الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / كتب / الفكر الإسلامي في الرد على النصارى: قراءة في أطروحة عبد المجيد الشرفي

الفكر الإسلامي في الرد على النصارى: قراءة في أطروحة عبد المجيد الشرفي

بقلم: د. هيثم مزاحم – خاص موقع حوارات — مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — كان من الطبيعي أن ينشأ- مع ظهور الإسلام بوصفه رسالة خاتم الأنبياء محمد (ص) ودعوته الناس كافة، ولا سيما أهل الديانات السماوية السالفة، إلى اعتناقه- جدل عقائدي بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، ومن ضمنهم المسيحيون.
ومن أجل فهم نشأة الجدل مع المسيحيين وتطوره، قام الدكتور عبد المجيد الشرفي بإعداد أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه حول هذا الموضوع. وقد أدت به عملية البحث والدراسة إلى الرجوع إلى كتب الجدل الديني حيث وجد مئات العناوين في مختلف اللغات من المؤلفات الجدلية. لكن الباحث قد اكتشف أن “الردود المسيحية على المسلمين قد جمعت ودرست ونشرت الجزء الأوفى منها، بينما لم تحظَ الردود الإسلامية على النصارى بنفس العناية فلم تشملها أية دراسة ولم ينشر العديد منها مما لا يزال مخطوطاً في أماكن متفرقة، علاوة على الردود التي ضاعت ولا نعرف سوى عناوينها”.
وقد توصل الباحث خلال مقارنته لكتب الرد على النصارى إلى نتيجتين لم يتوقعهما في البداية: الأولى هي أن الجدل الإسلامي – المسيحي قد اكتملت معالمه في نهاية القرن الرابع الهجري /العاشر ميلادي، و”أن الردود المؤلفة في القرون اللاحقة إنما كانت تردد ما كتب في القرون الأربعة الأولى وخاصة في القرنين الثالث والرابع”، من دون أية إضافات مهمة في “التحليل والإستشهاد بالنصوص أو التعمق في اتجاهات سلكها الأقدمون”.
أما النتيجة الثانية فهي أن الحروب الصليبية، كانت عديمة التأثير او تكاد في محتوى كتب الجدل الديني من الجانب الإسلامي، وإن كانت سبباً مباشراً في تعدّدها.
يتألف الكتاب من توطئة ومقدمة وأربعة فصول وخاتمة وفهرس للمصطلحات وآخر للأعلام.
يذهب الكاتب في مقدمته إلى أن الجدل الإسلامي – المسيحي خلال القرون الأربعة الأولى لم يكن “عملاً ذهنياً مجانياً البتة، بل كان سلاحاً نضالياً لبلوغ أغراض دينية ودنيوية معاً. (إذ) كان يستجيب لضرورات الدفاع عن النفس ودعم تماسك البنية الإجتماعية القائمة، ويستجيب في الآن نفسه لمقتضيات الحرب النفسية وما تتطلبه من زرع بذور الشك عند الطرف المقابل على أمل حمله على اختيار ما يعتقد أنه الحل الصحيح والإلتحاق بصف المدافعين عن الحق والخير”. كما كان “معبّراً بصفة ضمنية عن قيمة الدين المطعون فيه وقدرته على الإغراء وما يمثّله من تحدٍ في نظر الواعين بأهميته”.
الباب الأول من الكتاب خصص لدراسة العقائد المسيحية من خلال العودة إلى جذورها التاريخية وإلى الظروف التي نشأت فيها تلك العقائد ودوافعها البعيدة والمباشرة وأبعادها الدينية والدنيوية على السواء. ثم يعرض الكاتب نتائج الدراسة لكي يسمح للقارئ بالمقارنة بين ما نعرفه اليوم عن العقائد المسيحية وما أثبته عنها أصحاب الردود على النصارى إلى نهاية القرن الرابع.
وبعد عرضه الشامل والطويل (85 صفحة) لنشأة العقائد المسيحية وتطوّرها، ينتقل المؤلف في الباب الثاني من الكتاب، إلى ردود المسلمين على النصارى وظروفها. فيتناول في الفصل الأول، نصوص هذه الردود.

أولاً: النصوص التي وصلتنا (مرتبة ترتيباً تاريخياً)
1- القرآن الكريم
غني عن القول إن القرآن هو المصدر الأساسي لأهم المواقف التي تبنّاها المسلمون من المسيحية والمسيحيين. والآيات القرآنية المتعلقة بالمسيحية مباشرة لا تتجاوز المائتين والعشرين آية من مجموع 6236 آية قرآنية. فهو إذن غرض ثانوي لا يمثل سوى 3.5 بالمئة من النص القرآني.
ولعل أبرز ما تضمنته هذه الآيات هو دحض لعقيدة بنوة المسيح لله وتأكيدها على أنه عبد ونبي جاء بالحكمة والبينات ودعا إلى التوحيد، حيث أكدت آيات عدة على الوحدانية المطلقة لله التي لا تحتمل “أن يكون الله ثالث ثلاثة وأن يكون له ولد وأن يكون هو المسيح أو أن يكون المسيح ابنه. ونفت أن يكون عيسى دعا الناس إلى اتخاذه وأمه إلهين من دون الله وإلى عبادته، فما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أوتي الكتاب والحكمة والنبوة والبينات، وأُيّد بروح القدس، وأُوحي إليه الإنجيل مصدقاً لما بين يديه من التوراة وليحل لبني قومه بعض الذي حرّم عليهم. وكونه كلمة من الله ألقاها إلى مريم وروح منه ولد من غير أب وجاء قومه بالآيات ورفعه الله إليه لا يحمله على الإستنكاف من أن يكون عبداً لله فمثله مثل آدم خلق من تراب ودعا الناس إلى عبادة ربّه وربهم وبشّر برسولٍ من بعده اسمه احمد”.
وكما نفى القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى أيضاً أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه. واشتمل القرآن كذلك على آيات أخر نصّت على كيفية تعاطي المسلمين مع النصارى.

2- الحديث والتفسير
يشك الكاتب في صحة اعتبار مصنفات الحديث التي وصلتنا نصوصاً تسجّل بأمانة أقوال النبي وأفعاله، ويتساءل إن كان يجدر اعتبارها نصوصاً معاصرة للقرآن فيكون ما يتعلق منها بالمسيحية له أهمية خاصة، أم يجدر اعتبارها نصوصاً تعكس التصوّر الذي حصل في أذهان أجيال الرواة والمصنّفين المتعاقبين لتلك الأقوال والأفعال، وهي على هذه الحالة تمتد على ثلاثة قرون على الأقل أي إلى بداية القرن الرابع/العاشر. لكنه يعتبر أن هذا السؤال يعسر الجواب عليه بصورة قطعية إذ إن من المرجّح أن عدداً كبيراً من الأحاديث صحيح ولكنه يستحيل التأكيد أن هذا الحديث بالذات أو ذاك صحيح.
ويرى المؤلف أن فهم النص القرآني قد تحدد بالظروف التاريخية التي عاشتها الأجيال الإسلامية الأولى، ونشأت سنة تفسيرية بارزة المعالم طغت على ثروة النص الكامنة ووجّهته وجهة معيّنة ليست بالضرورة هي الوجهة المثلى أو الوحيدة. وعليه فهو لا يعتبر التفاسير القرآنية نصوصاً مستقلة وإنما هي في نظره معيار لمدى تمثيل الردود للفكر الإسلامي في شأن المسيحية.

3- النصوص الأخرى
ينتقل المؤلف إلى عرض قائمة بأبرز الردود الإسلامية على النصارى في القرون الأربعة الأولى، وهي على الشكل التالي:
1- رسالة الهاشمي إلى الكندي يدعوه بها إلى الإسلام: يشك المؤلف في صحة نسبة هذه الرسالة إلى مسلم، هو اسماعيل الهاشمي، ويعتقد أن مؤلفها هو نصراني، نظراً لهشاشة الرسالة، بحيث وضعها ليسهل عليه نقضها. والهاشمي في نظره اسم مستعار استعمله المؤلف المسيحي قصد إضفاء صبغة واقعية على الحوار الذي وضعه، ولا يمكن بالتالي إدراج الرسالة ضمن الردود الإسلامية على النصارى.
2- ” الرد على النصارى” و”الدين والدولة” وهما كتابان لعلي بن ربن الطبري (157-240هـ)، وهو نصراني اعتنق الإسلام ثم ألّف كتابين للرد على النصارى، اللذين يعتبران أو إنتاج وصلنا في الجدل الإسلامي- المسيحي من وضع نصراني- نسطوري أسلم.
3- الرد على النصارى للإمام الزيدي القاسم بن ابراهيم الرسي(170-246 هـ): وهو مؤسس مذهب القاسمية في الفقه الزيدي، وكتابه يدل على اطلاع دقيق على آراء الفرق النصرانية المتواجدة في عصره.
4- مقالة في الرد على النصارى لأبي يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي(185- 252 هـ): لم تصلنا من هذه المقالة التي كتبها الفيلسوف العربي الشهير إلا مقتطفات، وهي تتعلق بإبطال عقيدة التثليث المسيحية.
5- الرد على النصارى لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ(160-255هـ). يدل اهتمام علم من أعلام الثقافة العربية الإسلامية كالجاحظ بالأغراض المسيحية دلالة واضحة على أن الجدل الإسلامي – المسيحي لم يكن محل اهتمام علماء مختصين أو من درجة ثانية فحسب. وقد وصلنا رده على النصارى ناقصاً كما نقله عبيد الله بن حسان.
6- الرد على النصارى لأبي عيسى الوراق(ت 297هـ) : وهو أحد رؤساء مدرسة بغداد الإعتزالية، تعرّض في كتابه “المقالات” إلى النصرانية. أما في كتابه “أوائل الأدلة” فإنه بالتأكيد قد تعرّض إلى عقائدها كما نقل مقتطفات منها الفيلسوف النصراني اليعقوبي أبو علي عيسى بن اسحاق بن زرعة في رده عليها، وهي لا تتجاوز الصفحة الواحدة.
7- كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي(ت 333هـ): وهو مؤسس مدرسة كلامية نازعت الأشعرية في الإنتساب إلى أهل السنة والجماعة و”سلكت منهجاً وسطياً بين الحرفيين والعقليين”. تعرّض في كتابه “التوحيد” إلى “آراء النصارى في المسيح والرد عليها”.
8- رسالة الحسن بن أيوب(ت 378 هـ) إلى أخيه علي بن أيوب: وهو من المتكلمين بالمعتزلة، وكان نصرانياً وأسلم، وأرسل رسالة إلى أخيه يدعوه بها إلى الإسلام ويبيّن له بطلان دين النصارى.
9- الإعلام بمناقب الإسلام لأبي الحسن العامري(ت 381): وهو من أعلام الفلسفة العربية المغمورين في القرن الرابع. وقد أجرى في كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام” مقارنة بين الديانات، وبينها المقارنة بين المسيحية والإسلام.
10- كلام في مبادئ الموجودات لأبي سليمان المنطقي(ت بعد 391 هـ) ،وهي رسالة قصيرة تنسب إلى أبي سليمان، تعتبر أول محاولة إسلامية لتفهم الثالوث المسيحي انطلاقاً من المفاهيم السائدة في القرن الرابع من دون أن يقصد من ذلك الجدل والمماحكة.
11- كتاب التمهيد لأبي بكر الباقلاني: وهو من دعائم المدرسة الأشعرية في الكلام، وقد خصص الباب الثامن من كتاب “التمهيد” للكلام على النصارى، اعتمد فيه على أسلافه وخاصة منهم الوراق.
12- القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني(ت 415هـ): وهو أحد مفكري الإعتزال في القرنين الرابع والخامس، وله كتابان تضمنا كلاماً عن عقائد النصارى هما: “المغني في أبواب التوحيد والعدل” في الجزء الخامس – باب الفرق غير الإسلامية، وكتاب “تثبيت دلائل النبوة”. ويتميّز القاضي في رده على النصارى باستشهاده بالأناجيل في الكثير من الأحيان.
13- الرد على النصارى – مجهول المؤلف والعنوان: يفترض المؤلف أن هذا الرد، الذي وصلنا مبتوراً بمقدار ورقة من الأول وورقة من الآخر، هو “الرسالة العسلية” التي ذكر القاضي عبد الجبار أنها للجاحظ في الرد على النصارى، لتشابهها مع أسلوبه الأدبي.
14- نصوص لم يطلع عليها المؤلف لكنه علم بوجودها، أبرزها مناظرات الإمام علي بن موسى الرضا عند الشيعة الإثني عشرية مع علماء الأديان الأخرى ومنها النصارى، الواردة في كتاب “عيون أخبار الرضا”.

ثم يقوم الكاتب بذكر النصوص التي لم تصلنا وهي لنحو 33 مؤلفاً.

“النصارى في دار الإسلام”
في الفصل الثاني، “النصارى في دار الإسلام”، يتناول المؤلف بسرعة العلاقات التي كانت قائمة بين المتجادلين أو بالأحرى بين المجموعتين الدينيتين المسيحية والمسلمة، إذ لا يمكن بحال فصل العقائد عن التاريخ، أي عن الميادين الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وعن الوضع الديموغرافي والقانوني للجاليتين المعنيتين.
يقوم المؤلف بتتبع بداية العلاقات بين المسلمين والنصارى منذ لقاء الرسول(ص) بالراهب بحيرا إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة، مروراً بمباهلة النبي لنصارى نجران ووصولاً إلى وضع النصارى في ظل الدولة الإسلامية، من عهد الرسول لهم إلى قانون أهل الذمة والجزية و”الشروط العمرية”.

الأغراض الجدلية
أما الباب الثالث، وعنوانه “الأغراض الجدلية”، فقد خصّصه المؤلف لعرض أبرز أغراض الجدل الواردة في كتب الردود وتبويب المعلومات المتناثرة فيها، بصورة عرض موضوعي لها، مع ترك المجال قدر الإمكان لأصحاب كتب الرد أنفسهم حتى يعبّروا عن الأفكار التي دافعوا عنها.
يمهد المؤلف لهذا الباب بتحديده لثوابت العقيدة الإسلامية المشتركة عند مختلف المدارس الفكرية والتيارات المذهبية. فالعقيدة الإسلامية تقوم أساساً على الإيمان بـ:
– وجود إله واحد حي، هو الواحد الأول الحق الذي ليس كمثله شيء، له الأسماء الحسنى، يعرفه البشر عن طريق ما أوحى به إلى الأنبياء والمرسلين وآخرهم، محمد(ص).
– الوحي الإلهي لا يتطرق إليه الشك بوجه من الوجوه، وهو مشكاة النور التي تنبني عليها أسس كل علم وكل نظر.
– أن القرآن هو ذلك الوحي الذي يكمل كتب الأنبياء السابقين وينسخها، وعليه يقوم الدين الحق الذي لن ينسخ.
– أن محمداً رسول الله بعثه لإظهار الحق والطريق المستقيم وتعليم الكتاب والحكمة والأمر بالمعروف والني عن المنكر.
– أن محمداً مؤسس الأمة الإسلامية والمرشد الروحي والزمني الأمثل، قد جمع الصحابة أقواله وأفعاله بأمانة في متون الحديث.
– أن الإسلام دين التوسط والإعتدال بين الغلو والتفريط، وهو دين الفطرة لا يستعصي عن الفهم ولا يناقض العقل ويؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة.
– أن أركان الإسلام من شهادة وصلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد توفّر أحسن الظروف للنشاط الروحي والجسدي في ميادين الحياة الفردية والعائلية والسياسية”.

يرى المؤلف أنه “نظراً للإيمان بهذه العقيدة، فإن المفكرين المسلمين الذين اشتغلوا بالمسيحية أخضعوها للمعايير الإسلامية وحكموا عليها من خلال مقاييسهم. وبرغم أن عدداً منهم التزم بعرض المعتقدات المسيحية في كثير من الأمانة والموضوعية قبل الرد عليها ومحاولة دحضها، فإن أياً (منهم) لم ينتبه إلى أن اختلاف المنطلقات والفرضيات هو أساس حوار الصم الذي ميّز المجادلات الدينية. ولذلك يكثر تعجّبهم من الإيمان المسيحي ومن أن يكون من أتباعه حكماء وعلماء- أي مثقفون بالمفهوم الحديث- بل أمم وأجناس عديدة”.
ويعود استغرابهم لهذه الظاهرة إلى وثوقهم بالحقائق التالية:
1- استحالة إمكانية وجود علاقة أنطولوجية بين الله والإنسان أو بين المفارقة والمنزلة البشرية. فالإيمان بأن يكون أحد إلهاً وإنساناً في الوقت نفسه هو عين الشرك.
2- تكافؤ الأدلة على نبوّة محمد – إن لم يكن تفوّفها – مع الأدلة على نبوة الأنبياء الذين يؤمن بهم النصارى.
3- تفوّق القرآن على الكتب السابقة له لجمعه بين التوحيد وتصديق الرسل والحث على الصالحات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الجنة والتزهيد في النار، مع ما له في القلوب من الجلالة والخلاوة برغم أمية من جاء به.
4- انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجاً وغلبة الدولة التي أسسها وتقدم الحضارة التي أنشأها. كل ذلك دليل على صحة هذا الدين وأحقيته بالإتباع.
وتترتب على التسليم بهذه الحقائق نتيجتان تردان باطراد في الردود الإسلامية على النصارى، لولاهما لما كان هناك داعٍ إلى الدخول في جدل مع النصارى آنذاك، على حد رأي المؤلف.
والنتيجتان هما: الأولى هي أن النصارى – من ملكية ونساطرة ويعاقبة- ليسوا على دين المسيح. فعيسى لا يمكن أن يدعو إلى ما يخالف الإسلام. وإنما حاد النصارى عن تعاليمه وأنشأوا ديناً جديداً تحت تأثير العقائد الوثنية واتباع الأهواء والمصالح الشخصية والسياسية. وهكذا فإن كل نقد يوجّه إلى هذا الدين الذي يختلف عما في الإنجيل (الحقيقي) لا يمسّ دين المسيح في شيء.
والنتيجة الثانية هي أن الكتب التأسيسية في المسيحية لا تفيد ما يعتقده النصارى. وسواء لحق التحريف بها عمداً أو سهواً أو من قبل المتجرمين والكتاب، أو قبلت على علاّتها كما هي متداولة عند المؤمنين بها، فإن العقائد المسيحية في كلتا الحالتين مبنية على فساد في تأويل هذه الكتب، وهناك مخارج في التأويل صحيحة سيجتهد أصحاب الردود في بيان وجوهها بما يتناسب خاصة مع التوحيد الإسلامي.

التوحيد بين المسيحية والإسلام
“قل هو الله أحد، الله الصمد” – ” بسم الآب والإبن والروح القدس، إله واحد”.
حول هذين المفهومين للتوحيد الإلهي أجريت المجادلات العنيفة بين المسلمين والمسيحيين. وبرغم إقرار الطرفين بأن الله واحد وإنه هو الذي كلّم البشر، فما دواعي الخلاف إذاً؟
يبدأ الكاتب الإجابة عن هذا التساؤل من خلال توضيحه للتصوّر الإسلامي للعقيدة المسيحية في التثليث بعيداً عن الإعتبارات التمجيدية والدفاعية، وذلك عبر عرض وافٍ لمآخذ أصحاب الردود على هذه العقيدة ثم محاولة تقييمها.
تجدر الإشارة إلى أن المفكرين المسلمين سجّلوا بكل اهتمام وجود عدد من الفرق النصرانية “الموحّدة” أبرزها الأريوسية، ظهرت عبر التاريخ. وكانت وفيّة للتوحيد اليهودي فالمسيحي الأصلي والبدائي إلى أن طغت الفرق “المثلثة” فأصبحت هامشية، حتى جاء الإسلام فدخل أتباعها فيه.
وكان مجرد وجود نصارى آمنوا بعيسى المسيح نبياً وأنكروا أن يكون ابن الله وأحد الأقانيم الإلهية الثلاثة دليلاً بالغاً على فساد عقيدة أغلبية النصارى وانحرافها عن رسالة عيسى. لذا كانت الردود الإسلامية موجّهة إلى آراء أتباع الفرق الثلاث الكبرى (الملكية والنسطورية واليعقوبية) في التثليث.
وقد حرص عددٌ من أصحاب الردود على عرض هذا التثليث قبل محاولة دحضه. وكان العرض يتضمن العناصر الأساسية التي هي محل الطعن في الردود الإسلامية، وهي: الثالوث المسيحي، صيغته والأمثلة التي تضرب له، تعريفات الجوهر والأقانيم، علاقة الجوهر بالأقانيم.
وفي ما يتعلق بمناقشة أدلة النصارى على أن الله جوهر، يلاحظ المؤلف أن الردود الإسلامية وصفت المشكلة من الناحية الشكلية فقط ولم تناقش تعريف النصارى للجوهر من جهة المحتوى، بحيث كان سوء التفاهم قائماً بين الفريقين لأن الجوهر عند المسلمين هو “ما شغل حيزاً وقبل عرضاً”، بينما هو عند النصارى “القائم بنفسه” و”ليس هو في الموضوع”. فلقد كان المسلمون والنصارى يعتمد كلاهما على المقولات المنطقية اليونانية، لكن برغم ذلك لم يكونا يلتقيان، لأن الإستعمال في ثقافة كل منهما قد كرّس تصوّراً معيناً للمصطلحات الفلسفية، وخاصة عند اللاهوتيين والمتكلمين، كان يعسر معه الإلتقاء والتفاهم.

الأقانيم الثلاثة
أما بالنسبة إلى مناقشة القول بأن الله ثلاثة أقانيم فقد كان مجرد هذا القول مرفوضاً عند المفكرين المسلمين مهما كان التعريف الذي يعرّفه به النصارى. ولكن الطعن في وجود الأقانيم يرجع في الحقيقة إلى سببين رئيسيين:
1- اختلاف الأقانيم من جهة واتفاقها من جهة أخرى.
2- اختصاص كل أقنوم بصفة لا تنطبق على الأقنومين الآخرين.
وقد مثّل السبب الثاني غرضاً مهماً من أغراض الجدل في التثليث. ومن قبيل ذلك ما يقوله القاضي عبد الجبار: “وقد أُلزموا على قولهم إن جوهر الأقانيم الثلاثة واحد القول بأن الإبن يستحق كل ما يستحقه الأب من الصفات من حيث كان جوهره كجوهره. وإلا فإن صح أن يكون مخالفاً له – وإن كان جوهره كجوهره – ليجوّزن خروج الأب من أن يكون أباً والإبن من أن يكون إبناً، وإن كان إنما كان كذلك لجوهره، لأن اثبات مثل الشيء في جوهره مع مخالفته له في صفته الراجحة إلى جوهره، إذا صحَ، صحّ أيضا ًخروج الشيء عن جوهره. وهذا يوجب عليهم أن لا يأمنوا عدم الأب والإبن وخروج الأب من أن يكون قديماً”.
ويخرج عبد الجبار بنتيجة منطقية من رفضهم استحقاق كل أقنوم من الصفات ما يستحقه الأقنومان الآخران، وهي انعدام الأقانيم جملةً وانتفاء القدم عن الأب.
هناك إذاً اقتناع لدى المفكرين المسلمين بأنه لا وجه لأن يختص أحد الأقانيم بالأبوة – أي بالولادة الأزلية للكلمة – وآخر بالنبوة – أي بالتولّد عن الأب- وآخر بالروحانية في نطاق النظرية الثالوثية المسيحية التي تجعل الأقانيم مشتركة في الألوهية، لأن هذا الإختصاص يفضي في نظرهم إلى نتائج فاسدة وغير منطقية ويجعل عقيدة التثليث غير معقولة وقائمة على أساس واهٍ.
ولعل أبرز ما تميّزت به طريقة المفكرين المسلمين في الإستدلال على فساد نظرية التثليث هو أنهم قد تابعوا النصارى في قياس ما يختص بالبشر على ذات الله جدلاً فقط. وكانوا بذلك أوفياء للمفارقة الإلهية التي لا تحمل أن نطبق عليها ما هو صالح في مستوى الطبيعة البشرية ما داموا مؤمنين بالله ليس كمثله شيء.
ويرى المؤلف أن البديل الإسلامي للأقانيم لم يكن مصرّحاً به دائماً، لكنه من الواضح أن الرؤية الإسلامية للأسماء والصفات. وأبلغ دليل على ذلك هو أن الحجة التي تواترت عند أصحاب الردود تتمثل في ضرورة إلحاق أقنوم القدرة بأقنومي العلم والحياة بناءً على الأسباب نفسها التي حدت بالنصارى إلى اعتبار الله عالماً حياً. إن القدرة هنا ليست إلا أنموذجاً للصفات الإلهية، وما القصد من التركيز عليها سوى إحداث ثغرة في البناء الثالوثي، وإلاّ فالعزة أيضاً مثلها مثل الحياة والعلم، وسائر الصفات. فإذا كان قصد النصارى نسبة العلم والحياة إلى الله تنزيهاً له عن النقص، فهذا يوجب عليهم نسبة صفات كثيرة له كالإدراك والسمع والبصر والإرادة، وفي هذا إثبات لأقانيم كثيرة كما أثبتوا أقنومي الحياة والعلم أي “الروح” و”الكلمة”.
فما يتفق عليه المفكرون المسلمون هو – على حد تعبير أبي سليمان المنطقي – “أن الذات واحدة في الموضوع كثيرة بهذه الصفات”، ولذا أرجعوا مفهوم الأقنوم إلى مفهوم الصفة ولم يجدوا مبرّراً لحصر الأقانيم في ثلاثة .
ويرد القاضي عبد الجبار على استدلال النصارى بأن تعدد الأقانيم غير متعارض التوحيد إذ أن الإنسان يكون حياً ناطقاً مائتاً دون أن يفيد ذلك أنه ثلاثة أناس، إن هذا التمثيل في غير محله لأن فيه قياس القديم على المحدث واعتبار الله “مبنياً بنيةً مخصوصة”، بالإضافة إلى أن هذا التمثيل لا يستقيم إلا متى كانت كل من صفتي الحياة والنطق إنساناً، كما أن كلاً من أقنومي الإبن والروح إلهاً.

الملكية واليعقوبية
ثم ينتقل المؤلف إلى عرض بعض الردود الإسلامية التي توجهت إلى فرقة بالخصوص. فيذهب إلى أن منطلق الرد على الفرقة الملكية كان قولهم “إن الأقانيم هي الجوهر والجوهر غير الأقانيم”، فاعتُبر ذلك إثباتاً لجوهرين قديمين أو للجوهر رابعاً للأقانيم في العدد. ودارت جلّ المناقشة للملكية حول محور أساسي هو العلاقة بين الجوهر والأقانيم ومدى موافقة ذاك لهؤلاء أو مخالفته لها ونوعية الإتفاق والإختلاف.
ولم تحظَ مقالة اليعقوبية التي تطابق بين الجوهر والأقانيم، بنفس العناية التي حظيت بها مقالة الملكية. ويفسّر ذلك بالدور الرئيسي الذي لعبه الملكية في الجدل المسيحي – الإسلامي، إضافة إلى وضعهم السياسي لكونهم على المذهب الرسمي للإمبراطورية البيزنطية.
ويختم الدكتور الشرفي الفصل الأول بتقييم لخصائص الردود في مسألة التثليث. فيعتبر أن أياً من أصحاب الردود لم يبلغ شأن الوراق في الإحاطة بموضوعه سواء تعلّق الأمر بآراء فرقة معيّنة أو بعقائد النصارى عامة.
ويلاحظ الورّاق الفروق بين عقائد النصارى برغم شعورهم بالإنتساب إلى دين واحد وهو – على حد قول المؤلف – يلتقي في ذلك مع المفكر الإيطالي الماركسي “غرامشي” وإن كان تحليل غرامشي يتعلق بالدين عموماً وبالكاثوليكية بصفة خاصة.
بيد أن ما يلفت الإنتباه حقاً، في نظر الشرفي، هو الغياب المطلق، في جميع الردود الإسلامية على النصارى إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر بلا استثناء، للإستشهاد بالقرآن لدحض عقيدة التثليث المسيحية، وذلك لأنهم – وجلّهم من المعتزلة – يذهبون إلى عدم تعارض النقل والعقل من جهة، ولكونهم متأكدين أن النصارى لا يستندون إلى سلطان إلهي أو نص صحيح متواتر في ذلك، وأن النظرية الثالوثية والصيغ المعبّر بها عنها كلاهما من وضع البشر، فأخضعوها لنقد عقلي ومنطقي صارم لا مجال فيه للتسامح أو البحث عن مبرّرات. وأخيراً لم يرَ المجادلون فائدة في الإستشهاد بالقرآن لأن النصارى لا يعتبرونه حجة.
ويرى المؤلف أن النتيجة التي يمكن استخلاصها من أدلة أصحاب الردود ومنهجهم الجدلي هي أنهم كانوا مطّلعين اطلاعاً واسعاً ودقيقاً ومباشراً في كثير من الأحيان على نظرية الطرف الآخر. ولئن بدا أنهم يخلطون أحياناً بين تثليث الأقانيم وتثليث الآلهة، فما ذلك إلا لأنهم اعتبروا الأول مقتضياً للثاني.
ولئن كان علماء اللاهوت اليوم مدركين لضرورة إيجاد تعبير جديد عن عقيدة التثليث، ملائم للفكر الحديث، فإن المجادلين المسلمين كانوا سبّاقين إلى ملاحظة ما تنطوي عليه هذه الصيغ من معانٍ غير وافية للدلالة على الذات الإلهية المفارقة، وكانوا من جهة أخرى واثقين من أن المفهوم الإسلامي للألوهية هو البديل للتخلّص من فساد العقيدة المسيحية.
ويسجّل الكاتب غياب النظرة التاريخية إلى تطوّر عقيدة التثليث عند المفكرين المسلمين، فلم يدركوا أن قول النصارى إن الله واحد ثلاثة أقانيم كان متاخراً زمنياً عن الإيمان بألوهية المسيح، وأنه من هذه الناحية نتيجة له. ولذلك كان ردهم على التثليث سابقاً دائماً لردهم على عقيدة التجسّد. وما ذاك إلا لأن التثليث هو- في نظرهم- الذي يبعد النصارى عن الإسلام وعن التوحيد المطلق الذي هو ركنه الأساسي.

الفصل الثاني: التجسُّد
I- عيسى في المصادر الإسلامية
كانت حياة عيسى معروفة عند المسلمين من طريقين إثنين: طريق الوحي القرآني، والأناجيل الأربعة الرسمية والأناجيل التي اعتبرتها الكنيسة منحولة.
ولأن المسلمين آنذاك كانوا يكتفون بما أورده القرآن عن عيسى، فإن العلماء والمؤرخين بوجه خاص، كان يدفعهم فضولهم إلى البحث عن أوفر كمية ممكنة من المعلومات عن عيسى، إلا أنهم كانوا يتفاوتون تفاوتاً ظاهراً في تقييم هذه المعلومات، وبالتالي في تدوينها. ويمكن تقسيم مواقفهم إلى ثلاثة نماذج كبرى تنعكس في آثار ثلاثة من كبار العلماء والمؤرخين في القرنين الثالث والرابع للهجرة، هم: اليعقوبي وأبو جعفر الطبري والمسعودي.
فالمسعودي في “مروج الذهب” يقتصر على إيراد بعض الأخبار المتعلقة بعيسى في إيجاز شديد، مردّة إلى اعتبارات عقائدية، نظراً لكون ما يتعلق بحياة المسيح يدخل في صنف العلوم الدينية التوقيفية التي لا مجال فيها للبحث الحر والإجتهاد الشخصي.
أما الطبري، وهو يمثل الأنموذج الثاني من مواقف علماء المسلمين، فالمنطلق والمرجع بالنسبة إليه هو القرآن لا محالة. لكن الخطاب التاريخي عنده ليس بريئاً ولا موضوعياً – في رأي الشرفي – لأنه أزاح منه كل ما من شانه أن يفكك أواصر الأمة ويزرع فيها بذور الشك، في ما يتعلق بحياة عيسى.
ويمثل اليعقوبي أنموذجاً ثالثاً يختلف عن السابقين اختلافاً بيّناً. فهو يورد فصله عن المسيح بالتطرّق إلى حبل مريم بعيسى وولادته، فلا يورد التفاصيل على غرار الطبري. وينتقل، بعد ذكر مكان ولادة عيسى وتاريخها، إلى الرواية المسيحية لحياته كما وردت في الأناجيل الأربعة فيعرض ما جاء فيها من أخبار المسيح وتعاليمه بكل أمانة وموضوعية. بل إنه لم يستنكف من تسجيل ما يتعلق بالصلب، مشيراً في بعض الأحيان إلى الفروق بين الروايات الإنجيلية.
وسواءً رجع العلماء المسلمون، في تقصّي أخبار عيسى إلى الأناجيل أو إلى مصادر اخرى، بالإضافة إلى القرآن، فإنهم مجمعون على أن حمل مريم به كان خارقاً للعادة.
وكان الإختلاف شديداً في سن عيسى وفي تحديد زمن حياته. فهو قد عاش اثنين وثلاثين سنة وستة أشهر عند بعضهم، وثلاثاً وثلاثين عند آخرين، بينما بلغ من العمر مائة وعشرين عاماً على رأي ثالث.

عقيدة التجسّد
لكن قبل دراسة عقيدة التجسد، يحسن بنا أن نتبيّن التصوّر الإسلامي لصفة “مسيح” وفهم المسلمين في القرون الأربعة الأولى لهذه العبارة القرآنية حتى يتضح الفرق بينه وبين الفهم المسيحي.
اعتبر بعض المفسرين بأن أصل الكلمة عبراني أو سرياني “مشيحا” فعرّبت فقيل “المسيح” ولكن لم يتنبه أحد إلى أن لفظ “مسيح” يمكن أن يكون مشتقاً من أصل سامي مشترك بين العربية والعبرية. وقد رجع ابن ربَّن الطبري إلى العهد القديم يستمد منه أصل الكلمة فقال: “فمعنى المسيح حابينا وهو الممسوح..(من الله)”.
يرى الشرفي أن “الجري وراء الإشتقاق في هذه التفسيرات هو الذي ابتعد بالفكر الإسلامي عن إدراك الحقيقة التاريخية لهذا المفهوم”، إذ لا جدال في أن انتظار اليهود لمخلّص، ودعوة عيسى إلى ملكوت الله، واعتقاد المسيحيين أن صفات المسيح المخلّص تنطبق عليه، كل ذلك لا يمكن تفسيره بالرجوع إلى أصل الكلمة. فـ”المسيحية” ظاهرة مشتركة بين العديد من الديانات والحضارات، مهما اختلفت الأسماء التي تطلق على المخلّص المنتظر(المسيح، المهدي، الإمام المنتظر)، وهي ظاهرة يشيع الإيمان بها في الظروف العسيرة، كحال اليهود تحت وطأة الإضطهاد الروحاني في الفترة التي عاش فيها عيسى. فالمسيحانية(Messianism) مثّلث سلوكاً وتعويضاً عن واقع غير مرضي وتشكّلت بحسب المناخ الثقافي الذي برزت فيه. فهيّأتها هذه الصفة لتكون سنداً للتعبير الأخلاقي – الديني و(أو) السياسي و(أو) الإجتماعي. فلولا المسيحانية ما اعتقد النصارى أن عيس رب وإله ولا ظهرت عقيدة التجسّد. فالنظرية المسيحية في المسيح متجذرة في الإنتظار المسيحاني، ولكنها لم تقف عنده بل تجاوزته في ظروف تاريخية خاصة ووجّهته وجهة معيّنة.

II- عرض المسيحلوجيا
إن أقدم شهادة وصلتنا عن اطلاع المسلمين على التطوّر التاريخي للخصومات المسيحلوجية كانت من القرن الثالث/ التاسع في تاريخ اليعقوبي. فقد تتبع هذا المؤرخ مقرّرات المجامع الستة الأولى ونصّ على مختلف المذاهب التي كانت ما تزال حية في شأن طبيعة المسيح، وعلى زعمائها منذ بداية القرن الرابع م. حيث سعى قسطنطين إلى توحيد كلمة النصارى.
يقول اليعقوبي عن المجمع المسكوني الأول، الشهير بنيقية: “فجمع قسطنطين ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً وأربعة بطارخة، ولم يكن في ذلك العصر غيرهم. وكان بطرخ الإسكندرية يقول إن المسيح مألوه الخلق. فلما اجتمعوا ناظروه في ذلك، فأجمع مقالة القوم جميعاً أن قالوا: إن المسيح ولد من الأب قبل كون الخلائق، وهو من طبيعة الأب. ولم يذكروا روح القدس ولا أثبتوه خالقاً ولا مخلوقاً ولكن وافقوا على أن الأب الإله والإبن إله منه. وخرجوا من نيقية..”
أما ابو عيسى الوراق فيذكر أن مجمع نيقية عقد للبحث في الخلاف الذي أظهره أريوس حول التثليث حيث تم الإجماع على البراءة منه.

تطوّر المسيحلوجيا
ثم يعرض الشرفي كيفية عرض المفكرين المسلمين للمسيحلوجيا وتطوّرها. فقد قام القاضي عبد الجبار بتحليل “قانون الإيمان” واستخلص أهم النتائج المترتبة على هذه المسيحلوجيا، معتبراً أن الطوائف المسيحية الثلاث الملكية واليعقوبية والنسطورية تتفق في أن المسيح ليس بعبد ولا نبي ولا رسول، بل إنه إله في الحقيقة، وإنه إبن الله نزل من السماء وتجسّد في إنسان تام كامل من مريم، وأنه باتحاده تعالى “بالمسيح” حصل للمسيح طبيعتان طبيعة ناسوتية وأخرى لاهوتية، وأن الإبن “ليس إبناً للأب على جهة النسل، لكن كتولّد الكلمة من العقل وحرّ النار من النار وضياء الشمس من الشمس”. لكنّ أصحاب الردود كانوا يعرفون أن النصارى وإن اتفقوا على الإيمان بعقيدة التجسّد فإنهم مختلفون في طبيعة هذا التجسّد ومتى حصل وكيف.

مناقشة عقيدة التجسد
سعى المسلمون إلى دحض عقيدة التجسّد وبيان تهافتها من ثلاث طرق هي: (1) الإعتماد على النصوص القرآنية النافية لألوهية عيسى، (2) تأويل النصوص الإنجيلية بما يلائم المسيحلوجيا الإسلامية، (3) مناقشة تلك العقائد بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية.

أ‌- الأدلة النقلية
أولاً: الأدلة القرآنية
قبل النظر في الآيات القرآنية التي استشهد بها أصحاب الردود على عدم ألوهية المسيح يجدر بنا وضع هذه الآيات في سياق الكل القرآني الداعي إلى توحيد مُفارق لا يتسامح في المسّ بهذه المفارقة بأي وجه من الوجوه. فعلى سبيل المثال كانت سورة الإخلاص (قل هو الله أحد..) النافية لكل تولّد عن الله حاضرة في أذهان كل المفكرين وإن لم ترد في أي من الردود.
ويذهب المستشرق ماسينيون إلى أن القانون، الذي أصدره مجمع اللاطران سنة 1209م، بنفي التولد عند الله، إنما اتخذ تحت تأثير علم الكلام الإسلامي وما جاء في سورة الإخلاص بالخصوص.
وبعد عرضه للآيات القرآنية التي استشهد بها أصحاب الردود لنفي ألوهية المسيح، يسجّل الكاتب وجود توازٍ بين القرآن والمسيح – أساسه قرآني في الآيات التي تقول عنه إنه “كلمة الله” و”روح الله” – لم يستوقف الفكر الإسلامي طويلاً. فقد آثر هذا الفكر التمسك بتوازٍ ثانٍ قرآني هو الآخر بين عيسى ومحمد، إذ كان كلاهما رسولاً، على الإعتراف بأن ثمة مشكلة تستدعي البحث. وهكذا أوّلت الآيات القرآنية التي نعتت المسيح بكلمة الله وروحه، بصورة تنفي أية علاقة أنطولوجية بينه وبين الله، وحتى بنفي كل علامة خاصة تميّزه عن سائر الأنبياء، وعن محمد بالخصوص.

ثانياً: الأدلة “الكتابية”
ويقصد بها الأناجيل الأربعة أو العهد الجديد التي رجع إليها أصحاب الردود واستشهدوا بها لدحض المسيحلوجيا المسيحية. وقد تفاوت استخدام هذه النصوص بين مفكر وآخر. ويعرض المؤلف في كتابه جداول وأرقاماً لتوضيح ما هي النصوص المشتركة من العهد الجديد التي استدل بها المسلمون على عدم ألوهية المسيح ومدى استخدامها. ويخرج بأن (20) نصاً انجيلياً قد تواتر ثلاث مرات أو أكثر في ردود مختلفة في مقابل 25 نصاً تواترت مرتين و65 نصاً ورد مرّة واحدة.
ويمكن تبيّن ثلاثة مواقف كبرى من “الكتاب المقدس عند المفكرين المسلمين”:
أ)- الموقف الأول يقوم على قبول ما جاء فيه على أنه صريح في الدلالة على عدم ألوهية المسيح، وأنه موافق لما يقتضيه القول، وغير متعارض مع التوحيد المطلق الذي هو إيمان عيسى نفسه وإيمان المسلمين.
ب)- لم ينكر عدد من أصحاب الردود مبدئياً النصوص الإنجيلية التي تثبت أن عيسى إبن الله، ولكنهم سعوا إلى التأكيد على احتمالها تأويلاً يختلف عن تأويل النصارى لها، وأبرزوا عدم اختصاص عيسى بهذه النبوة إذ كانت مشتركة بينه وبين أنبياء آخرين وبين تلاميذه بشهادة الكتب التي يؤمنون بها.
ج)- يتسم الموقف الثالث من “الكتاب المقدس” بكثير من الصرامة. فهو إما رفض قطعي لما جاء فيه مما يتنافى والعقيدة الإسلامية أو احتراز شديد على الأقل في كل ما ليس مقبولاً في العربية بحيث يتعيّن تأويله، إذا كان مجازاً “يجري مجرى المتشابه في القرآن”، ولا يصحّ بالتالي بناء عقيدة ألوهية المسيح عليه – على فرض أن المسيح قد نطق به بالفعل.
وهكذا يتعين على كل منصف، بحسب وجهة نظر أصحاب الردود، أن يقبل ما جاء في الأناجيل من الشواهد العديدة على أن عيسى مسيح الله، نبي كريم، عالي الرتبة، وأن لا يخرج به عن العبودية والبشرية. وعليه إذ ذاك أن يقف عن كل ما فيه نسبة عيسى إلى النبوة الإلهية أو إلى الألوهية أحد موقفين: إما تأويله بما يتفق والتوحيد المفارق الذي هو وحده جدير بالله والمسيح، وبما يتناسب والشواهد الصريحة على بشريته،
وإما رفضه رفضاً قاطعاً باعتباره من أخبار الآحاد التي لا يجوز تأسيس الإعتقاد في الله عليها، ومن الكذب الذي تسرّب إلى إنجيل المسيح. ولا مناص في هذه الحالة من طرح ما يقتضيه “قانون نيقية” وترك التأويلات التي ارتضتها مختلف الفرق النصرانية لشخص عيسى فخالفته وناقضت إنجيله. وبعبارة وجيزة لا مناص من اعتناق الإسلام.
ويحكم الشرفي في النهاية على ما قام به أصحاب الردود عند الإستدلال بالشواهد الكتابية بأنه “يبدو في الظاهر دعوة إلى إعمال العقل وتحكيم المنطق السليم وترك التقليد، لكنه في جوهره دعوةٌ إلى نبذه وإحلال المنظومة الإسلامية مكانها”.

ب- الأدلة العقلية
كانت حجة المجادلين المسلمين الأولى أن في الإيمان ببنوة عيسى الإلهية مسّاً بوحدانية الله. لذا كان تأكيدهم على استحالة الأبوة الإلهية والبنوة معاً. وكانت ردودهم تعكس بأمانة وفي أسلوب خطابي العقيدة الإسلامية الموحّدة وتأكيدها على تفرّد الله المفارق بالربوبية.
وكان “قانون نيقية” – وهو عمدة مختلف الطوائف النصرانية في الإيمان بالتجسّد – هو موضوع اهتمام أصحاب الردود وموضوع نقدهم الصارم، فانبروا يحلّلونه ويبرزون ما فيه من تناقض بين أجزائه ويؤكدون أن ما جاء فيه عن ألوهية المسيح منافٍ لما يليق بالوحدانية، لأن عقيدة التجسّد الإلهي في عيسى “تصدم مباشرة وفي الصميم مفهوم المفارقة، ولا تعتبر دالة على تجسيم الله لمحبته البشر أو على صيرورة الكلمة الأزلية جسداً، بل سمواً اعتباطياً بشخص تاريخي مادي محدود إلى منزلة الألوهية، مما يدخل الضيم على لا تناهي الله وأزليته وعدم خضوعه للزمان والمكان والأعراض، وما أوقع النصارى في هذا الرأي الفاسد سوى ثقتهم العمياء في ما وضع لهم أسلافهم من تعاليم في ظروف تاريخية مشبوهة”.
وما اتقف عليه أصحاب الردود هو أن القول بألوهية عيسى “لم يكن في الأوهام ممكناً”، وأنه “أبعد ما يكون من المعقول” و”خروج عن المفهوم والمعقول” و”لا معنى له”، و”لا تقبله العقول لتعذر الوقوف على معناه وفهمه”.
وقد عبّر الناشئ الأكبر عن هذا الرأي في جملة مركزة جمع فيها أسباب الرفض المبدئي لأن يكون عيسى هو الله، فقال: “فإن صرنا إلى حجة العقل لم نجد لقولهم إن الإنسان صار أزلياً والأزلي صار إنساناً وجهاً البتة، لأنهما إن كانا ثابتين على ذاتهما غير مستحيلين فليس يصير هذا هو هذا بجهة من الجهات، وإن لم يكونا ثابتين على ذاتهما فقد استحالا. وفاسد في العقل أن يستحيل البارئ الأزلي فيصير محدثاً، لم يكن فكان، ويستحيل المحدث الزمني فيصير أزلياً لم يحدث”.
وقد بحث أصحاب الردود أيضاً في الدوافع والأسباب التي جعلت النصارى ينسبون الألوهية إلى عيسى، وحصروها في ثلاثة، دحضوها واحداً تلو الآخر، وهي: كونه ولد من غير أب، واتيانه بالآيات العجيبة، وصعوده إلى السماء.
ولم يكتفِ هؤلاء بالتعميم في نقدهم للصيغ المسيحلوجية بل دخلوا في التفاصيل والجزئيات المتعلقة بعقيدة التجسّد، سواء منها ما يخص كيفية اتحاد الكلمة بالإنسان أو زمنه أو مكانه أو طبيعته أو وجه اختصاص الإبن بالإتحاد بالإنسان دون الأب والروح القدس، من أجل النفاذ إلى طعن تماسك النظرية المسيحية في التجسّد.

نقد الصيغ المسيحلوجية
على الرغم من أن النصارى يعتبرون طبيعة تجسّد الكلمة في عيسى “سراً” يعسر – إن لن نقل يستحيل – التعبير عنه، إلا أن إقرارهم هذا بالعجز وتسليمهم به بلا دليل عقلي لم يحل دون سعيهم لإيجاد صيغ وتشابيه تحاول تقريب طبيعة الإتحاد من الأفهام، لغايات تعليمية. فما كان من أصحاب الردود إلا أن عكفوا على هذه الصيغ والتشابيه يمحصّونها ويخضعونها لنقد صارم ومفصّل.
يرى الدكتور الشرفي أن عقدة القضية في الجدال الإسلامي – المسيحي حول التجسّد هي في إصرار المسيحيين على أن التجسّد سر لا سبيل إلى إدراك كنهه بالعقل البشري المحدود لا محالة، وغاية ما يستطيع العقل بلوغه هو تقريبه من الأفهام، بينما يرفض المسلمون كل ما يتعارض والمعقول مما لا يمكن إقامة الدليل عليه بالبراهين العقلية.
وينتقل المؤلف إلى عرض نقد المسلمين للأمثلة على التجسّد ومن ثم إلى عرض نقدهم لمقالات الفرق الكبرى في التجسّد، فرقةً فرقة.

الصلب والفداء
في الفصل الثالث، يتناول الكاتب “الصلب والفداء”، وكيف كانت ردود المجادلين المسلمين النقلية والعقلية عليها. فقد ركز المسلمون على الإنعكاسات اللاهوتية التي يمكن أن تكون للإيمان بالصلب على عقيدتي التجسّد والتثليث، بحيث يتناقض الصلب مع ألوهية المسيح، وعقيدة الإتحاد.
أما عقيدة الفداء فيمكن تبيّن عاملين أساسيين دفعا المفكرين المسلمين إلى رفض هذه العقيدة. أولهما إنكار الإسلام للشعور الدائم بالإثم عند الإنسان التي هي الوضعية العادية للمسيحي بسبب خطيئة آدم “لا تزر وازرة وزر أخرى”. وثانيهما أن التصوّر الإسلامي لله يقوم على أنه إله تواب غفور رحيم، فلا مجال لإله فادٍ، وبالتالي لإله حقود يؤاخذ عباده على خطيئة لم يرتكبوها.
وهكذا يمكن أن نفهم كيف يؤدي نفي ألوهية المسيح بصفة طبيعية إلى نفي الفداء، أي إلى نفي ما يرمز إليه الصلب وما اكتسبه من أبعاد في المنظومة اللاهوتية المسيحية، ولماذا يربط القرآن بين حادثة الصلب أو عدمه – وبين صعود عيسى إلى السماء ورفعه مع السكوت عن قيامته من بين الأموات، بينما يضفي النصارى على الصلب معناه بربطه بالقيامة.

الكتب المقدسة
الفصل الرابع، وعنوانه: الكتب المقدسة، يتناول موقف المسلمين من كتب النصارى المعتبرة مقدسة عندهم. فيبدأ ببحث إن كان المسلمون على اطلاع مباشر ودقيق على هذه الكتب فيستدل على ذلك بصوص ووثائق عدة. ثم ينتقل إلى قضية تحريف الكتب المقدسة، كما أخبر بذلك القرآن الكريم، فيرى أن المسلمين كان موقفهم من هذه الكتب يستند إلى الأساس القرآني، إذ يذهبون إلى وجود نوعين من التحريف: تحريف بالنص وتحريف بالتأويل.
ويخرج الكاتب بنتيجة من هذا الفصل مفادها غياب التتبّع المنتظم لمواطن الطعن في كتب النصارى المقدسة ولمظاهر الإختلاف والتناقض التي قد تحتوي عليها.

النصرانية التاريخية في المنظار الإسلامي
أما الفصل الخامس، وعنوانه: “النصرانية التاريخية في المنظار الإسلامي”، فيتناول فيه المؤلف تصوّر المسلمين للطريقة التي حصل فيها التغيير في المسيحية وانحرافها عن تعاليم عيسى، ثم يعرض فيه مآخذ أصحاب الردود على العبادات والطقوس النصرانية، وأخيراً نقدهم لسلوك النصارى في الشعر العربي.
الباب الرابع والأخير من الكتاب: الأغراض التمجيدية، يخصّصه المؤلف لبحث الجانب الإيجابي من الردود على النصارى واقناعهم باعتناقه بعد أن بيّنوا لهم فساد عقيدتهم النصرانية في التثليث والتجسّد والصلب والفداء وقداسة كتبهم وحتى سلوكهم وأخلاقهم وعباداتهم.
ومن الموضوعات التي ركَّز عليها المجادلون المسلمون لتمجيد الإسلام: أمية النبي(ص)، واتيانه بالقرآن المعجز، والخوراق التي تمت على يديه، وتبشير الكتب السالفة(التوراة – الإنجيل) به، وفضائل الإسلام ومبادئه وقيمه الإجتماعية والأخلاقية والسياسية.

هل أدى الجدل الإسلامي للنصارى مبتغاه؟
في خاتمة البحث، يطرح المؤلف سؤاله مجدّداً هل أدى الجدل الإسلامي للنصارى مبتغاه؟
وقبل أن يجيب عن ذلك، يحيل القارئ إلى بعض الننتائج التي استخلصها الدكتور عادل خوري، أحد الباحثين المسيحيين المختصين في الجدل المسيحي – الإسلامي من خلال دراسته لجداليات البيزنطيين ضد الإسلام.
يقول خوري: “إنهم لاهوتيون مسيحيون غرباء عن عالم الإسلام الثقافي، غير متعوّدين على مقولاته الدينية، يصرّون على فهم القرآن حسب عالمهم الذاتي وعلى ضوء آفاقهم اللاهوتية الذاتية… يبدو الإسلام للمجادلين البيزنطيين إثر النقد الذي مارسوه بصرامة لا تسامح فيها وكأنه شرك خفيّ، بل أبشع أشكال الشرك ويمكن تلخيصه في العبارات التالية: محمد نبي كاذب، والقرآن كتاب مزيّف، والإسلام دين مزيّف..”.
يبدو واضحاً تأثّر الدكتور الشرفي باستناجات الباحث عادل خوري – على الرغم من اختلاف الموضوع والمعطيات، بحيث يفاجئ القارئ باستنتاجات مماثلة لا تنسجم في غالبيتها مع ما قدّمه من عرض موضوعي وافٍ وسلس. وكأن للمؤلف حكماً مسبقاً على هذه الردود الإسلامية أو بالأحرى على الفكر الإسلامي عموماً، الذي ينبغي – على حد قوله – ” تصفية الحساب معه”. إذ يفضّل الشرفي “كنس الأوساخ من أمام بيوتنا على أن يتولّى غيرنا كنسها فيعثر فيها على جواهر”، على الرغم من أنه لم يعثر “في عملية التنظيف هذه على جواهر ذات قيمة فريدة”، على حدّ قوله.
ويتساءل الشرفي: “أليس لكل تهمة من هذه التهم التي رمي بها الإسلام (من قبل المجادلين البيزنطيين) مقابل مباشر في مآخذ المسلمين على النصارى، باستثناء القدح في نبوة عيسى بالطبع؟ – فتطبيق المقاييس الذاتية على الآخر هو هو، واعتبار دينه شركاً اعتبار مشترك، وسلبية الحكم على عقيدة الطرف المقابل وأخلاقه وطقوسه هي هي كذلك. وألا يدفع ذلك القارئ لهذه المجادلات إلى الكفر بما تدعو إليه جميعاً، وفي أفضل الحالات إلى التوقّف وتعليق رأيه؟ فكيف نفسّر مع ذلك استمرارية التأليف في الجدل إن كان يؤدي إلى نتائج عكسية ومخالفة لما قصد منه؟”.
ويذهب الشرفي إلى أن الجدل الديني ليس عملاً ذهنياً مجانياً بل هو سلاح نضالي، لذلك يحق لنا “أن نرى هل أدّى دوره على الوجه المرجوّ أم كانت حصيلته لا أدرية ابن المقفع وأضرابه وحيرة المعري وأمثاله”..
يعترف الشرفي بدخول أعداد متزايدة من النصارى في الإسلام على امتداد القرون الهجرية الأربعة الأولى من جهة، في مقابل ردود فعل من قبل المتشبّثين بنصرانيتهم بدت في قالب ردود على المسلمين أو تمجيد للمسيحية من جهة أخرى. لكنه يعتبر أن هاتين الظاهرتين كان الدافع إليهما في كثير من الأحيان عوامل إجتماعية وسياسية متفاعلة مع العامل الديني الصرف.
قد يكون انطباع قارئء الردود الإسلامية أنهم في وادٍ والنصارى في وادٍ – يقول المؤلف – وهو انطباع صحيح إذا ما اعتبرنا نظريات الطرفين في حدّ ذاتها، فلا سبيل بالفعل إلى التوفيق بينهما دون الوقوع في تأليفية زائفة، ولكنه انطباع يحتاج إلى تعديل إذا ما أخذنا بالإعتبار اشتراكهما في العقلية والمنهجية معاً. إنهما متفقان رغم كل شيء على الإيمان بوجود إله واحد خالق كل البشر، ويلتجئان إلى المقولات اليونانية لتفسير إيمانهما وإلى المنطق اليوناني للبرهنة عليه، وبعبارة موجزة فهما ينتسبان إلى الأطر المعرفية ذاتها”. ويأخذ المؤلف على الردود الإسلامية كونها تحاول حصر جميع الحقائق – بما فيها الله – ضمن مقولات منجزة لا تخرج عن المقولات الأرسطية العشرة وتحديدات بروفيريوس المنطقية، بينما كان القرآن يتحدى هذا الحصر ويثير مع كل قارئ ومع كل قراءة جديدة معضلات المبدأ والمصير ومنزلة الإنسان ووظيفته في الكون.
ويعتبر الشرفي أن “هذا النموذج المعرفي السائد في الإطار الثقافي العربي الإسلامي ذو صلة متينة بالضمير الميثي المهيمن في ذلك الإطار. ولا فرق في هذا المستوى بين المتكلمين وعلماء اللاهوت حين يسمحون لأنفسهم بالحديث باسم الله وعمّا يليق به وما لا يليق أي حيث يسقطون المعطيات التجريبية على البنى المفارقة”.
خلاصة ما يريد الدكتور عبد المجيد الشرفي قوله هو عدم جدوى هذا الجدل، لأن الإيمان بدين ما يجب أن تعضده ظروف موضوعية تؤهل المستقبل لتغيير رأيه وأن تحصل الهداية الإلهية لهذا الإنسان. كما يذهب إلى فشل هذا الجدل في بلوغ غاياته، وبالتالي إلى ضرورة تطوير الخطاب الإسلامي بما يتلاءم مع التطوّرات الإجتماعية والسياسية والعلمية التي يشهدها العالم، بحيث يجب تقبّل فكرة التعددية الفكرية والدينية، وتجديد القراءة للنصوص الدينية وفقاً لتطوّر الألسنية، والعلوم الإجتماعية، إضافة إلى التطوّرات الفكرية التي شهدتها المسيحية خلال القرون الستة عشر التي تلت القرون الأربعة الهجرية. إذ يحتم الواقع تحديث الفكر الديني حتى يتلاءم مع العصر.
بعد هذا العرض الطويل لكتاب الشرفي، تستوقفنا قسوة حكمه على الردود الإسلامية بأنها لم تحقّق غرضها المرجوّ منها. وهو حكم قاسٍ وغير موضوعي. إن الواقع الآن، بل ومنذ قرون أن أكثرية المسيحيين القدامى اعتنقت الإسلام. ولا شكّ أن ذلك لا يعود بالضرورة لنجاح الجدليات الإسلامية. بيد أن ذلك لا ينقص من أهمية هذه الردود وبلوغها متوخّاها من الناحية العلمية.
ثم إنه من الإنصاف الحكم على هذه الردود بمقاييس الفكر الفلسفي والكلامي في عصرها لا بمعايير عصرنا، لذلك لا يعيبها انتفاء صلاحية بعضها أو فساد البعض الآخر، وفقاً لمقاييسنا الفكرية الراهنة.
على أية حال، فدراسة الشرفي هذه هي بحق مرجع أساسي حول الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر، فضلاً عن الفكر المسيحي، نظراً لسلاسة العرض ومتانة الأسلوب ودقة التحليل ووفرة المصادر.

*د. هيثم مزاحم باجث في الفكر العربي والإسلامي، مدير مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط


الكتاب: “الفكر الإسلامي في الرد على النصارى”
المؤلف: الدكتور عبد المجيد الشرفي
الناشر: دار المدار الإسلامي – بيروت
الطبعة الثانية – 2007 – 702 صفحات —

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *