاقتصاد والمجتمع المدنيّ، وصارت الشبكات الإرهابيّة بمثـابة (المنظّمات غير الحكوميّة للعنف). فهي على غرار المنظَّمات غير الحكوميّة في المجتمع المدنيّ، تعمل بطريقةٍ لا مركزيّة، وهي فاعلة على مستوى محليّ وعالميّ عابر للأوطان. وهذا النمط للإرهاب العابر للأوطان ليس إرهاباً يرتبط بشكل وثيق بالإرهاب الإسلاميّ، فقد يُمكن ربطه بأي هدف آخر، وأي آيديولوجيا وأصولية. والسؤال الحاسم هنا هو: من يحدِّد من هو الإرهابيّ العابر للأمم؟ لم تكن الولايات المتَّحدة ضحيّة الاعتداءات الإرهابيّة فحسب، بل أضحت الشرطيّ والمدّعي العام والقاضي عن العالم بأكمله، وصارت المحكمة والمنفذة في الوقت نفسه. واستناداً إلى الحجّة القائلة إنّ الإرهابيين لا يتصرفون من تلقاء أنفسهم بل استناداً إلى دعم ضروريٍّ يتلقّونه من (دول الشرّ)، فقد طوّر الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش الابن عقيدة عسكريّة جديدة تعتبر إمكانيّة التدخلات العسكرية ضدّ الدول التي تهدّد الولايات المتّحدة ما سمّي (الحرب الوقائيّة) بمثابة دفاع مشروع عن الذّات، حتّى باستخدام أسلحة نووية صغيرة ضدّ الدول التي تلحقها شبهة مساعدة الإرهاب.
إنّ مرونة مفهوم العدو الذي ليس دولة، ولا يرتبط برقعةٍ جغرافيّة، قد سهّل اللجوء الكلي إلى العنف المسلح لغايات (الدّفاع عن الداخل)، كما مع الولايات المتّحدة وإسرائيل وروسيا، وإعلان شامل للحرب على دول من دون أن تكون قد اعتدت على أحد.
كذلك، فإنّ خلق أعداء يأخذون وجه إرهابيّين يقضي على تعدّدية المجتمع، وعقلانيّة الخبراء، واستقلاليّة المحاكم، وعلى صلاحيّة حقوق الإنسان غير المشروطة. كما يشجّع الدول وأجهزة المخابرات على انتهاك الديموقراطيّة حتّى داخل الديموقراطيات المتقدّمة، وبموافقة غالبيّة السكان، تحت عنوان قانون الطوارئ ومكافحة الإرهاب.
من هم اللاعبون؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال التي يَميل إليها الكاتب هي أنّ اللاعبين لم يوجدوا بعد، وسيُصار من خلال ما بعد ـ اللعبة إلى جعلهم لاعبين. ففي اللعبة، وبوصفهم جزءاً منها، يجب أن يتكوّنوا وأن ينظِّموا أنفسهم سياسيّاً. وهذا المنطق يقود إلى عدم تناسق نوعي في القدرات الاستراتيجيّة لكلٍّ من رأس المال والدولة والمجتمع المدنيّ العالميّ. إنَّ تكوّن السلطة المضادّة يخضع لكمّ كبير جداً من الشروط، وينطبق ذلك على عولمة المجتمع المدنيّ وعلى التعابر بين الدول.
في المقابل، إنّ ما يجعل رأس المال قوياً بشكلٍ خاص، هو عدم حاجته لينظِّم نفسه في عهدة فاعلٍ رأسماليٍّ شاملٍ حتّى يُصبح قادراً على تحريك سلطته في وجه الدول. فالرأسمال لا حاجة له أن يكون موجوداً كوحدة عمل، وأن يأخذ مكانه على طاولة اللعب حتّى يُثبت سلطته. إنّ هذا المكان على طاولة ما بعد ـ لعبة السياسة العالميّة قد لا يشغله أحد، وهذا بالتحديد ما يعزّز سلطة الفاعلين في الاقتصاد العالميّ. في مقابل ذلك، على الدول أن تتنازل عن أرثوذكسيّتها القوميّة وأن تُعيد تنظيم نفسها جماعيّاً (على شكل الاتِّحاد الأوروبي مثلاً)، حتَّى يتسنّى لها أن تكتشف سلطتها وأدوارها كلاعبة في المجال العابر للقوميّات.

تغيّر مثال المشروعيّة
من يقرّر أو ما الذي يقرّر مشروعيّة التغيّر في قواعد اللعبة؟ وهل حصل تحوّل قواعد اللعبة تبعاً لمبادئ شرعيّة لعبة الداما القوميّة؟ وهل باتت المصادر القوميّة لشرعيّة السلطة والسيادة في ما بعد ـ اللعبة متوافرة؟
لا يقول بعض المعارضين للقوميّة إنّ النظام الكوسموبوليتي يملك مصادر خاصة به تشرّعه، فمثلاً تتولّد القواعد الجديدة من ترابط حقوق الإنسان مع السيادة، التي تفرض في حالة الصراع حقوق الإنسان هذه ضدّ قواعد اللعبة القوميّة. لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ النظام الكوسموبوليتي يتكوّن ويتعزّز في ظلِّ رغبةٍ إمبرياليّة مباشرة لقوّة عالميّة اقتصاديّة ـ أخلاقيّة ـ وعسكريّة، كالولايات المتّحدة، بل على العكس، تخلق مشروعيَّة النظام الكوسموبوليتي، السلم والعدل والحوار، فضاء سلطة يستدعي مضموناً وقاعدة عسكريّين (بعثات الأمم المتِّحدة وحلف شمال الأطلسيّ).
في الواقع إنَّ ما بعد ـ اللعبة ينطوي على إمكانيّة تغيّر مثال المشروعيّة. وكما أظهرت حرب كوسوفو عام 1999، فإن تغيّر المشروعيّة هو الذي أطاح بالسيادة الوطنيّة المثبّتة بالقانون الدولي وجعلها مشرَّعة على تدخّلات (الإنسانيّة العسكريّة) المبرّرة. لقد تحوّلت الدعوة للعدالة والانتصار لحقوق الإنسان إلى سيف يُشهر بهدف اجتياح بلدان أجنبيّة. فكيف يُمكن الدِّفاع عن المشروعيّة الكوسموبوليتيّة إذا كانت توصل إلى مواقف تتّسم بالتأزيم والحروب؟ ومن يلجم النتائج الثانوية لمبدأ أخلاقي كوسموبوليتيّ يتحدّث عن السلم ويسمح بالحرب؟
إنَّ مشروعيَّة القانون الكوسموبوليتيّ السائدة قد جعلت تحويله أداة لغايات إمبراليّة غايةً في الإغراء، أي في الواقع تجعل الكوسموبوليتيّة الباطلة من البلاغة الكوسموبوليتيّة (السلام والعدالة العالميّين وحقوق الإنسان) أداةً لغايات السيطرة القوميّة. إنَّ أنماط التحالفات وأهداف الدولة النيوليبراليّة تجعل الدولة ونظريّة الدولة أداتين بهدف شرعنة المصالح الخاصّة بالرأسمال وتحسينها. أمَّا شكل الدولة الكوسموبوليتيّة فهو، وكما يريده المجتمع المدنيّ العالميّ، يهدف للسيطرة على التنوّع المتنازع حوله، ويقوم على تصوّر وتحقيق لنظامٍ ما بعد قوميّ، بل ما بعد عولميّ. ويُحيط برنامج المجتمع المدنيّ نفسه بهالةٍ من الأخلاق الشاملة ويكافح من أجل رواية العولمة العقلانيّة ـ الديموقراطيّة.
لا بدّ إذاً من التمييز بين النظرة القوميّة والنظرة الكوسموبوليتيّة، وذلك تبعاً لمنظورات فعل الفاعلين ـ النظرة القوميّة ـ بمنظورات المراقب العلميّة، النظرة القوميّة المنهجيّة.
ولقد بات العالم خزَّان تفاوتات خطيرة. ففي كلِّ سنةٍ وفي ما يخصّ خدمة الدين فقط، ينتقل 200 مليار دولار من الجنوب إلى الشمال. وفي الوقت نفسه، انخفض تدفّق الرساميل الخاصّة باتِّجاه الجنوب العام 2001، وللسنة الخامسة على التوالي، وقد خسر نحو مائة مليار دولار بالمقابلة مع قيمته عام 1997. باتت التباينات واضحة ومطّردة على صعيدٍ عالميٍّ شامل، فبين عامي 1920 و2000، ارتفعت حصّة العائد العالميِّ الذي يستولي عليه 20 في المائة من أكثر أغنياء سكان العالم من 70% إلى 90% في حين أنّ الحصّة التي تذهب إلى 20% من السكان الأكثر فقراً قد تدنّت من 2,3 مليار إلى 1,2 مليار دولار من السكّان.
من المهمّ التمييز بين التفاوتات الكبيرة، العابرة للقوميَّات، العالميّة، والتفاوتات الصغيرة التي توجد داخل الدولة، والتي تُعتبر صغيرة فقط من منظور كوسموبوليتيّ. فالتركيز القوميّ على التفاوتات القوميّة الصغيرة يعني إخفاء التفاوتات العالميّة الكبيرة وتبريرها. ويقوم ذلك الإقصاء على وجود معايير مساواة قوميّة مُمأسسة. وبقدر ما يُصار إلى استبدال المعايير القوميّة للمساواة بمعايير مساواة كوسموبوليتيّة، تُصبح الضرورة والحاجة عند الدولة لتبرير التفاوتات الكبرى الموجودة أكثر إلحاحاً.

سيطرة عابرة للقانونيّة
يعمل الاقتصاد العالميّ بطريقةٍ (عابرةٍ للقانونيّة) ممّا يعني أنّ عملها ليس غير قانونيّ ولا غير شرعيّ. ويُقصد بالسيطرة العابرة للقانونيّة، الإمكانيّة المستمرّة، المُمأسسة، للتأثير على القرارات والإصلاحات للدولة ما وراء حدود الأنظمة القوميّة، بطريقةٍ تتطابق أولويّاتها مع تلك المتعلِّقة بتوسّع سلطة السوق العالميّة. وتتحوّل المؤسَّسات العابرة للدول إلى شبه دول ناهضة من الاقتصاد الخاص، التي تأخذ قرارات يجب أن تُحترم من قِبَل الجميع، وتتحوّل إلى دول مقرّرة خياليّة ومنظَّمات افتراضيّة. ويجب على هذه المنظّمات أن تأخذ قرارات سياسيّة. وثمّة مفارقة بين السلطة والشرعيّة، إذ تتمتّع المجموعات الصناعيّة الكبيرة والمنظَّمات الاقتصاديّة العابرة للدول بسلطة مهمّة، لكنّها ضعيفة الشرعية. في المقابل، الحركات الاجتماعيّة المناهضة للعولمة سلطتها محدودة لكن شرعيّتها قويّة.

خلاصة
(الدولة الكوسموبوليتيّة) إذاً هي جواب سياسيّ على العولمة. وهي مؤسَّسة على مبدأ اللامبالاة القوميّة للدولة وتسمح بالمساكنة لهويّات قوميّة بفضل التسامح الدستوريّ. ويتصوّر المؤلِّف أنَّ هذه الدولة هي التي ستمنع الحروب الأهليّة العالميّة ذات الطابع القومي أو الدينيّ والتي عرفها القرن العشرون، وستسمح بوجود تسامح وحريّة دينيين. والدولة الكوسموبوليتيّة لا مركزية حيث يبرز خيار جديد هو الفيدرالية الكوسموبوليتيّة للدول. هذه العولمة الاقتصاديّة، ومن خلال إعادة لبرلة (تحرير) الدولة، ومن خلال رفع يد الدولة عن القانون، وعن الهيمنة، سيتيح إنتاج قواعد جديدة ومصادر قواعد جديدة إلى جانب أدوات شرعيّة تُتيح إنجاز العقود وتؤمّن تسوية الأزمات. هذه الاستراتيجية مزدوجة حيث تسير خسارة السلطة متساوقة مع ربحها: زيادة سلطة الرأسمال مع ضعف سلطة الدولة، وفقدان الدولة لشرعيّتها مع إضفاء الشرعيّة على الرأسمال. إنَّنا نشهد إذاً تكوّن شكل سيادة قضائيّة لرأس المال تتحرّر من أُسس التشريع الخارجيّ ومصادره التابعة للدولة، وذلك من خلال اللجوء إلى التحكيم الدولي.
ويقصد بيك بالسلطة السلطة بشكلها القديم. والسلطة المضادّة هي السلطة التي يجب أن تنشأ في المستقبل. والسلطات التي تضادّ السلطة تعني سلطة من يملك المال، سلطة من يملك السلاح، سلطة من يملك القانون. يقول بيك إنّ الدولة التي انتهت انتهت الآن بشكلها بناء الدولة القوميّة أو ما يسمَّى دولة الرفاه، فالاقتصاد الذي بنى العولمة بات الآن اقتصاداً يستطيع أن يتجاوز العولمة، فهو ليس بحاجة إلى الدولة ولا بأيِّ شكلٍ من الأشكال، وبالتالي العولمة صارت شيئاً من الماضي، إذ يستطيع الاقتصاديّ الموجود في أميركا أن يتعامل مع الاقتصادي الموجود في الصين من دون الرجوع حتَّى إلى دولته. حتَّى أنَّه لا يحتاج إلى محكمتها، وفي حالة الخلاف نعتمد التحكيم الدولي.

فالكوسموبوليتيّة تعني سياسة كونيّة لا تختصّ بدولةٍ واحدةٍ، ولكن تتبنّاها الدول في ما بينها باعتبار أنَّها ستكون نوعاً من دستورٍ عالميٍّ أو قانون عالميٍّ نسير عليه جميعاً، بحيث نحتكم إلى هذا الدستور العالميّ أو إلى هذه القوانين العالميّة ولا يعود في ما بيننا أمر نختصم عليه إنْ وطني أو قومي أو لنسمّه محلياً. فهي إذاً السياسة التي ستقضي على الاختلافات والامتيازات المحليّة أو القوميّة بحيث إنَّ التعامل من الآن فصاعداً سيكون على أساس كوني، على أساس كوسموبوليتي يعني على أساس سياسة تهمّ الكون بأسره. ويعتبر بيك أنَّ الدولة الكوسموبوليتيّة لا يجب أن تعني أنّ العالم كله سيصبح دولةً واحدةً بل سيكون ثمّة مجموعات معينة. هذه المجموعات تتعامل في ما بينها كمجموعات كالاتّحاد الأوروبيّ، كتجمّع شرق آسيا، كاتّحاد الدول العربية الذي لم يوجد. هذه الاتِّحادات في ما بينها لا تتعامل من منطلق قومي. مثلاً لا تتعامل السعودية مع فرنسا كدولة ولكن يتعامل الاتّحاد الأوروبي مع اتحاد دول الخليج كاتّحاد، فهذا هو مبدأ الدولة الكوسموبوليتيّة.
وفي رأي بيك الدولة كدولة كبناء ذاتيّ تظلّ موجودة ولكن كسياسة هي تمارس سياسة عالميّة. فالمركزيّة الإداريّة على مستوى البلد تصبح لا مركزيّة إداريّة على مستوى العالم. الدولة تبقى موجودة ولكن يُدار العالم بشكل لا مركزي أو يتمّ التوافق على الإدارة بشكل لامركزيّ. ولكن الدولة القوميّة لا تنتهي ولكن لن تعود هي الدولة القادرة وحدها أن تصنع قدراً معيناً، أي لم يعد بإمكان فرنسا أو ألمانيا أن تصنع حرباً وحدها من دون الاتِّفاق مع دول الاتِّحاد الأوروبيّ أو من دون دول العالم كلّه.

________________________________________
(*)د. هيثم مزاحم باحث لبناني، مدير مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، رئيس تحرير موقع “شجون عربية”، لديه العديد من الكتب والدراسات والمقالات ومراجعات الكتب.

هيثم مزاحم_العالم

(1)- نبذة عن الكاتب أولريش بيك: أولريش بيك هو أحد أشهر علماء الاجتماع الألمان المعاصرين، الذين تُحدِثُ نظريّاتهم وأطروحاتهم العلميّة والفلسفيّة أصداء واسعة وسجالاً على مختلف الأصعدة والمستويات، لا سيما وأنَّها تتناول بالنقد والتحليل ظواهر اجتماعيّة وسياسيّة حيّة ومعاصرة. كما أنَّها تُناقش قضايا شائكة ذات عمق فلسفيّ اجتماعيّ وسياسيّ كتلك المتعلِّقة بالعولمة والحداثة والرأسماليّة. وكان بيك قد حاز عام 2005 على أعلى جائزة تُمنح في ألمانيا في مجال علم الاجتماع، وهي جائزة (شادر)، وذلك تقديراً لإنتاجه العلميّ واعترافاً بفضله بتطوير هذا الفرع من العلوم. ولد أولريش بيك عام 1944 في تولف في هينتربوميرن لكنه نشأ وترعرع في مدينة هانوفر الألمانية التي حصل فيها على الثانوية العامة قبل أن ينتقل إلى مدينة فرايبورغ لدراسة الحقوق في جامعتها. لكنه بعد ذلك تمكن من الحصول على منحة دراسية وانتقل إلى دراسة علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والسياسة في جامعة ميونخ التي حصل منها عام 1972 على درجة الدكتوراه، ثم بعد سبع سنوات أخرى على درجة الأستاذية. وعمل اولريش بيك أستاذاً جامعياً في كل من جامعة ميونيستر وبامبرج ثم جامعة ميونيخ ومعهد لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية. أولريش بيك متزوج من عالمة الاجتماع اليزابت بيك ـ جيرنزهايم. عمل مستشاراً لرئيس الوزراء الألماني السابق شرويدر وعمل أيضاً في بريطانيا مع غيدنز طوني غيدنز عالم الاجتماع المشهور الذي عمل بدوره مستشاراً لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لمدة طويلة. أعماله العلميةكتب أولريش بيك ونشر العديد من المؤلفات والدراسات الاجتماعية التي تمحورت في معظمها حول الحداثة والعولمة والتحولات الاجتماعية والتطور التكنولوجي وآثار كل ذلك على المجتمع الإنساني، وأبرزها: كتاب (مجتمع‏ ‏المخاطرة‏: ‏نحو‏ ‏حداثة‏ ‏جديدة)، (ما هي العولمة؟)، (السلطة والسلطة
المضادة في عصر العولمة)، و(السياسة في مجتمع المخاطرة).

(2)- اسم الكتاب: السلطة والسلطة المضادة ، تأليف: أولريش بيك ، ترجمة: د. جورج كتورة ود. إلهام الشعراني ، نشر: المطبعة الشرقية بيروت ، الطبعة الأولى، تاريخ النشر: 2010، حجم الكتاب: 734 صفحة.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

يهود البلاد العربية

مراجعة: محمد يسري أبو هدور– ولدت المؤلفة خيرية قاسمية في حيفا سنة 1936، وحصلت على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *