الجمعة , أغسطس 18 2017
الرئيسية / كتب / اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران

اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران

قراءة: د. هيثم مزاحم — قليلة هي الكتب التي نشرت في اللغة العربية عن جذور الفكر الديني المعاصر في إيران وأبرز المفكرين المؤثرين في مسيرة الفكر الإصلاحي الديني والسياسي، والاتجاهات الفكرية الدينية المعاصرة في إيران، خصوصاً ما ترجم من اللغة الفارسية إلى العربية. حيث تركزت معظم الكتابات في العقود الثلاثة الماضية على الفكر السياسي والديني للإمام الخميني وولاية الفقيه والثورة الإسلامية والنظام الإسلامي في إيران، وتمحورت الترجمات على المؤلفات الفقهية والدينية والعرفانية للإمام الخميني وأية لله مطهري وآية الله خامنئي وغيرهم من رجال الدين الإيرانيين الموالين للثورة الإسلامية في إيران، وكذلك على الكتب الدعائية للجمهورية الإسلامية.

وباستثناء ما ترجم من كتب للمفكر الإسلامي الإيراني علي شريعتي في فترة مبكرة من انتصار الثورة، وكتاب المفكر عبدالكريم سروش الشهير “القبض والبسط في الشريعة”، وكتاب الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي “بيم موج” قبل سنوات، وكتاب “نظريات الحكم في الفقه الإسلامي” للشيخ محسن كديفر، فإن معظم الترجمات في السنوات الأخيرة من الفارسية، وخصوصاً التي يقوم بها مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت، وهو مركز رديف لجامعة المصطفى في مدينة قم الإيرانية، قد خصصت لكتابات عن الإمام الخميني وآية الله علي خامنئي والحوزة الدينية ولكتب فقهية ودينية حوزوية وكلاسيكية أو لمؤلفات ذات أغراض سياسية دعائية، ما خلا كتب قليلة بينها كتاب للفكر الديني المعاصر في إيران، وكتاب عن علي شريعتي، وآخر عن علم الكلام الجديد.

ويأتي نقل كتاب “اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران” للكاتب الإيراني مجيد محمدي من الفارسية إلى العربية والذي نشرته مؤخراً الشبكة العربية للأبحاث والنشر بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ليسد فراغاً في المكتبة العربية، التي تفتقر إلى كتب موضوعية وأكاديمية عن هذا الموضوع من جهة، كما أن الكتاب يتناول بالدراسة ستة مفكرين إسلاميين إيرانيين، أسهموا في تطور الفكر الديني في إيران منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، ولا يزال تأثيرهم ممتداً إلى الوقت الراهن.

لقد قطع الفكر الإسلامي المعاصر في إيران شوطاً كبيراً في معالجة قضايا منهجية وأساسية في تجديد الفكر الديني تستحق الدراسة والتأمل، حيث لعب المفكرون الإصلاحيون هناك دوراً كبيراً في إعادة صياغة العقلية الإسلامية، وتحديد عوامل أزمة الأمة المسلمة، واقتراح منهجية بديلة للتفكير تتجاوز ثغرات المنهجية السائدة.

في تقديمه للكتاب، يرى صادق العبادي أنه ومنذ أكثر من قرن يواجه الشعب المسلم في إيران تحديات فكرية أساسية في الأزمة الفكرية، بين الدين والعلم، الفلسفة والوحي، القديم والحديث، التبعية والاستقلال، الاستبداد والحرية. وفي هذه المسيرة الطويلة أدّى المفكرون الإصلاحيون دوراً كبيراً في إعادة صياغة العقلية الإسلامية واكتشاف ثغرات المنهجية الفكرية الماضية واقتراح منهجية التفكير المناسبة، واكتشاف عوامل أزمة الأمة. فما هي جذور الفكر الديني المعاصر في إيران؟ ومن هم أبرز المؤثرين فكرياً في هذه المسيرة؟ ومن هم الرواد الإصلاحيون في مجال التجديد الفكري؟ وما هي أهم الاتجاهات الفكرية المعاصرة؟

في هذا الكتاب يحاول الباحث الإيراني مجيد محمدي استعراض أبرز ستة مفكرين إسلاميين أدوا دوراً مهماً في نقد الفكر الديني المعاصر وتحليله وعرض منهجية جديدة في هذا المضمار. وقد تم الاختيار من مراحل زمنية مختلفة (ستينيات القرن الماضي وسبعيناته وثمانيناته)، ومن اتجاهات مختلفة، تبدأ بالميرزا النائيني منظر الحركة الدستورية قبل قرن، مروراً بمرتضى مطهري وعلي شريعتي ومهدي بازرجان الذين قاموا بدور أساس في بلورة المفاهيم الإسلامية والتنظير الحركي في مرحلة ما قبل انتصار الثورة الإسلامية، وانتهاءً بحسين نصر وعبد الكريم سروش المعاصرين الذين يشكل كل واحد منهما اتجاهاً معاكساً للآخر في التعامل مع مسائل، كالفلسفة والدين والعرفان والفكر الغربي. ولا يزال سروش يلعب دوراً مهماً في أوساط العديد من النخب المثقفة الإيرانية.

ولعل الأمر المهم في هذه الدراسة أنها تفتح أمام القارئ العربي نافذة على التنوع الفكري الذي شهده حقل التجديد الديني في إيران خلال المائة سنة الأخيرة، وهو تنوع يجهله الكثير في العالم العربي حتى المتخصصون في دراسات التجديد والإصلاح الفكري، لما كانت معظم مؤلفات هؤلاء المفكرين أو الدراسات التي تتناول فكرهم غير متوفرة باللغة العربية.

المقدمات التمهيدية

وقد مهد المؤلف لكتابه بثلاث مقدمات تناول في الأولى الدراسات الدينية بين الافتراضات والنقائص، وهو يرى أن نمو هذه الدراسات يحتاج إلى الدراسة التاريخية، والدراسة الأرضية – المادية، والدراسة التطبيقية المقارنة، والدراسة الوصفية والعرض، والدراسة على أساس الحوار والتفاهم، والدراسة الإيديولوجية. وتحدث المؤلف في المقدمة الثانية عن شكل الكتاب من خلال البحث في المجال والميدان والفترة والفكر والمفكرين والقواسم المشتركة وعنوان الكتاب والأداء العملي والتسلسل التاريخي والألقاب والمصادر. بينما تطرق في المقدمة الثالثة للمضمون حيث تشمل هذه الدراسات ست ساحات وهي السياسة والعلم والإيديولوجيات المنافسة والعلوم الإنسانية والعرفان والتجارب الباطنية والمنا هج الحديثة.

ويعتبر الكاتب مجيد محمدي أن أفضل الأساليب لتتبع مظاهر التناقضات في الفكر الديني المعاصر وإبرازها، هو متابعة ودراسة مفكر ديني تبلورت لديه هذه الأفكار وهذه الرؤيا أكثر من غيره. ومن هنا يركز محمدي على ستة أنواع من الرؤى: الفلسفية، والاجتماعية، والمعرفية (المنهجية)، والعلمية – التجريبية، والعرفانية – الرمزية، والفقهية – الأصولية، للدين والناتجة من تناقضات وصراعات فترة الانتقال من التراث إلى الحداثة، وقد اختار ستة مفكرين إسلاميين معاصرين في إيران، لتتبع رؤاهم دراسةً وتحليلاً.

فقد اختار الميرزا النائيني، الذي يعده محمدي أحد أبرز الوجوه الفقهية – الأصولية، ذلك لأنه أولاً، أحد الفقهاء القلائل الذين اهتموا بالموضوعات المعاصرة، واقتحمها ليس بوصفه فرداً عادياً، بل بأفكاره الفقهية والأصولية. وثانياً، لأن الفترة المعاصرة، لا سيما بعد الثورة الإسلامية، حيث عرض الفقه بوصفه أيديولوجيا هادفة وبرنامجاً اجتماعياُ أيضاً، لم تشهد فقيهاً أو أصولياً يتمتع بشخصية فقهية – أصولية (بحتة) ويعرض نظرياته في هذا الإطار. إن دراسات ما بعد الثورة لعلماء الفقه هي مزيج من المبادئ العرفانية – الفلسفية والاخلاقية والفقهية التي اندمجت بالأهداف الاجتماعية، واختلطت أيضاً بالأفكار الغربية، ومع ذلك فإنها لم تتعمق بالدرجة المطلوبة.

وفي مجال النظرة الفلسفية، اختار الكاتب الشيخ مرتضى مطهري، معللاً اختياره لهذا المفكر لتغلب نظرته الفلسفية على نظرته العرفانية (الصوفية)، أو نظرته الفقهية – الأصولية، ولأنه كان أحد رجال المؤسسة الدينية، وكان من الطبيعي غلبة نظرته الفقهية – الأصولية، على أن رغبته الشخصية ومتطلبات الفترة التي عاشها رجحت لديه كفة الفراغات الفلسفية. وكان يمكن دراسة أستاذه، العلامة محمد حسين الطباطبائي )1902- 1982( أيضاً في هذ المجال، ولكن مطهري جمع بين الاتجاه الفلسفي لأستاذه بشكل جيد، إلى جانب الاهتمام بالقضايا الاجتماعية – السياسية. ولهذا السبب نستطيع تتبع معطيات تلك النظرة في الأمور الجزئية، وهذا هو الدليل الثاني لاختيار مطهري في هذه الدراسة. وبعد مطهري عرفت الساحة الفكرية أفرادا آخرين بنفس المنهج، إلا أن أفكارهم لا تضيف شيئاً جديداً على أدبيات المنهج الفلسفي هذا.

أما في المجال الاجتماعي، فيؤكد محمدي أن علي شريعتي هو أبرز الوجوه، وبأنه أكثر تأثيراً من جميع المفكرين الذين تشملهم هذه الدراسة. ويعتقد المؤلف أنه بسبب حداثة دائرة العلوم الإنسانية، فإن أرضية ظهور وجوه متعددة قد درست واستوعبت مبادئ علم الاجتماع وأصوله جيداً، وحملت إلى جانب ذلك، هاجس الدفاع عن الدين، لم تنضج بعد. وكما أشار الباحث، فقد برز أفراد في دائرة علم الا قتصاد، إلا أنهم لم يكونوا يحملون فكراً جديداً في هذا المجال، ولم تتعد اهتماماتهم إدخال التغييرات على الكتابات الفقهية لتقديمها في قالب جديد [ أو قل بلغة جديدة].

أما النظرة المعرفية (المنهجية) فيعتبر المؤلف بأن عبد الكريم سروش قد طرحها في كتاب (القبض والبسط في الشريعة). فبسبب انفتاح سروش على علم المناهج والفلسفة التحليلية الحديثة من جهة، وانفتاحه على الفكر الديني التقليدي من جهة أخرى، اتجه نحو طرح إجابات جديدة في قوالب جديدة أيضاً. وقد ساعده في طرح نظرته ورؤيته، عدم مواكبة الأفكار الدينية لمتطلبات العصر، بعد الثورة الإسلامية.

ويرى محمدي أن مهدي بازرجان هو أحد أهم المفكرين الذين طرحوا تفسيرات علمية – تجريبية عن الدين. فقد نهض من جيل جعل العلم أيديولوجيته، وفي هذا الجيل لم يكن أمام الفكر الديني بد من الاندماج مع الأفكار القائمة على العلوم التجريبية.

أما في النظرة العرفانية – الرمزية، فلم تتوافر شخصية مؤثرة في هذه الفترة، ليكون هو شخصياً مؤمناً حقيقياً بهذه النظرة، ويكون أيضاً في موقف الدفاع أو عرض النظرة، لذلك اختار الكاتب المفكر حسين نصر لأنه حاول عرض الروح المعنوية – الصوفية للدين.

غياب الإمام الخميني

واللافت عدم اختيار المؤلف للإمام الخميني كأحد المفكرين المؤثرين في إيران، في القرن الماضي، حيث لا يزال فكره الديني ــ السياسي القائم على نظرية ولاية الفقيه مؤثراً في إيران والعالم الإسلامي، وخصوصاً الشيعي منه. ولا يمكن التكهن بسبب عدم اختيار الخميني للدراسة من قبل المؤلف، خصوصاً أن الخميني هو أشبه بالنائيني من حيث إنه فقيه وأصولي من جهة، ولقيامه بالتنظير لنظرية الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه استناداً إلى أدلة نقلية وعقلية، على غرار النائيني الذي نظر للمشروطة استناداً إلى أدلة نقلية وعقلية. ولئن كان الخميني قد انطلق في بدايات التأسيس لفكره السياسي الديني مستفيداً من تجربة النائيني السياسية وتنظيراته الفقهية للدستور والشورى، إلا أنه قد ابتعد عنه في تبنيه لولاية الفقيه المطلقة التي تجعل سلطة الولي الفقيه فوق الدستور والسلطات التشريعية والتنفيذية الأخرى المنتخبة.

لا شك أن آية الله مرتضى مطهري، وهو تلميذ مميز للخميني، يعبر في آرائه الفكرية والفلسفية والدينية عن الاتجاه الفكري الديني والسياسي للخميني والثورة الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية، لكنه قتل في السنة الأولى لانتصار الثورة على يد منظمة “فرقان” الدينية المتطرفة بسبب آرائه المتنورة. كما أنه كان من المؤمنين بنظرية المشروطة والدستور ونظام الشورى في الحكم ونظرية شورى الفقهاء في المرجعية، ولم يكن من المؤمنين بولاية الفقيه المطلقة. وبالتالي لا يمكن التكهن بالاتجاه الفكري الذي كان سيسلكه لو بقي على قيد الحياة، خصوصاً وأن آية الله حسين منتظري، وهو زميل مطهري والتلميذ المميز الآخر للخميني، قد افترق عن الخميني في حياة الأخير وبعد مماته، نتيجة خلافات سياسية وفكرية، وتخلى عن نظرية ولاية الفقيه التي نظر لها سابقاً في مجلدين، وأصبح من أشد منتقدي النظام الإسلامي في إيران إلى حين وفاته عام 2009.

والجانب الآخر الذي اشتهر به الخميني أيضاً هو الجانب العرفاني، ولم يذكره المؤلف مجيدي، وآثر أن يختار حسين نصر، معتبراً أنه لم تكن هناك شخصية مؤثرة في تلك الفترة في هذا الجانب. فهل ذلك ينم عن موقف للكاتب من الخميني وآرائه الفكرية والسياسية، أم لأنه يعتبر أن معظم الدراسات المختصة بالفكر الديني في إيران قد كرست للمفكرين المحافظين وعلى رأسهم الخميني. ولعل الكاتب يستهين بالأهمية الفكرية للإمام الخميني من حيث أصالة آرائه الدينية والسياسية والفلسفية والعرفانية، وهو مبحث يحتاج لدراسات من مختصين في كل جانب من هذه الجوانب. فحتى نظرية ولاية الفقيه التي اشتهر بها الخميني قد أسس لها فقهياً فقيه العصر الصفوي المحقق الشيخ علي بن عبد العالي الكركـي (ت 940هـ) والذي يعتبر أول فقيه شيعي تنمّ كتاباته حقاُ عن مؤشرات على نظرية الدولة، حيث استند في إثبات ولاية الفقيه وحدودها إلى مقبولة عمر بن حنظلة، وهي رواية اعتمد عليها الفقهاء الذين سبقوه لإثبات جواز تصدي الفقيه للقضاءوقد قصد الكركي من ذلك أنّ الفقيه الجامع للشرائط معيّن من قبل الأئمة ويُعتبر نائباً عنهم في عصر الغيبة في كل ما للنيابة فيه مدخل وهذه نيابة عامة. أما أول فقيه بحث بالتفصيل في مسألة ولاية الفقيه وجعل منها مسألة فقهية مستقلة، وأقام عليها الدليل العقلي والأدلة النقلية فهو الشيخ أحمد النراقي (ت 1248هـ)، فقيه العصر القاجاري، في كتابه “عوائد الأيام”. ولعل أهمية الإمام الخميني في قيادته لمشروع السلطة الإسلامية المستندة إلى نظرية ولاية الفقيه وتطبيقه للنظرية في الواقع في النظام الإسلامي في إيران.

أهمية الدراسة

ويشدد مجيد محمدي على أهمية دراسته باعتبارها تقارن بين هذه النظرات من مختلف الجهات كالرؤى، والسبل، والمناهج التي تُطرح لإحياء الدين، والمنهج المعرفي، وعلم الإنسان، وعلاقة الدين والدنيا، وعلاقة العلم والدين، ودوافع دراسة الفكر الديني، وسر خلود الدين ورسالته والمصلحين الدينيين.

ويشير الباحث إلى أن الفترة المعاصرة في إيران، والتي بدأت قبل 100 ــ 150 عاماً وامتازت بخصائص معينة، قد تركت وراءها أمواجاً عاصفة فكرية وثقافية، واستنبطت كثيراً من التحولات والتطورات. فالانفتاح على الثقافة الغربية ودخول المظاهر الحضارية الحديثة إلى إيران، شكلا بداية ظهور الأفكار الحديثة في هذه البلاد، الأفكار التي كان لها مواقف تجاه فترة الانتقال من التراث والحياة التقليدية إلى الحداثة والحياة العصرية. في هذه الفترة الانتقالية، كانت الأفكار والمعتقدات الدينية من بين أهم قطاعات تراث الإيرانيين الوطني والديني والقومي. فمن جهة، كان الدين يتمتع بعلاقات وثيقة وقديمة مع بنية البلاد السياسية والاجتماعية، ومن جهة أخرى كان يؤدي دوراً بارزاً من خلال أدائه العاطفي والإحساسي في مجال بيان حالات الأفراد المختلفة. فكان الدين التقليدي يفسر بطريقة تجمع في نفسها العرفان، والفلسفة، إلى جانب الفقه والشريعة وحتى العلم الطبيعي. وكانت النصوص الدينية في بعض الفترات تحتل موقع النصوص الأدبية وتؤدي دورها. وهكذا كان الدين يستجيب للكثير من حاجات الناس بوصفه نظاماً اجتماعياً راسخاً، وبوصفه عقيدة ومنظومة فكرية. وكان طبيعياً في هذه الحالة أن يتخندق في خط المواجهة الأول مع الأفكار الحديثة.

ويشير محمدي إلى أنه، وفي إيران المعاصرة، وبسبب تأزم الظروف، والصراعات الفكرية والعلمية، تتوافر معطيات ومعلومات كثيرة تساعد في استجلاء التطورات الدينية في الفكر الإسلامي الشيعي، أو في الفكر الديني في إيران عموماً. ويبرز الوجه الفكري لهذه الصراعات منذ بداية المواجهات، والسبب في ذلك هو أن المتدينين، والمنفتحين على الثقافة الغربية أو المدافعين عنها، كانوا يدخلون حلبة الصراع بوجه ثقافي منذ البداية. ويتجلى هذا الصراع في أبرز صورة، في ثورة الدستور، وفي أهم القضايا السياسية (قضية الاستبداد- والدستورية). وفي المرحلة الانتقالية، تتجسد أهم الصراعات في المواجهة بين الدين والسياسة، ولأن عامة المتدينين لم يكونوا مجهزين بغير الأفكار الفقهية والأصولية، فإن حلولهم وإجاباتهم كانت من هذا القبيل. ويبرز وجه الصراع الآخر في التعارض بين الدين والعلم، إذ لا يمكن الإجابة عليه بالمعلومات الفقهية والأصولية، وهنا تتم العودة إلى النصوص الأصلية (القرآن) وتبذل الجهود حتى يتجلى اتجاه الدين النصي أكثر فأكثر.

أما حلبة الصراع الأخرى فهي المواجهة بين الدين والأيديولوجيات المنافسة. وفي هذه الفترة، وبسبب الظروف السياسية والتاريخية، فإن الماركسية سجلت حضوراً في الساحة أكثر من غيرها، ونهض علماء الدين انطلاقاً من هاجس الدفاع عن الدين لمحاربة الماركسية. وعد بعضهم أن الاستجابة لمتطلبات هذا الصراع يستلزم التفسير الفلسفي للدين، فحاول عن هذا الطريق الإجابة عن تعارض الدين والعقل، وتعارض الدين والأهداف الاجتماعية.

ولاحقاً برز التعارض بين الدين والعلوم الإنسانية والمعتقدات الدينية. فبإمكان العرفان والتجارب الباطنية أن تكون منافسة للدين، وأن تكون في الوقت نفسه جوهره وأساسه. وقد استقطبت الأفكار العرفانية والدينية المعاصرة أنصاراً ومؤيدين من بين فئات عامة الشعب والمثقفين، ومن هنا بدأت التعاطي مع الدين. وبعض التحاليل والتفاسير الدينية في هذه الفترة تأثر بهذه الأفكار، وكانت الحصة الكبرى من هذا التأثير المتبادل للعرفان الإيراني والإسلامي.

الميرزا النائيني

في الفصل الأول من هذا الكتاب دراسة للفكر الديني للميرزا محمد حسين النائيني (1860-1944م) هو مجتهد معروف، وعالم أصولي بارز، دفعه حضوره في الأحداث السياسية المرتبطة بثورة الدستور في إيران إلى الاهتمام والتفكير في القضايا السياسية الاجتماعية. ولعل أبرز وأهم الأمور في حياته هو الرسالة الدستورية ونضاله الفكري والعملي ضد الاستبداد، وكان هذا النوع من النضال يتطلب فهما آخر للنصوص الدينية، ونظرة تختلف عن نظرة سائر علماء الدين السائدة آنذاك، وبهذا الهدف كتب رسالته المشهورة التي سماها “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”.

ولكي يستعرض حقيقة الاستبداد في هذه الرسالة، فإنه يمهد لذلك بعدة مقدمات:

الأولى: حول ضرورة الحكومة والسلطة السياسية.

الثانية: حول مبدأ السيادة الوطنية.

الثالثة: حول المسؤوليات والشؤون الحكومية التي يعبر عنها بإيجاز بـ”حفظ جوهر الإسلام”.

أما المقدمة الرابعة فهي تدور حول تقسيم الحكم السياسي إلى نوعين لا ثالث لهما: حكم قائم على أساس الملكية، والحكم القائم على أساس الولاية الذي لا يعترف أصلاً بأن يفعل الحاكم ما يريد، بل يقوم على إنجاز الوظائف الحكومية وتأمين المصالح العامة التي تتوقف على وجود السلطة، وتتحدد سلطة الحاكم بحدود المسؤوليات والوظائف وتتقيد بعدم تجاوزها.

ولكي يدافع النائيني عن الدستورية دفاعاً دينياً، ويزيل الصبغة الاستبدادية عن الدين، فإنه يسلك طريقاً خاصاً إلى الدين من خلال الاعتقاد بأنه ما دام وجود السلطة السياسية أمراً لا مفر منه، وما دمنا لا نعيش في عصر الإمام المعصوم، فإننا نستطيع ــ بقبول مبدأ المحاسبة والمراقبة والمسؤولية الكاملة ــ أن نقلل من احتمالات فساد السلطة السياسية، وبالتالي فهو لا يرى جدارة أي شخص بشكل مطلق لتسلم مقاليد السلطة في عصر الغيبة.

وأما عن نظرة النائيني للعلاقة بين الدين والمجتمع، فإنه يرى أن الدين بوصفه نظاماً فقهياً، ليس من مهمته تقديم كل ما يحتاج إليه الإنسان، وإنما مهمته أن يبين “حكم” القضايا وليس القضايا نفسها، وبهذا المعنى فإن الدين لا يدعي شموليته لكل شيء: الفن والسياسة والعلم، بل في أفضل الحالات ينظم العلاقة بين الفن والسياسة والعلوم الموجودة في الساحة، وبينها وبين المجتمع ككل.

لايعتبر النائيني إحياء الدين وبعثه في إعادة صياغة الفكر الديني وتقديم صورة عصرية عن الدين، بل إن القضية الأساسية للنائيني هي الاستبداد، حيث يعتبر هذا الأمر هو السبب الأساس لتخلف الأمة وانحطاطها. فهو يرى أن سبب الانتشار السريع للإسلام وامتداد نفوذه في العصر الإسلامي الأول يكمن في عدالة الحكم الإسلامي وشورويته، وما كان يتمتع به المسلمون من الحرية والمساواة مع الخلفاء وأعوانهم في جميع الحقوق والأحكام. كما اعتبرأن السبب الرئيس للتخلف الذي مني به المسلمون في الحقب الأخيرة وتقدم الشعوب الغربية عليهم في عبودية المسلمين للحكومات الاستبدادية. وعندما يستعرض النائيني طريق الخلاص من الاستبداد يعيد أساس الحل إلى مكافحة جهل الأمة وبث الوعي والمعرفة في صفوفها. إلا أن المؤلف يرى أن مكافحة الجهل التي يدعو إليها النائيني أمر غامض، ذلك لأن الجهل كالعلم يتعلق بأمور خارجية، فيتساءل ما هو الجهل الذي أدى إلى رضوخ الشعب لنير الاستبداد وتسبب في تخلف المسلمين وانحطاطهم؟!

علي شريعتي

يدور الحديث في هذا الفصل عن نظرة علي شريعتي (1933-1977م) لمسألة الدين.

ويرى المؤلف أن المدخل لمعرفة الفكر الديني لشريعتي أمران هما المنهج والغاية، ففي مجال المنهج يتحدث عن نوعية معرفته للإسلام والتي تقوم على أساس مبادئ علم الاجتماع، ومن منهج معرفة الإسلام من وجهة نظره، ولدى الحديث عن الغاية يستعرض رؤية شريعتي للدين، وعلاقته بالتنوير والإنسان، ورسالة الدين، ومسألة إعادة صياغة الفكر الديني وتجديده.

ويرى محمدي أن مفتاح فهم منهج شريعتي في المعرفة الدينية هو فهمه بوصفه عالم اجتماعي دينياً. فشريعتي ينظر إلى الدين من حيث إنه كيان اجتماعي، وكونه عنصراً فعالاً في الحركات الاجتماعية، ويركز على أدائه العملي في المجتمع. ولعل السبب في هذا التركيز يكمن في الاتجاه المعاصر نحو تقييم دور الدين في الحياة، ويحاول شريعتي بسلوكه هذا المنهج أن يوضح ويشرح الدور الإيجابي للدين في المجتمع.

وينطلق شريعتي من موقعه كعالم اجتماع ديني، وبأسلوب تفكيره الاجتماعي، ويستخدم أدوات علم الاجتماع المهمة كمنهج المقارنة، ومعرفة الأنماط والنماذج. وفي موقع آخر يضع شريعتي أمامنا ثلاث طرق محددة لدراسة ومعرفة الإسلام هي: الأول دراسة الأفكار التي تقدمها المدرسة الفكرية، والثاني دراسة التاريخ، والثالث دراسة النماذج. وهذه الأساليب الثلاثة تعتمد على منهجي المقارنة ودراسة الأنماط.

وقد استوعب شريعتي تماماً أهمية الإنسان وعلم معرفة الإنسان في هذا العصر، وسعى لكي يعرض الوجه الإنساني للدين. وهو عندما يقف موقف الدفاع عن الدين يعرض الإنسان من وجهة نظر الإسلام بالصورة التي يتفهمها العصر، ويقدم صورة عن موقف الإسلام من الإنسان تمنع من إبراز الإسلام بصورة مضادة للإنسان، إذ الإسلام دين من أجل الإنسان، وهو دين إنساني في كلياته وجزئياته.

ومن التساؤلات التي يطرحها العصر في مجال الدين وأدائه الاجتماعي، علاقة الدين والدنيا المادية والمعنوية، فالإسلام في رأي شريعتي لا يعرف – حتى في المسجد – فرزاً بين الدين والدنيا، بين العلوم الدينية والعلوم غير الدينية، بل لا يعرف الفصل بين العلم والعبادة والسياسة. فمسجد الرسول (ص) كان في الوقت نفسه بيتاً لسكنه ولأنصاره الذين لم يجدوا مسكناً، وكان مسجد الصلاة والدعاء والاعتكاف، وكان حلقة دراسية وعلمية، وكان كذلك مركزاً للحكم وإدارة الشوون السياسية والاجتماعية، ومن ثم كان برلماناً حراً كان كل الأفراد نواباً فيه. فالإسلام يهتم بشدة بالدنيا والحاجات المادية للبشر، في الوقت الذي يمنحه قلباً شفافاً – كما يقول شريعتي – يرى من خلاله أجمل صور الحياة في تأملا ت الفجر وإشراق الصباح.

ومن ثم فإن الدين في تصور شريعتي هو دين إنساني، يخلق المسؤولية والالتزام، ويكافح الظلم، هو دين معارض ورسالي يقف في وجه الشرك الاجتماعي. ففي بحثه عن التوحيد لا يتحدث شريعتي عن التوحيد والشرك بمعناهما الكلامي، وإنما يتحدث عن التوحيد والشرك الاجتماعيين، حيث يرى أن التوحيد هو النظام الذي يحقق الوحدة الاجتماعية، في حين أن الشرك هو الدين الذي كان دائماً يبرّر التمزّق الاجتماعي والشرك الطبقي”. من هنا فإنه يرى الصراع بين الشرك والتوحيد صراعاً اجتماعياً أكثر من مواجهة كلامية، لأن التوحيد كان على طول التاريخ حركة من أجل القضاء على التمزّق الطبقي، والتفرقة العنصرية، وبشكل عام من أجل تحطيم الشرك الطبقي والفئوي في الوسط البشري، وعلى هذا الأساس فإن الأديان غير التوحيدية بالمعنى الخاص كانت من أكبر حماة وأهم خنادق الدفاع وتقديس النظام الطبقي والتفرقة البشرية على طول التاريخ.

كما يرى شريعتي في مسألة الاجتهاد، وإعادة صياغة الفكر الديني من خلال ضرورة الاستعانة بجميع الإمكانات العلمية التي توصل إليها العالم المعاصر، في مجالات العلوم الإنسانية وبالذات علم تاريخ الأديان والعلوم الاجتماعية والاقتصادية، والاستشراف وعلم معرفة الإنسان علمياً وفلسفياً، أن سر عدم نجاح الإيرانيين في مجال الدراسات الإسلامية وإنضاج الفكر الإسلامي المعاصر، يكمن في أن هؤلاء العلماء كانوا في أغلب الأحيان بعيدين عن الرؤية العلمية الإنسانية الحديثة.

وأسلوب آخر ينتهجه شريعتي في دراسة الأديان عامة ودراسة الإسلام خاصة، هو الاهتمام بدراسة الأساطير الدينية لكشف ذلك الوجه من الحقيقة الذي لا يتضح لنا من خلال التجربة المباشرة. ويرى أن إحدى السبل التي اتبعها الإنسان لتهدئة قلقه واضطرابه الدائمين هو اتجاهه نحو الأساطير والحكايات والآثار الفنية. وفي تحليله للدين يرى أن إحدى المهمات الأساسية للدين هي معالجته لهذا القلق والاضطراب الذي يعاني منه الإنسان، وخلافاً للكثير من علماء الأساطير والأديان والذين يعتقدون بأن الأساطير والرموز هي من خصائص الأديان القديمة، يعتبر أن هذا الاتجاه لم يتوقف ولم يكن محدوداً بفترة زمنية معينة، وأن الأساطير تتمتع بحقيقة أكبر مما يتمتع به التاريخ.

مرتضى مطهري

يُعد آية الله الشيخ مرتضى مطهري (1919-1979م) أحد أكبر الدعاة والمدافعين عن الدين في إيران المعاصرة، الذي أوجدت آراؤه ونشاطاته مساحة كبيرة جداً من التأثير والتغيير. لقد نشأ مطهري في أحضان المعارف الدينية، وكان له هاجس الدين والدفاع عنه، ومن بين المعارف الدينية فإن مصطلحات الفلسفة والكلام والعرفان كانت تجتذ به أكثر من غيرها. فقد انطلق مطهري من الحوزة العلمية وفي التبليغ والدفاع عن الدين، وفي خضم التنافس الأيديولوجي المطروح في تلك الفترة، قدم مطهري الدين بوصفه أيديولوجيا وبرنامجاً متكاملاً للحياة، وقام بتشريح مبادئ هذا المشروع والدفاع عنه. وقد سجل حضوره في كل قضية وموقف يحاول الخصم من خلاله إثارة علامات استفهام حول الدين. فإذا تمسك الخصم بالجانب العلمي، طرح نفسه متمسكاً بالعلم، وإذا كان الطرف الآخر يقدم نظاماً جديداً في “المعرفة”، كان مطهري يستخرج المنهج المعرفي من القرآن، وإذا كان الخصم يطرح نظماً مختلفة للتربية والتعليم، كان يحاول أيضاً استخراج نظام خاص في التربية والتعليم من الإسلام.

وبالتالي فالملاحظ أن بعض هذه الدفاعات كانت كلامية وفلسفية، وبعضها الآخر تاريخية واجتماعية، وبالتالي لم يكن مهماً لدى مطهري التمسك بإطار خاص في بحوثه بل كان باعث الدفاع عن الدين هو الذي يسوقه إلى مناطق البحث المختلفة. والوجه الآخر الذي يظهر كون مساعي مطهري هي مساع دفاعية هي الشواهد المختلفة التي كان يسوقها في البحوث المختلفة من الغربيين والمستشرقين حول القضايا الدينية والفكرية. وكمثال فإنه يستشهد لدى البحث عن حاجة الانسان للدين واهتمامه بالغاية والهدف بما يقول ويل ديورانت. ولدى البحث عن رغبة الإنسان في العبادة يستشهد بمقالات إريك فروم. وهنا يقف مطهري موقف الفيلسوف المدافع عن الدين الذي يجادل خصمه، ولذلك فهو يستخدم مقبولات الخصم لإفحامه، وهذا الموقف الجدلي الذي يُعد من ميزات كل فكر كلامي خير دليل على كون مساعي مطهري كانت مساعي دفاعية.

والاتجاه الفلسفي ـــ الكلامي هو المدخل الذي تبناه مطهري في هذا المعترك الدفاعي عن الإسلام. إن أهم وأساس دوافع مطهري في دراسة الفكر الديني – بحسب مجيد محمدي – هو إيمانه الخالص بالإسلام، وعلاقته الوثيقة بالجوانب المعنوية في الحياة، وهاجسه الديني. إن اهتمام هذا المفكر بمتطلبات العصر هو أيضاً دليل حسن على اهتمامه بمعرفة المشاكل بهدف الدفاع عن الدين، إن متطلبات العصر هي في الواقع مشكلة اجتماعية يواجهها الداعية الديني الذي يحاول مطهري باتجاهاته الدينية – الفلسفية أن يجيب عليها. إن أهم مشكلة اجتماعية في راي مطهري هي الإسلام ومتطلبات العصر. فالاهتمام بهذه المتطلبات يرتبط مباشرة بطرح الدين بمثابة مدرسة مؤثرة وحاضرة في ساحة العمل والتطبيق.

ويؤمن مطهري مسبقاً أن في الإسلام أصولاً ثابتة لا تقبل التغيير أبداً، ويستنبط هذا من الإيمان بخلود الإسلام، وختم النبوة، ووجود المبادئ الأخلاقية وإطلاقها، وحول المنازل والمحطات أيضاً يعتقد بإمكانية حل المشكلة عن طريق الاجتهاد وقدرة الفقه العجيبة على الإجابة وعلى التكيّف. وباعتقاده أن العقل يدين التطرف والإفراط في مواجهة متطلبات العصر، كما يدين طريق الجمود والتحجر. لذا فإن الطريق السليم هو الاعتدال واتباع العقل البشري في دائرة الأمور الجزئية.

ويخلص مطهري إلى أن “الإسلام دين سماوي، وهو خاتمة الأديان، فهو يهدف أكثر من أي دين سماوي آخر إلى إقرار العدالة الاجتماعية… وهو يهدف بالضرورة إلى إنقاذ المحرومين والمستضعفين ومكافحة الظالمين، إلا أن الإسلام لم يوجه خطابه للمحرومين والمستضعفين فقط”. إن اعتبار الخطاب الإسلامي موجهاً لجميع الناس هو ــ في رأيه ــ لتجنب مسايرة الإيديولوجيات الطبقية والفئوية. ولكي يبرهن مطهري على أن الخطاب الإسلامي موجه لجميع الناس يطرح افتراضات مقبولة عدة. الافتراض الأول هو أن نوع الإنسان (أمة الناس) يتمتع بفطرة واحدة وأصيلة، وهذه الفطرة الواحدة والأصيلة تضفي على ثقافة الإنسان طابع الوحدة. أما الافتراض الثاني فهو أن القيم الإنسانية تحظى لديه بالقبول والتأكيد، ولهذا فإنه ليس بإمكانية الإيديولوجيا التي يتحدث عنها أن تهمل فئة من الناس. والافتراض الثالث هو عدم ارتباط إيديولوجيته بالمكان والزمان، ويرى أن هذه الإيديولوجيا قد نظمت بطريقة دقيقة وهي تعتمد على الخطوط الرئيسة لحركة الإنسان والمجتمع.

ويسعى مطهري لدى البحث عن الأخلاق، وانطلاقاً من إيمانه بخلود الإسلام وختم النبوة، في كل مكان لإثبات نوع من القيم الثابتة والأساسية، ويقول: “الإيمان الديني وحده قادر على إظهار الإنسان في صورة مؤمن واقعي، وأن يضع الذاتية والأنانية، – من جهة – في الدرجة الثانية وبعد الإيمان والعقيدة والمبدأ، وأن يوجد في الفرد – من جهة أخرى – نوعاً من العبودية والاستسلام لله بحيث لا يتردد الفرد أبداً في قبول أصغر مسألة (أو حكم) يعرضها الدين عليه، وأن يظهر الدين للإنسان بصورة شيء عزيز ومحبوب وقيم إلى درجة تكون الحياة عنده من دون الدين فراغاً وبلا معنى، ويستعد للدفاع عنه بمزيد من الغيرة والحمية”.

وكانت قضية العلاقة بين الدين والدنيا ومحاولة الجمع بينهما بشكل من الأشكال، المشكلة التي شغلت عامة المفكرين الإسلاميين في هذه الفترة، وعندما يتحدث عن الدنيا هنا فالمقصود هو الرفاه المادي بكل مستلزماته ومتطلباته. وكان موقف مطهري من الدنيا إيجابياً بالنظر إلى دعوته للتوجه العملي وتفسيره الزهد والتوكل. فهو يرى الارتباط بالدنيا أمراً طبيعياً وفطرياً. أما الخلود القلبي إلى الدنيا والاكتفاء بالأمور المادية الدنيوية والتوقف عندها فهو أمر مذموم ومرفوض، ويعتقد بأن الأخلاق والتربية تقلصان الاهتمامات المادية في الإنسان، وذلك لأنها ترسم له هدفاً مثالياً ومعنوياً. ويعتقد هذا المفكر بأنه لم يكن هناك أي تعارض بين العلم والدين في الثقافة الإسلامية إذ ينقسم تاريخ الحضارة الإسلامية إلى عصر الازدهار الذي ازدهر فيه العلم والإيمان معاً، وإلى عصر الانحطاط حيث انحسر فيه العلم والإيمان معاً أيضاً. وحول الأحكام والموضوعات الدينية، يعتقد مطهري باستنادها إلى المقاصد الواقعية والعلم الإلهي اللامحدود، ولهذا السبب فهو يؤمن بأن العلم سوف يصدق هذه الأحكام ويؤيدها على مر الزمن.

مهدي بازرجان

يعتبر مهدي بازرجان (1908-1995م) أحد أبرز الدعاة المدافعين عن الإسلام والقرآن في الفترة المعاصرة، إذ ترتكز كل كتاباته ومحاضراته على إثبات أحقية الإسلام وانسجامه مع العلم والمكتسبات العلمية البشرية. ولعل إلقاء نظرة عابرة على عناوين انتاجاته الفكرية يشهد على هاجسه الديني وسعيه الفكري لمعالجته هذا الهاجس، ولكن هذا الهاجس لم يظهر في القوالب التقليدية للفقه والعرفان والفلسفة، بل شكل الفكر التجريبي والعلمي أساس تأملاته وأفكاره الدينية.

وقد عاش بازرجان في فترة زمنية تميّزت بالانفتاح على الغرب والتقاط النماذج الغربية، وكانت إيران في تلك الفترة مصابة بحمى الإصلاحات، وكان هو أحد أفراد البعثة الطلابية الأولى الموفدة إلى أوروبا العام 1928م. وقد تأثر شخصياً بشكل كبير بالميزات الأربع للحضارة الغربية وهي التفكير الديموقراطي والتحرّري، والروح الاجتماعية والتفكير العملي، ويمكن ملاحظة هذا التأثر بوضوح في بحوثه الدينية.

وكان يؤمن أن العلم لا يطوّر الحياة الدنيوية للإنسان نحو الأفضل فحسب، بل يهيئ البيئة الاجتماعية للإقبال على الدين بشكل أفضل، وهو يرى أن العلوم المعاصرة ساهمت في كشف أسرار القرآن وإثبات كونه من عند الله.

فمثلا نستفيد من علم الأحياء وعلم الأجنة لتأييد الخلق وتطوّرات الإنسان السابقة واللاحقة، ومن علم الأجواء الجوية لتطبيق الآيات على الظواهر الجوية. وبنظرية النسبية الجديدة لأينشتاين، نستطيع أن نفهم بشكل أفضل بعض الآيات القرآنية حول الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. والحاسوب هو الآخر يساعدنا في هذا المجال، فباكتشاف رموز مفاتيح السور تثبت أصالة القرآن وصيانته من أيدي العابثين، كما تظهر بذلك المعجزات العددية في القرآن والتي تعد بالعشرات.

وعلى الرغم من كل ما بذله بازرجان من جهود في سبيل الإصلاح الديني وإعادة الروح إلى الدين، لم يستطع كغيره من المدافعين والمفكرين الدينيين الذين واجهوا نفس المشكلة أن يجد حلاً لإشكالية كبيرة، وهو الزعم بوجود مجموعة من الثوابت في الدين والقول في الوقت نفسه بانسجام الدين مع الزمن واستجابته لمتطلبات العصر.

سيد حسين نصر

سيد حسين نصر(1933م ــ) هو مفكر إيراني إسلامي درس العلوم الدينية والفلسفة على يد العلامة محمد حسين الطباطبائي، ودرس العلوم العصرية وتخرج من جامعة هارفارد، وأصبح رئيساً لجامعة طهران بعد تخرجه، وعمل مع الباحث الفرنسي الشهير في الفلسفة والعرفان الإيرانيين هنري كوربان. بعد انتصار الثورة الإسلامية، هاجر إلى أميركا وهو الآن أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج واشنطن. يعتبر من دعاة العودة إلى الأصالة والتراث في مواجهة الفكر الغربي، له كتب إسلامية عديدة باللغات الفارسية والإنجليزية والعربية.

ويقوم نصر بدراسة الدين والمعارف الدينية من منظار تاريخ العلم، وتاريخ الفلسفة، وبشكل عام تاريخ الحضارة، وهاجسه إحياء الحضارة الإسلامية ـت الإيرانية. وخلافاً للذين يعدون الثقافة الإسلامية حلقة الوصل الضرورية بين العصور القديمة والقرون الوسطى، ويعدونها فرعاً من تاريخ الحضارة الغربية، ينظر نصر إلى هذه الثقافة من أفق أوسع. ويرى أن نمو التراث اليوناني هو مرحلة من مراحل النضج والتكامل الفكري في هذا المجال الفكري. كما يعترف بنوع من الاستقلال الذاتي لهذه الثقافة. إذ يعتقد أن الفكر الإسلامي لا يزال حياً، وأن حياته تتجلى في ابتعاده عن التقلدي اليوناني في الاتجاه الحاد للاستقلال والتوجه الدنيوي، وفي ابتعاده عن المحن والثورات في التاريخ. وفي جميع آثاره يفند نصر النظر من الخارج إلى الثقافة الإسلامية، ذلك لأن هذه النظرة تعد مرحلة ما بعد ازدهار وانتشار الفكر اليوناني في الثقافة الإسلامية، مرحلة الركود والاضمحلال. وهو يرى أنه لو تم النظر إلى هذه الثقافة من الداخل، فإن مرحلة ما بعد ازدهار الفكر اليوناني، تكون مرحلة بلوغ الوعي الذاتي والبصيرة الداخلية والروحية والحكمة التي لا ترتبط بالزمن، والتي حلت محل فلسفة لغطية ومحدودة زمنياً.

ويدافع نصر في جميع آثاره عن الرأي القائل بأن الثقافة الإسلامية حافظت على وحدتها الذاتية وكمالها منذ البدء حتى العصر الحاضر. هذه الثقافة شقت طريقها من بين العلم اليوناني والفلسفة المشائية، وتمركزت حول مبدأ إلهي واحد، وتنطوي كل أجزائها وعناصرها تحت مظلة واحدة شاملة. إن دافع نصر في الاهتمام بالحضارة الإسلامية وثقافتها هو السعي لاستعادة الهوية القومية. وفي عصره كانت أزمة الهوية والعودة إلى الذات وتقديم صورة عن إنسان إيراني مسلم تجاه الإنسان الغربي قضية عامة وشاملة.

وكان نصر يعتقد أن “العالم الإسلامي ينام على كنوز من الحكمة، وأن الغفلة عنها لا تدل بأي شكل من الأشكال على عدم وجود هذه الكنوز”. وإذا كان العالم الإسلامي يعيش حالة من الجمود، فذلك بسبب “عدم وجود علاقة حقيقية بين الكثير من الموضوعات التي تدرّس في الأوساط العلمية والجامعية في البلاد الإسلامية، وبين الروح والجوهرة الداخلية للإسلام”.

يقول نصر: “لقد استطاعت الحضارة الإسلامية الفتية، عن طريق قوة القبول والاستقطاب الخاصة لمودعة في الإسلام، أن توجد معارف إسلامية وعالمية، وأن توجد تلفيقاً بين العقل والدين والحكمة اليونانية والإيمانية، الأمر الذي يعد من ميزات هذه المعارف”.

إن جميع مزاعم نصر بشأن إسلامية العلوم في العالم الإسلامي تتلخص في “أن جميع العلوم التي يمكننا أن نسميها بحق أنها إسلامية تكشف عن وحدة الطبيعة … وإن هدف جميع العلوم الإسلامية ــ أو أن هدف جميع العلوم الكونية القديمة والقرون الوسطى ــ هو إظهار وحدة وتماسك جميع الموجودات بحيث يصل عبر مشاهدة وحدة الكون إلى وحدة الأصل الإلهي الغيبي، التي تشكل وحدة الطبيعة صورة عنها”.

لا شك أن هذه هي نظرية وحدة الوجود الفلسفية العرفانية التي قال بها محيي الدين ابن عربي، وتبعه فيها الفلاسفة والمفكرون الإشراقيون والعرفانيون من ملا صدرا إلى محمد حسين الطباطبائي، أستاذ حسين نصر.

إن المدخل الذي يختاره نصر إلى الدين هو مدخا باطني – رمزي (عرفاني)، وهو ينظر إلى الدين من هذه الزوايا، ويمكن ملاحظة ذلك في كتاباته: فأولاً طرح الإسلام من خلال ثلاث مراتب هي: الشريعة، والطريقة، والحقيقة في تسلسل عمودي إذ يقول: “إن الأساس في تقسيم مراتب ومراحل الدين الإسلامي هو تقسيمها إلى الشريعة والطريقة والحقيقة في تسلسل عمودي، والتي تربط الجوانب الظاهرية والاجتماعية للإسلام بجوانبه الباطنية والعرفانية”. وعلى اساس هذا التسلسل فإن الشريعة “هي محيط دائرة شعاعها الطريقة ومركزها الحقيقة. والدائرة بشكل عام هي الإسلام”.

وثانياً يبرز ذلك من خلال الأهمية التي يوليها نصر للمدرسة الهرمسية الفيثاغوية وتأثيرها في الثقافة الإسلامية. يقول: “حدّد المسلمون، ضمن اهتماماتهم بنفس التعاليم اليونانية، مدرستين مختلفتين فيها تشتمل كل واحدة منهما على نوع من العلم: إحداهما المدرسة الهرمسية الفيثاغورية التي كان لها جانب ما وراء الطبيعة، وكان علم الطبيعة (الفيزياء) فيها يرتبط بالتغيير الرمزي للظواهر والرياضيات. أما المدرسة الأخرى فهي المدرسة القياسية ـت الاستدلالية لأتباع ارسطو، التي كان يغلب فيها الجانب الفلسفي على الجانب ما وراء الطبيعي، وبناء على هذا فإن علوم هذه المدرسة كانت تهدف إلى التوصل إلى تحديد مكانة الأشياء في منظومة عقلية واستدلالية، وقلما كان الاهتمام ينصب على اكتشاف الماهيات الفكرية عن طريق الظواهر. وكانوا يعدون المدرسة الأولى استمراراً لحكمة الأنبياء القدماء وبالذات سليمان وإدريس في الحضارة اليونانية، ولهذا السبب فإن هذه المدرسة كانت تقوم على أساس المعرفة الإلهية قبل بنائها على أساس المعرفة البشرية”.

ويعتبر نصر أن هذه العلوم الهرمسية التي لم تنسب إلى الأنبياء في اي تاريخ لفلسفة أو في أي علم، كانت شائعة بين علماء الشيعة الذين يرون بأنهم يشكلون عامل النمو والتطور في الحضارة الإسلامية. ويقول في هذا الصدد: “إن قبول العلوم الهرمسية في القرن الإسلامي الأول جعل علماء الشيعة يتبعون نظرية عامة حول الطبيعيات ومفهوم مرحلية الزمن المركب من مراحل متشابهة، وحركة بقراط الطبية وربطها بالكيمياء”.

والثالث هو النظرة الرمزية إلى الطبيعة، والرابع هو اعتماده ــ سواء في المدخل أو المنهج ــ على العرفاء والباحثين الدينيين الغربيين ذوي الاتجاهات العرفانية، أمثال تيتوس بوركهارت، وماركو باليس، ومارتين ليغز، ورينه غنون، ولا سيّما فريتهوف شوان، “الذي كانت دراسته للإسلام مصدراً ثابتاً لهدايتي”. وقد قام نصر بترجمة آثار هؤلاء الكتاب أو التعريف بهم بونتاجهم في اللغة الفارسية.

عبد الكريم سروش

عبد الكريم سروش هو الاسم المستعار لحسن حاج فرج الدباغ، من كبار المثقفين الإيرانيين الدينيين المعاصرين، من مواليد طهران سنة 1945، درس في المدرسة الثانوية (الرفاه) وهي من المدارس التي كانت تحرص على الجمع في مناهجها بين الدروس الدينية وبين المواد العلمية المعاصرة، التحق في جامعة لندن في فرع الكيمياء وحصل على الدكتوراه، وكان إضافة لتخصصه في الكيمياء والصيدلة متبحراً في فلسفة العلم ومطلعاً على معطيات أحدث تياراتها النقدية الحديثة وتراث المدرسة الوضعية.كان سروش قريباً من علي شريعتي ومرتضى مطهري، وهما وجهان محوريان في فترة ما قبل الثورة في إيران، وبعد الثورة عاد إلى بلده وشغل مناصب عليا في الدولة وأخرى بحثية أهمها مؤسسة الأبحاث والدراسات الثقافية .

ظهر سروش منذ أوائل الثمانينيات كواحد من الكتاب غزيري الإنتاج في إيران، وعالجت كتاباته الأولى النظريات الماركسية وموضوعات فلسفة العلم، ومن أهم أعماله البارزة في تلك الفترة كتاب “المعرفة والقيمة” و كتاب “ما هو العلم؟ ماهي الفلسفة؟” إضافة إلى دراسة نقدية لكتاب الشهيد الصدر “الأسس المنطقية للاستقراء” نقلت على العربية ضمن كتاب السيد عمار أبو رغيف بعنوان “الأسس المنطقية للاستقراء في ضوء دراسة الدكتور سروش” سنة 1989، وهي السنة التي بدأ فيها سروش بنشر مقالات “القبض والبسط للشريعة” وقد أثارت جدلاً واسعاً ونقاشاً حادا بين المؤيدين والمعارضين، فجمعت بعد ذلك في كتاب حمل العنوان نفسه “القبض والبسط في الشريعة” ونقل إلى العربية. فليس من قبيل الصدفة أن يؤلف في إيران وحدها ثلاثون كتاباً لمناقشة آراء سروش، عشرون منها تتفق معه وتؤازره والعشرة الأخرى تقف بالضد من تلك الآراء والطروحات.

وميزة سروش أنه مفكر تكونت ثقافته ومنهجيته في البحث من أبعاد علمية متعددة فهو صاحب اختصاص في الصيدلة والكيمياء وهو متابع لأحدث الدراسات الغربية في التاريخ وفلسفة العلوم وعلم المعرفة (الإبستمولوجيا)، وهو إضافة إلى ذلك ناشط ثقافي وسياسي ومتبحر في علم الكلام والتفسير وأصول الفقه ومتذوق لأدبيات العرفان. ولعل ذلك ما دفعه إلى استمداد مفهومي “القبض” و”البسط” من الحقل الصوفي كعنوان لنظريته، ساعياً في ذلك إلى إبراز خاصية التحول والتغير التي تميز المعرفة البشرية ومن ضمنها المعرفة الدينية.

يرى سروش أن الأجزاء المختلفة للمعرفة البشرية هي في تعاط مستمر في ما بينها، وإذا ما شهد العلم إبداعاً فإنه يترك تأثيره على علم الفلسفة، وأن تحوّل الفهم الفلسفي يغير فهم الشخص حول الإنسان والكون، وعندما يأخذ الإنسان والكون وجهاً آخر فإن المعرفة الدينية تأخذ معنى جديداً أيضاً. وهو يعتبر أن نظريته تعتمد من جهة على الفكر الديني التقليدي، وتأخذ بنظر الاعتبار من جهة أخرى مكتسبات الفكر والمعرفة البشرية، وبالتالي فهي منهج لطرح جديد وعصري للدين، وأن التحوّل والتطوّر في المعرفة الدينية ليسا ناجمين عن المؤامرة والخيانة ووسوسة الشيطان، بل من لزوم التغييرات القهرية في الكون، وحركة الذهن، وسعة استيعاب الفهم، وطموحات الفكر وتطلّعات الروح البشرية المعادية للجهل.

وخلافا لمطهري وشريعتي لا يعد سروش المجتهدين من رجال إحياء وإعادة بناء الفكر الديني، لأن الاجتهاد لديهم هو تغيير في الفروع وليس تحوّلاً في المبادئ والأصول، ولذلك فهو يرى أن المستنير الحقيقي في إعادة بناء الفكر الديني هو الشخص الذي يجيز الاجتهاد في الأصول أيضاَ. إن الأمر المهم في هذه الدراسة هو المقارنة بين هذه النظرات من مختلف الجهات كالرؤى، والسبل، والمناهج التي تطرح لإحياء الدين، والمنهج المعرفي، وعلم الإنسان، وعلاقة الدين والدنيا، وعلاقة العلم والدين، ودوافع دراسة الفكر الديني، وسر خلود الدين ورسالته والمصلحين الدينيين.

نظرية سروش بين القبض والبسط

يسعى الدكتور عبد الكريم سروش في القبض والبسط لتقديم “مشروع نظرية تفسيرية (هرمنيوطيقية) معرفية (ابستمولوجية) تستلهم المنهج الكانطي في التميز معرفياً بين الشيء لذاته والشيء لذاتنا، فتميز بين الدين والفكر الديني أو المعرفة الدينية التي هي قراءة للدين لتتسائل حول طبيعة العلاقة بين هذه المعرفة والمعارف البشرية الأخرى. كما تفترض أن الدين تابت بينما المعرفة الدينية ظاهرة بشرية متغيرة ونسبية كشأن المعارف الأخرى.

ويؤكد سروش على أنه يؤمن بنسبية المعرفة لا نسبية الحقيقة، فالمعرفة الدينية تتسم بالتحول والنسبية لأنها مرتبطة بألوان المعرفة الإنسانية الأخرى ومتأثرة بها. ولا يخفي سروش استفادته من نظريات فلسفية وابستمولوجية كما عند جاستون بشلار ونظرته إلى تاريخ العلم بوصفه تاريخاً للأخطاء ، وغروفيتش ونظريته حول الأطر الاجتماعية للمعرفة، ومفهوم الباراديغم عند توماس كوين. ويكفي أن نلاحظ أن التهمة الرئيسة التي يواجهها سروش والاتجاه الذي يمثله هي الدعوة إلى الأخذ بالمناهج العلمية الحديثة في تكوين المعرفة الدينية.

ينطلق سروش من مبدأ بشرية المعرفة الدينية فهي “بناء إنساني يتطور بالضرورة وباستمرار بحسب الفهم المتغير للعالم، فبينما لا يتغير الدين في حد ذاته يتغير الفهم الإنساني له والمعرفة المرتبطة به. فالمعرفة الدينية ليست إلهية من منطلق الموضوع الديني الذي تعالجه ولا يسوغ أن نخلطها والدين في حد ذاته”. لأجل ذلك يسعى سروش إلى “كشف أوليات الفهم الديني وكيفيته، وتوضيح أوصاف المعرفة الدينية بالنسبة إلى سائر المعارف البشرية وتحديد العلاقات القائمة بين المعرفة الدينية والمعارف البشرية، وأخيراً توضيح سر تحول المعرفة الدينية وثباتها تاريخياً”. وهو في ذلك يهدف إلى:

أولاً: محاولة وضع معنى النص الديني في أفق الفهم التاريخي المتحول.

ثانياً: أنسنة الدين، بمعنى جعل الدين من أجل الإنسان لا بمعنى الأنسنة التي طرحها الفكر الأوروبي

ثالثاً: فرض المعرفة الجديدة بالإنسان والمجتمع والطبيعة على من يتصدون لصناعة المعرفة الدينية.

يقول سروش: “إذا تعرضت المعارف البشرية غير الدينية للقبض والبسط فلابد أن يتعرض فهمنا للشريعة إلى القبض والبسط أيضاً، أحياناً بصورة ضعيفةوخفيفة، وأحياناً بصورة شديدة وقوية”.

إن تأكيد سروش على ترسيخ مبدأ بشرية المعرفة الدينية مدخل من شأنه وضع حد للتصادم الموهوم بين هذه المعرفة وباقي المعارف العلمية والفلسفية، على أن هذه المعارف غير الدينية هي أسئلة مرتبطة بالأفق التاريخي للإنسان، والمعرفة الدينية تتضمن إجابات لها، فكلما اختلفت الأسئلة وازدادت عمقاً ازدادت الحاجة إلى أجوبة أكثر عمقاً، من هنا فإن أي تغير في معارف العصر العلمية والفلسفية يستدعي تغيراً في المعرفة الدينية.

يميّز سروش بين الذاتي والعرضي في الشريعة وهو يرى أن الإعدادات اللغوية والثقافية والحضارية قد ساهمت في تشكيل أعراض الدين الإسلامي كما نفهمه اليوم، ولأنها إعدادات متغيرة من ثقافة إلى أخرى فهي ليست من ذاتيات الدين، يقول: “إن لبوس الثقافة القومية من لغة وأذواق وأساليب حياة ونقاط ضعف وقوة عقلية وخيالية وعادات وتقاليد ومألوفات ومسلمات فكرية وخزين لغوي ومفاهيمي يضيف على جسد العقيدة والفكر ويخلع عليه نواقصه وكمالاته لا محالة”، ليصل سروش بعد ذلك إلى أن ما هو جوهري في الإسلام هو المتجاوز لكل تلكم الإعدادات المستلة من ثقافة خاصة بلحظة الوحي، وأن من شأن التأكيد على ذلك الثابت الجوهري ضمان شمولية الرسالة ومستقبليتها من دون أن يعني ذلك مصادرة الأعراض وإلغائها، لكنه يشترط إخضاعها لمجهر العلوم الإنسانية بغية فهمها واكتشاف قدرتها على الخروج من دلالتها الضيقة إلى محيط عالمي ومن ظرفها التأريخي إلى رحابة المستقبل.

وقد أثارت أطروحة عبد الكريم سروش في القبض والبسط وباقي دراساته جدلاً واسعاً في الوسط الديني الإيراني مما دفع العديد من المفكرين والشيوخ للرد والنقد، وأبرز نقاده هو الشيخ صادق لاريجاني الذي اتهمه بأن ما ذهب هو في غالبه تكرار لطروحات بعض فلاسفة الهرمنيوطيقا مثل غادامير الذين شددوا على فكرة أن الإنسان موجود تاريخاني وأن فهمه للامور يتكون في أفق تاريخي بشري، لذلك فهو فهم ناقص وهذه أفكار كان غادامير وإلى حد ما هايدغر من أبرز من روّج لها. بيد أن سروش في نظر لاريجاني لا يشير أبداً إلى الذين أخد عنهم هذه الآراء. ويرى لاريجاني أن هذه المسلكية التي اتبعها سروش في الاستعانة بالآليات المنهجية التي استقاها من التداول الغربي لا يمكن إسقاطها بشكل عمودي على تداول مغاير كالتداول الإسلامي، لأن “تلك المفاهيم والأدوات حين تبتسر من بيئتها تفقد معانيها ولن يكون من الممكن التوفيق بينها وبين التقاليد المحلية”.

والجدير بالذكر أن الباحث مجيد محمدي قد أغفل في كتابه ذكر المفكر محمد مجتهد شبستري، أحد واضعي علم الكلام الجديد في إيران، وذلك ربما لأن الكتاب نشر بالفارسية عام 1993، ولعل كانت تلك الفترة هي بدايات تبلور علم الكلام الجديد.

الكتاب: “اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران”

تأليف: مجيد محمدي

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ــ الطبعة: الأولى ــ 2010 ــ 334 صفحة.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

“موسوعة التطرف”: 535 شخصية من “القاعدة” و”داعش” والسلفية الجهادية في العالم

صدر عن “مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية” في بغداد، بالاشتراك مع دار الرافدين في بيروت، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *