الإثنين , نوفمبر 20 2017
الرئيسية / آراء / القرصنة الأميركية من البنك العربي إلى الجامعة الأميركية

القرصنة الأميركية من البنك العربي إلى الجامعة الأميركية

بقلم: سليم نصار – صحيفة النهار — بعد ابتزاز المصارف العالمية، وصلت يد القرصنة الاميركية الى الجامعة التي أسستها في لبنان ولاية نيويورك عام 1863 تحت إسم “الكلية البروتستانتية”، واختارت دانيال بلس أول رئيس لإدارتها. أخيراً، جاء في الأخبار أن إدارة الجامعة الاميركية في بيروت وافقت على دفع غرامة قدرها 700 ألف دولار. والسبب، كما أعلن مكتب الإدعاء الاتحادي، أن الجامعة أقرت بتدريب ممثلين عن راديو “النور” وتلفزيون “المنار”. وهما مؤسستان إعلاميتان تدرجهما وزارة الخزانة الاميركية بوصفهما فرعَيْن لجماعة “حزب الله”.

ويُستدَل من هذا الاستنتاج أن مجلس الأمناء في نيويورك قد أذعن للضغوط التي مورست عليه “من قبل طرف سري لم تعلن هويته”. وهذا الطرف الذي حجبت هويته عن قصد هو بالتأكيد “اللوبي اليهودي” الطامع منذ الستينات الى تحجيم دور الجامعة الاميركية في بيروت بعدما وصفها الرئيس جون كينيدي أمام البطريرك الماروني مار بطرس بولس المعوشي بأنها منارة متقدمة في الشرق الأوسط. وبما أن اسرائيل تريد الاستئثار بحظوة هذه المنارة، لذلك استولت على نصف المعونات والمساعدات المادية التي كانت مخصصة للجامعة الاميركية.
وواضح من نصّ بيان المدعي الاتحادي أنه يجهل طبيعة الظروف التي استخدمتها الجامعة لتقديم دعمها الثقافي الى هاتين الهيئتين. وحقيقة الأمر أن “حزب الله”، في نظر دول الاتحاد الاوروبي، كان منفتحاً على الشرعية بدليل أن اوروبا انتقدت جناحه المقاتل وبرأت جناحه الثقافي – الاجتماعي. وهذا يعني أن الجامعة الاميركية قامت بعملية الدعم الثقافي قبل أن تعلن الولايات المتحدة تصنيف “حزب الله” حزباً إرهابياً.
وهناك إشارة واضحة تحدث عنها القائم بأعمال المدعي الاتحادي في مانهاتن (حيث ترتكز نواة الحركة الصهيونية)، وفيها يطالب الجامعة بأن تتخلى عن فلسفتها التعليمية ومعاييرها وممارساتها حسب النموذج الاميركي الليبرالي للتعليم العالي.
وترى الجامعة، وفقاً للبيان التوضيحي الذي أصدرته، أن خريجيها ملتزمون حرية التعبير والتفكير واحترام التنوّع ونزاهة الحوار.
هذه القيم في نظر جون كيم، القائم بأعمال المدعي الاتحادي في مانهاتن، لم تعد قائمة في برنامج الجامعة التي أرادها أن تخضع لـ “مكارثية فكرية” تجرِّد هذا الصرح التعليمي من الشعارات التي وضعها دانيال بلس وأسلافه الرؤساء الذين زرعوا بذور التعبير الحرّ وحق الاعتراض وأعمال المقاومة الوطنية المشروعة.
ومن تلك البذور نبتت الحركات والتيارات التي طورت منطقة الشرق الأوسط من خلال 65 جنسية امتدت تأثيراتها السياسية والعقائدية من ايران والعراق حتى الجزائر والمغرب… ومن تركيا حتى السودان ومصر وليبيا واليمن وفلسطين. ومن رحم هذه الجامعة تخرج بإسم القوميين العرب، الطبيبان جورج حبش ووديع حداد. ومن الرحم ذاته تخرج طبيب العيون منصور أرملي، حامل شعار الشيوعية الأممية. وتنسحب تلك الذهنية المتنورة على آلاف الطلاب ممن ساهموا في الحكم أو في المعارضة من أمثال: القاضي عبدالرحمن الأرياني ومحسن العيني من اليمن… وأحمد الخطيب من الكويت… وحامد الجبوري وباسل قبيسي وسلام أحمد من العراق.
والقائمة تضيق بسجل الروّاد الذين فتحوا أسواق الأدب والتجارة والإعمار من أمثال: اميل بستاني وكامل عبدالرحمن وسعيد تقي الدين وحمد الفرحان وابرهيم طوقان وسعيد خوري وزها حديد ونزيه طالب والدكتور ابرهيم السلطي والشيخ نجيب علم الدين وأنيس المقدسي والأخوان الدكتور نجيب ومنير أبو حيدر. ومن المؤكد أن قائمة المجلين في كل الحقول تضيق بالصفحات المشرقة التي كتبها الآلاف ممن تفوقوا في اختصاصاتهم، والذين لا يسمح المجال بتعداد أسمائهم.
وما يهم الرأي العام المتتبع لتفاصيل هذه القضية الشائكة، هو معيار التسوية الذي التزمها الفريقان. ذلك أن الجامعة اشترطت الى جانب موافقتها على تسوية وزارة العدل الاميركية “أن تبقى ملتزمة تقديم أرقى وأفضل تعليم للطلاب في لبنان وخارجه.” وأكدت أيضاً التزامها الوفاء لمهمتها من خلال تعليم مجتمع متنوع، من دون تفريق على أساس العرق أو الدين أو العقيدة أو أي عنصر تمييز آخر.
واختتمت دورها بعد تثمين الدعم السخي الذي تقدمه “الوكالة الاميركية للتنمية الدولية”، بقبول إجراء تدريب إضافي لأعضاء هيئة التدريس لضمان الامتثال للقانون الاميركي واللبناني! وكلمة “امتثال” تعني أن حرية التعبير والتفكير التي قدمتها الجامعة الاميركية في بيروت على امتداد مئة وخمسين سنة، ستتعرض لتوجيهات صارمة بواسطة قيود معنوية تمنعها من تحقيق دورها السابق. وهذا يعني أن الإرهاب الفكري الذي قدمه مكتب الإدعاء الاتحادي الاميركي كعلاج ضروري لاستمرار رسالة هذا الصرح الثقافي… سيتحول الى حملة اضطهاد يمكن أن تنسف كل مقومات نظام التعليم السابق. وفي ظل هذا التوافق، تصبح الجامعة الاميركية في بيروت واحدة من عشرات الجامعات التي سمحت الدولة بتأسيسها. وفي المرحلة الأخيرة أصابت سهام القرصنة الاميركية مصارف عربية عدة كان “البنك العربي” في قائمة المتضررين. و”البنك العربي” تكوّن على يد مؤسسه عبدالحميد شومان مع أربعة مساهمين في تموز (يوليو) 1930، في القدس. أي قبل حوالي عشرة اعوام من اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقبل 18 عاما من إعلان إنشاء دولة اسرائيل. وبما أن فلسطينيي الـ”دياسبورا” كانوا يستخدمون فرع نيويورك كأداة تواصل لإرسال المساعدات الى ذويهم في الضفة الغربية بعد احتلال 1967، لذلك حرصت أجهزة “الموساد” على مصادرة كل الملفات المتضمنة قوائم الزبائن في الداخل والخارج. واستغلت “الموساد” تلك القوائم بغرض الانتقام من العائلات التي تقدم بعض الشهداء، علماً أنه ليس للبنك فيها أي ناقة أو جمل.
وبناء على افتراضات خيالية أنزِل العقاب بـ”البنك العربي”، بحيث غُرِّمت الإدارة الجديدة التي اشترت من عبدالحميد شومان كل الحصص المعروضة، غرّمتها محكمة نيويورك مبلغ 23 مليون دولار كدفعة أولى. واضطرت الادارة الجديدة برئاسة صبيح المصري الى الحصول على شهادات قانونية من الإدارة الاميركية في واشنطن، ومن الحكومة الأردنية في عمّان، بأن “البنك العربي” لا يموّل المقاتلين ولا يفتح حسابات لأعضاء المنظمات الفلسطينية المعارضة. ومع هذا كله، فإن محكمة نيويورك لم تأخذ بشرعية هذه الشهادات، الأمر الذي اضطرها الى القبول بمبدأ التسوية. ولكنها تسوية مجحفة كونها امتدت لمسافة زمنية طويلة جداً كان “البنك العربي” خلالها يدفع أجور المحامين، وأجور الخبراء. وقد تكدست المصاريف على نحو غير مألوف.
في إطار الحملة الدولية على الإرهاب، ما تزال الادارة الاميركية تتصرف حسب السياسة التي سادت في عهد جورج بوش الإبن. أي السياسة الانتقامية التي مورست بعد اعتداءات 11 ايلول (سبتمبر) عام 2001، وموت ثلاثة آلاف نسمة.
يجمع المراقبون والمعلقون على القول إن قرار اجتياح العراق لم يكن مرتبطاً بحادث إزالة البرجَيْن وإحراق جناح في البنتاغون. ذلك أن المحافظين الجدد في حينه، تبنوا هذا الخيار قبل أن يحققه الرئيس جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني. وكان ذلك تحت عنوان “الحرب الاستباقية والضربة الاحترازية”. وهي سياسة مخالفة للقانون الدولي بسبب افتقارها الى أدلة ثبوتية تسمح بالدفاع عن النفس. أو تسمح بتدمير بلد مثل العراق عام 2003 استناداً الى معلومات قديمة مستقاة من عملية تدمير المفاعل النووي قرب بغداد في 7 حزيران (يونيو) 1981. ومن أجل إثبات سوء النية المبيتة لدى واشنطن، لا بد من مراجعة حكاية خوسيه بستاني، أول مدير عام للوكالة الدولية للطاقة النووية (مركزها فيينا). وقد اختير هذا المحامي البرازيلي (والده لبناني الأصل من أنسباء الجنرال إميل بستاني) لهذا المنصب الحساس عام 1997. بعد مرور خمس سنوات، اختلف خوسيه مع إدارة بوش الإبن لأنه قدم تقريراً موثقاً يجزم فيه أن عراق صدام حسين لا يملك سلاحاً نووياً.
عقب نشر التقرير، شن شيوخ الحزب الجمهوري حملة شعواء ضد مدير الوكالة، انتهت باتفاق الرئيس الاميركي مع صديقه طوني بلير، رئيس حكومة العمال البريطانية، على إزاحته من منصبه. وهذا ما حصل بالفعل، قبل إختيار محمد البرادعي ليحل مكانه في المنصب. وبما أن خوسيه بستاني ينتمي الى حزب العمال الذي يرأسه لولا دي سيلفيا، فقد انتصر له وكافأه بتعيينه سفيراً لدى بلاط سانت جيمس.
وفي جلسة التعارف، سألته عن لقائه بطوني بلير رئيس الحكومة الذي ساهم في طرده من الوكالة. وهز رأسه مرات عدة ، قبل أن يعلق بلهجة تنمّ عن إحراج عميق، ويقول: لقد توسلت الرئيس لولا أن يعينني سفيراً في أي عاصمة أخرى غير لندن. وكنت مدركاً لحجم التحدي الذي سيثيره وجودي الديبلوماسي لدى حكومة تآمرت على طردي من وظيفتي.
وكان رد الرئيس البرازيلي قاطعاً، إذ قال: إذا اعتبرتك لندن شخصاً غير مرغوب فيه، فأنا لن أكون نادماً إذا بقي منصب سفيرنا شاغراً. ولما سألته عن سبب إعتراض بوش وبلير على تقريره، قال: إن المعلومات التي قدمتها لا تبرر الضربة العسكرية التي كانت تعدّ لها الولايات المتحدة مع بريطانيا. والدليل أن بلير أرسل 29 رسالة الى بوش في صيف 2002 يمهد فيها لتعاونهما حول الهجوم العسكري على العراق الذي تم تنفيذه عام 2003. ويُستفاد من التحقيق الذي أجراه البريطاني السير جون تشيلكوت أن الدولتين تآمرتا على وضع خطة وهمية ساهم في إعلانها وزير الخارجية كولن باول، الأمر الذي لم يجد المحقق، بعد طول عناء، أي سبب شرعي يبرر إفتعال الهجوم على العراق. وبسبب الغباء الذي غلف تدابير الوكيل الاميركي بول بريمر، رئيس سلطة التحالف، فقد ارتكب الخطأ السياسي الكبير عندما أمر بحلّ الجيش النظامي، وصرف أكثر من مليون جندي من الخدمة.
وكان من نتيجة ذلك القرار التعسفي المرتجل أن إتحد الضباط والجنود المسرّحون، ليؤلفوا قوة متمردة لم تلبث أن أعلنت من الموصل ولادة “داعش”!

صحافي لبناني

المصدر: صحيفة النهار

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

تيريزا ماي الأكثر إسرائيلية.. أم العرب الأقلّ عروبة؟

بقلم: د. عادل مجمد عايش الأسطل* — يُعتبر وعد بلفور “آرثر بلفور” – وزير خارجية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *