الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / كتب / انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم

انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم

اسم الكتاب: انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم
المؤلف: جون رالستون سول
ترجمة: محمد الخولي
الناشر: الدار المصرية اللبنانية، مصر- مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، دبي- الطبعة الأولى – 2009

كتاب “انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم” للكاتب الكندي جون رالستون سول، والذي نشر باللغة الانجليزية في العام 2005، ترجم إلى العربية في أواخر عام 2009، وصدر عن الدّار المصرية اللبنانية ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. وقام بالترجمة محمد الخولي الكاتب والخبير الإعلامي كبير مترجمي الأمم المتحدة لأكثر من 30 عاماً وقدم للترجمة الدكتور حامد عمار شيخ التربويين في مصر وأحد أهم خبراء التربية في وطننا العربي.
والكتاب رؤية نقدية واستشرافية لظاهرة العولمة، كتبها المؤلف قبل نحو ثلاث سنوات من انهيار العولمة والاقتصادات العالمية وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الأوروبية. والمؤلف جون رالستون سول كندي حاصل علي الدكتوراة في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة لندن ويعدُّ فيلسوفاً ومؤرخاً وكاتباً سياسيّاً وأحد من المهتمين بتحليل تاريخ الحضارة وهيكل السلطة في الغرب، وما يتفرّع عن هذه الظواهر من قضايا ثقافية معرفية، خصوصا فيما يتعلق بما لحق هذه الأوضاع من فساد. وقد نال الكاتب عدداً من الجوائز والأوسمة في كل من كندا وفرنسا وتشيلي.
يشير الدكتور حامد عمار في البداية إلى ارتباط عنوان الكتاب بانهيار العولمة، حيث يسعى إلى إعادة تقييم النظام العالمي في محاولة للتعرّف على مصادر قوته وضعفه، وفي تحديد مبادئه ومنطلقاته، وفي تأثيراته الكونية على مجالات الاقتصاد والسياسة والأحوال الاجتماعية والإنسانية للبشر والعمران. ويعرض في مقدمته لرأي المؤلف القائل بتبلوّر العولمة منذ سبعينيات القرن الماضي، وما تبعها من هيمنة العوامل الاقتصادية واعتبارها الحقيقة المطلقة، بما ترتب عليها من حرية التجارة والسوق الدولية وهو ما اقتضى على الدول أن تتحرر من القوانين والضوابط ومن ثَمَّ القبول بانحسار دورها وسياستها وقدراتها على وضع ما تراه لمصلحة مجتمعها من ضوابط داخلية وخارجية.
وفي هذا السياق يقول عمار: “إن حرية التجارة اقتضت نمو حركة بيع القطاع العام وشركاته وبنوكه على أساس أن إدارة القطاع الخاص أكثر كفاءةً، لكن عوائد هذه السياسة قد انتهت إلى جيوب مجموعة من أصحاب رأس المال، وقد أدى البعض إلى المضاربات والمرابحات في سوق المال والبورصة المالية العالمية وإلى الاحتكارات لبعض السلع، أو إلى موائد القمار التي لم يكن لكثير من الدول النامية عهد بها أو بالتعامل معها”. كما يشير إلى سعي العولمة نحو إكساب أيديولوجيتها مسحةً من التدين واهتداء برسالة السماء في إنقاذ البشرية من دعاوى النظرية الكنيزية نسبة إلى كينز ومن تدخل الدولة في معالجة الركود الاقتصادي في حقبة السبعينيات وما قبلها.
كما يشير عمار إلى ما يرصده الكتاب من أوضاع بعض الدول التي حطمت العولمة كيانها القومي، ودفعت بشعوبها إلى أسوأ حالات الوجود الإنساني، كما يفصّل أحوال بعض الدول التي عايشت العولمة وعقيدتها زمناً ما، ثم سعت إلى اختيار نموذجها الوطني الملائم مثل نيوزيلندا والهند وماليزيا والصين وبعض دول أميركا اللاتينية، والتي أخذت تسيطر فيها ضوابط الدولة على إيجاد توازن بين انفتاحها للأسواق ومصالحها الوطنية. ويختتم المقدمة بقوله: “كنت وما زلت أتمنى أن يقرأ قادة الفكر الاقتصادي والسياسي هذا الكتاب، وبخاصة أولئك المسؤولين الذين يتولون إصدار قرارات نظامنا الاقتصادي المجتمعي من أنصار خصخص خصخص والذين يقول عنهم المؤلف في إحدى عباراته في وصف مآسِي العولمة نحن نضرب الطفل حتى يبكي، ثم نضربه مرة ثانيةً ليتوقف عن البكاء”.
يرى المؤلف جون رالستون سول أن العولمة ظاهرة ضارة أحدثت آثاراً سيئة بالعالم ككل وبالفقراء على وجه الخصوص، وتوقع أن تنهار هذه الظاهرة في غضون عدة سنوات، ولكن المشكلة كما يقول إن صعود الظاهرة أضر بالعالم، وأن سقوطها سوف يضر أيضاً بهذا العالم، وهو ما أسفرت عنه من انهيارات اقتصادية عالمية في صيف العام 2008.
ويقول سول إن سبعينيات القرن الماضي كانت بداية هيمنة العوامل الاقتصادية باعتبارها الحقيقة المطلقة، ثم تحوّلت إلى ما يشبه المعتقد الديني لدرجة أن بعض مروّجيها قالوا إنها المحرك الوحيد للتاريخ، وإن التقدم مرتبط بحرية التجارة وحرية السوق وإنه لا سبيل آخر لنمو الثورة إلا هذا الطريق. ومفهوم حرية التجارة هذا يشمل السلع والخدمات والأفكار والقيم والطموحات والإبداعات البشرية. ويوضح أن حرية التجارة اقتضت إضعاف دور الدولة والقوانين والضوابط حيث دعا البعض إلى إنهاء دور الدولة تماماً واعتبارها كائن منقرض ينتظر الموت. كما اعتبر دعاة العولمة أن القطاع العام قد عفى عليه الزمن وفشل في إدارة الاقتصاد على المستوى المحلي والعالمي، وأن القطاع الخاص أكثر كفاءة.
وقد لاحظ المؤلف أن هذه السياسة لم تحقق الوعود الزائفة التي بشر بها دعاة العولمة، بل انتهت إلى جيوب المضاربين وأصحاب روؤس الأموال وأدت إلى زيادة أعداد الفقراء والمهمشين، بل تسببت في تحطيم بنيان عدد من الدول النامية. وقد صاحب ذلك تغوّل الشركات العابرة للقوميات وأصبح بعضها أقوى من الدول القومية، وصاحب ذلك جرائم الفساد والغش والتلاعب، الأمر الذي انتهى أخيراً إلى إفلاس الشركات والبنوك العملاقة، ووقع العالم في أزمة مالية طاحنة لا يعرف حتى الآن كيف يعالجها أو يخرج منها.
وقد اعتمدت العولمة على عدد من المقوّمات التي ساعدت على رواجها منها صعود فكرة الليبرالية باعتبارها نهاية التاريخ، وسقوط المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي السابق، والتقدم الهائل في وسائل الاتصال، واستخدمت عدداً من مشاهير الدعاة الاقتصاديين والسياسيين وعلماء الاجتماع والإعلام في ترويج تلك الأفكار، ووصل الأمر أحياناً إلى القول إنها رسالة السماء لإنقاذ البشرية.
كما عمد دعاة العولمة إلى إضعاف الوازع القومي، وتقليص سيادة الدول، واعتبار التمسك بالسيادة الوطنية فكرة بالية. كما ادعوا أن حرية السوق والعولمة سوف تؤديان إلى الرخاء للجميع، دولاً وشعوباً، وأن هذا سوف يؤدي إلى إنهاء الديكتاتورية وشيوع الديموقراطية، ولكن حدث العكس تماماً، فازدادت أعداد الفقراء والمحرومين ولم يصل الرخاء إلا إلى القلة المتحكمة في روؤس الأموال.
وأدت العولمة إلى تحطيم الكيان القومي لعدد من الدول وتسببت في صراعات عرقية في أكثر من مكان في العالم، بينما اكتشفت دول أخرى باكراً زيف العولمة فسعت إلى اختيار نموذجها الوطني المناسب مثل الصين والهند وماليزيا ونيوزيلندا وبعض دول أميركا اللاتينية.

أقسام الكتاب
يقع الكتاب في 496 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من خمسة أجزاء بالإضافة إلى حواشٍ تضم تعريفاً بعدد من المصطلحات باللغتين الإنجليزية والعربية، وأجزاء الكتاب هي السياق، الصعود، الهضبة، السقوط، أين نذهب الآن، وفي إطار تلك الأجزاء الخمسة جاءت عدد من العناوين الفرعية.
الفكرة الرئيسة للكتاب هي تحذير المؤلف من تحوّل ظاهرة العولمة إلى ما يشبه الأيديولوجيا أو العقيدة الدينية حيث جرت المبالغة في الانفلات من النظم والضوابط، بدعوى تحرر التجارة والاقتصاد، مما أدى إلى إضعاف دور الدولة ومؤسساتها وقوانينها التي تكفل حماية النشاط الاقتصادي للمجتمع من أطماع الأفراد. وقد نبّه الكاتب في حينه من خلال الاستدلال بالأمثلة الواقعية إلى خطورة تكريس النشاط المالي على حساب الإنتاج، واعتبار النقود أصولاً أساسية بدلاً من اعتبارها وسائل للتعامل وأداة للتبادل، مما أدى إلى الأزمة المالية الأخيرة التي أصابت دوائر المال في الولايات المتحدة، وانتقلت تداعياتها إلى مختلف أنحاء العالم.
قسَّم المؤلف الكتاب إلى خمسة أجزاء كبرى تحيط بموضوع سقوط العولمة من كل جانب، وعلى كل أصعدتها: الاقتصادية والسياسة والثقافية، وكيف أثر مفكِّروها الكبار على العالم بإطلاق مقولاتهم عن العولمة واعتبارها الدين الجديد، ونهاية التاريخ.. إلخ، ما روَّجوه من قيم وعقائد أضّرت بالكثير من دول العالم، بل وأدَّت إلى انهيارها.

الخروج من الفردوس
جاء الجزءُ الأول، تحت عنوان “السياق” يتضمن عناوين جانبية.. منها جنة الفردوس، وكأن الكاتب يشبه العولمة بإبليس عندما أغرى آدم وحواء في الفردوس فأخرجهما من الجنة ثم تركهما يلاقيان مصيريهما في عالم مليء بالمخاطر والصعاب ولم يريا ما وعدهما به من خلود ونعيم دائمين.
يقول جون سول: “ظهرت العولمة إلى الوجود في عقد السبعينيات كأنما جاءت من لا مكان، ومع ذلك فقد بدت كاملة النضج!! وكأنما ترتدي ثوباً كامل الأوصاف والمعاني، يومها كان دعاتها والمؤمنون بها يتحلَّوْن بقدر لا يخفى من الجَرْأة ويطرحون أفكارَهم من منظور مدرسة معينة من مدارس الاقتصاد، قائلين: إن المجتمعات في طول العالم وعرضِه من شأنها أن تتجه إلى مسارات الإيجابية مستجدَّة الطابع ومتشابكة الاتجاهات، وهذه الرؤية ما لبثت أن تحولت لتصبح سياسات وقوانين على مدار السنوات العشرين التي استغرقها عقدا الثمانينيات والتسعينيات مدفوعةً بقوة من الحتمية التي ذاع صيتُها”.
ويضيف سول: “على أن هذه الفكرة البرَّاقة للعولمة باتت الآن تشحب وينزوي بريقُها، بل إن كثيراً من صفاتها انتهت بالفعل، وكم من شخصيات قيادية ممن درج أصحابها على القول بأنه ينبغي أن تخضع الدول القومية للقوى الاقتصادية إلا أن هذه القيادات باتت الآن تقول: إن هذه الدول لا بدَّ من مؤازرتها لكي تواجه الفوضى الضاربة أطنابها على صعيد العالم كله!!”.
ويقول إنه بعد مضي ثلاثة عقود أصبحنا قادرين على رصد النتائج التي تحققت، بينها عدد من النجاحات التي لا يمكن إنكارها، إلى جانب عدد مقلق من أوجه الفشل.
أما دعاة العولمة الذين ظلوا يرددون دعوة: الخصخصة ولا شيء غير الخصخصة فها هم يدركون أنهم كانوا على خطأ، وبدأ ينشب بين الاقتصاديين الخلاف الغاضب، من حيث إنهم منقسمون ما بين أهمية تخفيف أو تشديد قواعد ضبط الأسواق الرأسمالية، وثمة دول قومية قوية الشكيمة مثل الهند والبرازيل أصبحت ترفض التسليم بحكمة اقتصاديات العولمة.
أحلام أم كوابيس؟
وتحت عنوان موجَز “المستقبل الموعود”، يقول المؤلف: “بوسعِك أنك تتعرف على وعود العولمة، إذا، ما جُمعت في بوتقة واحدة، تلك الزمرة من الوعود المؤكدة والآمال المطروحة والذي ظلَّ يعرِب عنها القادة السياسيون والأكاديميون وأهل الرأي وقادة قطاع الأعمال والناطقون باسمهم منذ السبعينيات والتي تتجلي علي النحو التالي: سلطة الدول القومية إلى اضمحلال وهذه الدول كما نعرفها قد تصل حتى إلى حافة الاحتضار، وأن القوة في المستقبل ستصبح بيد الأسواق العولمة، وعليه فإن الاقتصاد وليست السياسة أو الجيش هو الذي سيشكل الأحداث الإنسانية، وهذه الأسواق المعولمة، وقد أضحت متحررة من المصالح الوطنية والقومية الضيقة ومن القواعد التنظيمية الكابحة سوف تعمل بالتدريج على تحقيق التوازنات الاقتصادية الدولية”.
وعلى ضوء ما سبق، فالنتيجة هي: أن العولمة شكلٌ محتومٌ من أشكال النزعة الدولية، يتم في إطارها إصلاح الحضارة من منظور قيادة الاقتصاد، والقيادة هنا لا يشكلها الناس، ولكن تجسِّدها السوق بوصفها القوة الكامنة لأداء الاقتصاد.
وفي الجزء الثاني يقول المؤلف: “من قبيل التبسيط البالغ أن يرتبط ظهور العولمة بفشل الكينزية، ومن الخطأ أن ننظر إليها كمجرد ردّ فعل للأزمات العديدة التي شهدها عقد السبعينيات؛ لأن ثمة تغيرات عميقة أخرى مهدت الطريق”.
ويضيف سول: “هذه الأزمات المروِّعة وقد أحدقت بها أزمات أخرى خلقت الاعتقاد العام في الغرب، بل وفي أنحاء العالم بأن نظام ما بعد الحرب انقضَّ بنيانه وأن القوة الأميركية كانت في حالة من الانكماش فيما كانت تواجه منافسة متنامية من أوروبا واليابان، وأن كثيراً من أرجاء العالم النامي يتطور بطريقة غير متوقعة، بعد أن كان العالم النامي ملكاً للقوى الكولونيالية منذ عشر إلى عشرين سنة خلَت من السنين. ومن واقع هذه الأزمات، نشأت مجموعة مركبة ومخيفة من حالات التضخم والكساد وهذه الحالات مجتمعة أنتجت شعوراً بالعجز بين ظهراني الصفوة، التي لم تتورعْ عن أن تنشر هذا الإحساس بشكل تلقائي”.

المسكوت عنه
في فصل “المسكوت عنه” يقول جون سول إن دعاة العولمة دأبوا على تقديمها للبشرية على أنها حتمية أيديولوجية وأنه لا طريق آخر سواها، وعليك أن تسلم بهذه الحقيقة – المزعومة – أولاً ثم تناقش ما شئت من تفصيلات بعد ذلك.
يقول المؤلف إن هالة الحتمية التي ظلت محدقة بالعولمة كانت من القوة لدرجة أنه حتى أهل المهن، الذين كانوا يعارضون في مجموعهم مثل هذه الأيديولوجيا صاروا مضطرين إلى أن يبدأوا معارضتهم بإبداء الموافقة، ومنهم على سبيل المثال اثنان من الاقتصاديين الحاصلين على جائزة نوبل وهما جوزيف ستجلتز الذي يقول: “لا نستطيع أن نتراجع عن العولمة فقد جاءت هنا لتبقى والمسألة هي تفعيلها”، وأمار تياسن الذي يقول “الحل غير المتاح هو ذلك الحل الذي يتعلق بوقف عولمة التجارة والاقتصاد”.
وانتقد سول هذه الحتمية المزعومة قائلاً “إن كثيراً مما يقال بأنه حتمي لا يعدو أن يكون نتيجة مبادرات لغوية ليس إلا”. ورأى أن الوقوع في أسر هذه القناعة يؤدي إلى نتائج وخيمة تماماً، وقال “تأمل كيف فُرض على الموازنات الوطنية أن تدخل بالحتم، ضمن نمط التخصص المالي عبر السنوات الماضية لتلبي مقتضيات الأسواق الدولية، وقد أدى ذلك في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الذي يعدونه منشأ نظريات الموازنة المالية الحتمية، تركت نفسها لأسوأ حالات العجز بأكثر مما شهده أي بلد على مر التاريخ”. وهذه الحتمية يعتبرها المؤلف “كذبة كبرى” لأن “رغبتنا في التصديق في حتمية الأشياء يمكن تلخيصها على أفضل وجه بوصفها متوالية الشمس التي لا تغرب قط “، والمشكلة أن الشمس تغرب دائماً”.
يقول سول: “لقد كان الفيلسوف الفرنسي توكفيل هو الذي تساءل عام 1835: “هل يمكن أن نصدق أن الديموقراطية التي أطاحت بالنظام الإقطاعي وأودت بسيطرة الملوك سوف تتراجع أمام التجار والرأسماليين”، وها نحن اليوم نشهد التراجع المكافئ أمام تكنوقراط القطاع الخاص والاختصاصيين بأسواق النقد والمدرسة المهيمنة من الاقتصاديين”.

تاريخ الاقتصاد أصبح ديناً
يقول المؤلف في فصل “موجز تاريخ الاقتصاد وقد أصبح ديانة”: “لك يكن أحد يدري حتى منتصف القرن التاسع عشر بإمكانية أن يتحول الاقتصاد ليصبح مصدراً من مصادر الحقيقة الحضارية”.
ويرى أن ما نكتشفه في أنماط التبشير بالعولمة “هو نوع من القناعات أولاهما تتمثل في النزعة الدولية الاقتصادية التي تعبّر عنها صراحة التجارة الحرة وهذا اعتقاد راسخ تشوبه مسحة بروتستانتية وتوراتية، وهذا هو العامل الذي يدفع الأفراد الأسوياء إلى أن يبادروا بصراحة لكي يعتنقوه ويبشروا به، القناعة الثانية أكثر تنوعاً وربما جاءت محصلة للأولى، وهي تتعلق بالأمر البديهي، بمعنى أنها القناعة التي لا بد من التسليم بها، فالاعتقاد قائم وموجود، ولكن الأمر كله يتطلب فقط معبداً تتردد في جنباته تراتيل المتعبدين”.
وقد استخدم أنصار العولمة لغة دينية تماماً في الحوار مع الآخرين أو في نشر أفكارهم يصفها المؤلف بأنها اللغة الدينية الجديدة بمعنى لغة الاختصاصي المتجرد الذي ينهض وقد أحدقت به كتائب تبدو في إهاب قرائن تستند إلى حقائق، كان ذلك سلوكاً “جيزوتياً”(كهنوتياً) ولكنه قابل لتفسيرات شعبوية، وما عليك سوى أن تتعامل معه على أنه نسخة معدلة من شعار “إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون”، وكأنها حقائق تقول إن الرب -بزعمهم- كفيل بسحق الكفرة المارقين، حيث يتجلى المنطق المطلق الذي سبق أن اتبعه كوبدن مدعياً امتلاك زمام الحقيقة والسيطرة على قوى الحتم التي تشق طريقها بلا هوادة.
ويرى كوبدن وهو أحد مفكري العولمة “أن أي قانون يعارض العولمة إنما يتدخل في حكمة العناية الإلهية، ويحل قانون الأشرار محل قانون الطبيعة”. ويصل الأمر إلى أن يقول فرنسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”: “ثمة عملية أساسية تفعل فعلها وتفرض نمطاً مشتركاً من التطور على جميع المجتمعات”.
ويستشهد المؤلف برأي الفيلسوف جورج شتاينر بأن “ما يحدث اليوم هو أصولية تتحرك بخطى عمياء، وإنها أصولية دينية اقتصادية شبيهة بنزعة السكولستين التي شهدتها أوروبا في العصور الوسطى”.

مظاهر نجاح: حرية ورخاء
ويعتقد الكاتب أن الأمر انطوى على عديد من تطورات إيجابية كانت تحدث في الوقت نفسهز كان هناك طموحان أساسيان في مجال الديموقراطية الغربية، هما: التعليم الشامل والرعاية الصحية المتكافئة، وكلاهما يعدّ من أُسُس حرية ورخاء المجتمع، وقد قطعَا أشواطًا تاريخية إلى الأمام، وجاء ذلك في معظمه بفضل النظم التي توافرت عليها الحكومات، فكانت التحيُّزَات العرقية والحواجز القديمة تتساقط على الجبهات كافة، المرأة كانت تكسر الحواجز إلى حيث حصون الرجل ثم تتداخل فتنفذ إلى النظامين العام والخاص، الأفراد الذين كانوا مهمَّشين لأسباب شتى كانوا يندمجون تدريجياً في أطر المجتمع بدرجات متفاوتة، الخطاب العام في الديموقراطيات الغربية، بل -وإلى حد ما في معظم المستعمرات حديثة التحرر -كان ينفتح وتتسع قواعده بشكل قلما كان مسبوقًا من قبل.
ورغم الطريقة المباغِتَة التي عمدت فيها القوى الكولونيالية إلى تحرير إمبراطورياتها والتخلي عنها، فإن كثيرًا من الدول الجديدة كانت تجرّب نَهجًا مستجدًّا في أسلوب إدارة الحكم أتاحت للهند وقتًا لكى يتأملوا طموحاتهم الواسعة بدلا من خضوعهم إلى طموحات معاد تشكيلها جاءتهم من الغرب.

العولمة وتفكُّك القوميات
وفي الجزء الثالث من الكتاب أوضح المؤلف أسباب شعور المؤمنين بفكر العولمة بالارتياح إزاء ما حققوه خلال السبعينيات والثمانينيات وما بعدها حتى التسعينيات من نجاح بما يمارسونه من إصلاح بعد آخر، مثل تخفيض الجمارك، ونموّ التجارة، والتحرر من الضوابط والتحول نحو الخصخصة وتخفيض معدل الضرائب المفروضة على النصف الأعلى من قمَّة المجتمع، وكان ذلك نجاحًا بالنسبة لفكرة العولمة وبالنسبة للسوق وصَاحَب ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1989، فقد جاءت نهاية النظام السوفياتي بمثابة نصر مؤزَّر للعولمة.
يقول المؤلف: “هكذا كان المناخ السائد خلال أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، مناخًا إيجابيًّا للعولمة إلى حدٍّ كبير، وعندما لاحت خيباتُ الأمل، كان الردّ هو: أعطونا مزيدًا من الوقت!!.. ولكن إذا أمعنت النظر بعين محايدة لأصبح بوسعك أن تلمح تحركات متناقضة إلى حدٍّ كبير: صحيح أن العولمة كان يشتد ساعدها باستمرار، ولكنها كانت أيضًا تتحلَّل وتتفكك أواصرها ثم تتراجع خطاها”.

عودة القوميات
وبخصوص تفكك القوميات أمام العولمة يقول المؤلف: في عام 1991 عاودت نزعة القومية ظهورها على غير انتظار ولكن في أسوأ صورها، كان أشد دعاة العولمة السياسيين يتَّبِعُون نهجاً ثنائيا. ظلُّوا يتكلمون بغير انقطاع عن التكامل الاقتصادي الدولي، وفي الوقت نفسه كانوا عاكفين على كَبس الأزرار القديمة لقومية القرن التاسع عشر من أجل أن يكسبوا الانتخابات، كان هذا واضحًا في حالتي: رونالد ريغان ومرغريت تاتشر “رواد العولمة”. وحدث ذلك في إيطاليا فضلًا عن نمو النزعة الشعوبية الزائفة في كثير من المناطق من العالم.
ومع أوائل التسعينيات لاحت علامات متزايدة بشأن أقوام كانوا على مشارف الإحساس بالاغتراب في عالم تسوده نظريات العولمة المجردة، فجاء الارتدادُ إلى النزعة القومية في صيغتها العتيقَة.
وأشار المؤلف إلى الحالة اليوغوسلافية وانفصال سلوفينيا، وكرواتيا والبوسنة والهرسك، ومن علامات هذا التفكك أيضاً ما كان يتمثل في تزايد الانفصال بين نظام العولمة وحياة الناس.
ولم يكنْ أي مسئول أو لأي من دعاة العولمة قادراً على تدبر أمرِ هذه الظواهر بوصفها فشلًا لنظرية العولمة. تجلَّى ذلك في اتفاق دايتون الذي تم تكييفه من واقع نموذج الزعماء القوميين في البوسنة!! وكذلك جرائم الإبادة الجماعية في رواندا، حيث قُتِل ما بين نصف مليون ومليون من البشر دون تحرك العالم المتقدم!!
ويقول المؤلف: “خلال كل هذه الكوارث، أين كانت إذًا جميع القوى القادرة والمؤمنة بالحتمية الاقتصادية؟!”.

انهيار العولمة
وفي الجزء الرابع تحت عنوان السقوط، يقول المؤلف: “بدا الأمرُ وكأنما ساد الساحة ارتباكٌ واسع النطاق وربما كان الأهم هو الانطباع الأوسع بأن حقائق العولمة الكبرى لم تجدْ طريقَها إلى التجسيد.
وربما كان أبسط الأمثلة ما تجسَّد نتيجة ذلك التوسع في خصخصة شركات الدولة. وكذلك بالنسبة إلى المبالغ الطائلة التي حقنوا بها الخزائن الحكومية في أنحاء العالم، بدأت هذه المبالغ تتبخر دون أن تخلق أي أثر، ولا صعوداً اقتصاديّاً، وكان أسوأ ضروب الفشل، هو الاعتراف بالانفصال بين التجارة والنمو، وكذلك الانفصال بين النقود والنموّ.
ومع منتصف التسعينيات كان هذا النظام العقائدي ينهار، وحينئذ استمع الناس إلى أصوات المعارضين. ومن أوضح العوامل التي دفعتهم إلى التشكك في صواب العولمة ما رأوه من عجز نظريتها عن زيادة الثروة، وكذلك عجزها عن الحفاظ على جانب العمالة، لقد كانت فترة العولمة إحدى فترات زيادة البطالة!!
ويستعرض المؤلف التسلسل الزمني للانحدار، لأحداث لها دلالاتها بدأت عام 1995. فيقول: كانت تلك سنةً فاصلة، فقد وقعت أربعةُ أحداث محدَّدة جاءت لتفيدَنا بأن العالم يشهد اتجاهًا جديدًا، عام 1995، كان هناك أزمة التكسيلا ونعني بها انهيار المكسيك، وسقوطها من ذروة المجد الدولي إلى قاع كارثة وطنية، ثم جاء مصرف التنمية للبلدان الأميركية ليعزِّز التصورات بأن التجربة الاقتصادية الجديدة لم تكن تؤدي دورَها.
وعام 1996 اتضح أن النزعة القومية كانت على طريق العودة للقومية في كل أنحاء العالم، فقد جاءت انتفاضة الشيشان لتصبح حربًا كاملة، حيث لقي مصرعهم خمسون ألف فرد في ثمانية عشر شهراً!! وكذلك فإن المسار الدولي كان يتجه صوب نوع من القومية الأكثر استنادًا إلى الدين، كما في إسرائيل، والهند، وتركيا.
وفي عام 1997 أصبح واضحاً كيف أن الأمور خرجت عن السيطرة، وفي أواخر تلك السنة، بدأت إشارات التنائي بعيداً عن نظام العولمة تبدو على ماليزيا.
وفي استمرار التسلسل الزمنيّ للانحدار، بدأت قوى الطرد المركزي تتسارع خُطاها.
وفي عام 1999 اكتسبتْ مفرداتُ العولمة في النطاق العام طابعًا سلبيًّا ودفاعيًّا، وكان لي كوان يو، زعيم سنغافورة يحذر من أن العولمة يمكن أن تبدِّدَ القيم الأصيلة التي جمعت بلدنا على صعيدٍ واحد.

الفجر الكاذب
الذين روجوا للعولمة قالوا إنها ستؤدي إلى رخاء العالم كله، وتقليل عدد الفقراء وحل أزمة الديون وإن هذه أحلام تقتضي التضحية بنمط الدولة القومية أو التركيب التقليدي للنقابات والمؤسسات الوطنية. ولكن بعد عقدين من ظهور العولمة، كانت المحصلة مؤسفة. يقول جون سول: “كانت النتيجة هو الوصول باقتصاديات معظم الدول وخاصة دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض دول آسيا إلى حالة من التوقف، ومعظمها لا يزال حتى الآن شبه متوقف لما يقرب من 20 سنة”.
ويضرب المؤلف عدداً من الأمثلة استناداً إلى إحصائيات رقمية قائلاً “في الفترة من 1950 إلى 1980 أي قبل العولمة ارتفع نصيب الفرد مثلاً في أميركا اللاتينية بنسبة 12.4% سنوياً. أما في الأعوام من 1980 إلى عام 2000، أعوام ذروة العولمة، انخفضت تلك النسبة إلى 0.4%، وفي أفريقيا ارتفع في الفترة من 1950 إلى 1980 بنسبة 1.8% وما لبث أن انخفض في الفترة من 1980 إلى عام 2000 بنسبة 6.2%”.
وهناك إحصاءات بغير حصر لهذا النوع وكلها تحمل الرسالة نفسها، أن حقبة العولمة دمرت أصقاعاً واسعة النطاق في العالم، وأشد الأرقام إيلاماً تقول لنا أولاً أنه بحلول التسعينات كانت أفقر البلدان تنوء بديون لم تكن قادرة على خدمتها، إلا بأن تدمر نفسها، وتقول ثانياً: أن هذه الديون لم يطرأ عليها تغيير حقيقي حتى اليوم رغم ما يثار في الغرب من أحاديث، وما يطرح من طائفة واسعة النطاق من الحلول الجزئية، وفي كل الأحوال فقد تدهورت الأحوال السياسية والاجتماعية، وتم تخفيض البرامج الصحية والتعليمية، حيث أن القاعدة الدولية المطبقة، أو هكذا تبدو، أن المتاح ليس سوى حيز ضئيل لتنفيذ مثل هذه البرامج، إذا كان الأمر يقتضي خدمة الديون.

أين نذهب الآن؟!
أما الجزء الخامس فجاء تحت عنوان “وأين نذهب الآن؟!” فكانت عناوينه: الفراغ الجديد.. فترة فاصلة من علامات الاعتدال، هل عادت الدولة القومية؟ القومية السلبية، تطبيع الحرب غير النظامية، القومية الإيجابية.
وفيه يرى المؤلف عكس ما كان يتوقع مفكرو العولمة، من ضعف القوميات وذوبانها، حدث ما لم يكن من السهل استيعابه، ففي غضون بضعة أشهر من انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط سور برلين أن خرجت إلى الوجود خمس وعشرون دولة قومية جديدة!! ومع نهاية القرن العشرين أصبحت القومية والدول القومية أقوى مما كانت عليه عندما بدأ عصر العولمة، وما زال هذا عنصراً غلاباً بينما نتعثر نحن داخل الفراغ الذي نعيش فيه.
فالإيمان بحقائق الاقتصاد العولمي ما لبثَ أن تقلص إلى حيث يتبدَّد، ويؤكد المؤلف على أن للقومية أشكال إيجابية وأخرى سلبية، وأن جميع أشكال القومية تتعلق بشعورٍ من الانتماء، وفي هذه الحالة تتخذ شكلًا إيجابيًّا بحيث الانتماء يؤسِّس الالتزام بالتواصل وبتخيل الآخر في إطارٍ من القبول والتعددية.
ولكنها يمكن أن تتخذ شكلًا سلبيًّا إلى حدِّ الإغراق في النزعة العرقية وجعل الانتماء تعبيرًا عن الاستعلاء والاستبعاد، فالشكل الإيجابي للقومية يرتبط بالثقة في النفس والانفتاح، وبفكرة الصالح العام.
أما الشكلُ السلبي فينطلق من مشاعر التوجس والغضب ويتصل بقناعة يائسة بأن حقوق أمة لا تتجسد سوى بالمقارنة بحقوق أمة أخرى.. كما لو كان الأمر احتدام منافسة لا تنتج سوى رابحين وخاسرين.
ومنذ عام 1995 وما بعده ما زال من السهل متابعة صعود النزعات القومية بشكلها الإيجابي والسلبي ويتعين أن يحتدم القتال بينهما من جديد، فهل هذا يعني أننا ندخل في حقبة قومية جديدة؟
الإجابة كما يقول سول هي: أننا لا نعرف الإجابة بعد، وما نعرفه هو أن القوى التي سوف تشكِّل علي الأرجح الحقبة الجديدة تبدو ظاهرة، وقد لاحت للعيان، ولكنها ما زالت في حالة سيولة ولم ندخلْ بعدُ مرحلةَ التشكيل.

وفاة العولمة
يحدد المؤلف عام 2003 بأنه عام انكشاف زيف العولمة، وخروج عدد من الدول والرؤساء على هذا النظام أمثال الهند وماليزيا والصين والبرازيل، ومن ثم إعادة الاعتبار للنزعة الوطنية والقومية، وأنه بحلول عام 2005 كان قد تم التأكد من وفاة العولمة. ومنذ عام 2001 تزايدت أخبار الانهيار الاقتصادي حيث أصاب التدهور الحاد الأعمال التجارية التي تستخدم التكنولوجيا الرفيعة على مستوى العالم.
وكانت قطاعات الحواسيب الإلكترونية في أسوأ أحوالها رغم حياتها القصيرة، وكذلك قطاعات السفر الجوي حتى في ضوء معاييره الكارثية، وبعد تحريره من أي ضوابط، وكان تسريح الموظفين في كل الاتجاهات. وثبت خطأ القول القائل بأن الشركات عبر الوطنية أصبحت هي الدول القومية الجديدة، وقد عادت الحكومات التي تسلمت مقاليد الدول القومية، عادت من جديد لتتسلم مقاليد السلطة. وتجرأ مهاتير محمد رئيس ماليزيا عام 2003 حيث أسهب في نقد سياسات العولمة وتباهى بنجاح ماليزيا عقب اتباعها نموذجاً وطنياً، لم تعد العولمة ديناً جديداً، أو حتمية أيديولوجية بل مجرد تجربة فاشلة تخضع للنقد.
وعلى نفس المنوال قال دي سيلفا رئيس البرازيل إن هناك نوعاً جديداً من الشعبوية المستندة إلى الدولة القومية، وكان ذلك رفضاً للحكمة التقليدية للعولمة. وبعبارة أخرى أعلنت النماذج الحديثة من الديموقراطية أن الحكم الأخير للدولة القومية وليس للاقتصاد وأن الدولة القومية والمصلحة الوطنية والمحلي مقابل العولمي هي النهج الذي نستند إليه كمنظور نطل منه لكي نتعامل مع الإجراءات الدولية.
وبحلول 2005 اُختزلت تماماً الافتراضات القديمة بحتمية الاقتصاد وتبدد بشكل عام ذلك الإيمان بقيادة الشركات ثم عودة السياسة لكي تملأ الفراغ.
في الفصل الأخير بعنوان “القومية الإيجابية” يقول المؤلف: “نحن محاصرون في إطار لعبة بشرية، لم تكتمل بعد فصولها. وبصورة من الصور فالحالة أسوأ مما نحن على استعداد للاعتراف به، فالإشارات الدالة على القومية السلبية تحدق بنا من كل جانب في مجتمعاتنا. ومع ذلك، فكم نحرص على ألا نتعرف عليها، إلا على أساس كل حالة على حدى، كي نتجنب الشعور بحدوث أي تطور يشهده هذا المجال، كما أننا نخفف كثيراً من تصورنا لمستويات العنف المنظم حول العالم. كيف؟ عندما نتبع نصيحة هانتنغتون فنقتصر على إحصاء الموتى، الذين يسقطون في مجتمعاتنا، أو فيما صوّره هانتنغتون بأنها خضارتنا التي تميزنا عن سوانا”.
ويعتبر أن العولمة ظلت تدور دائماً حوول تبسيط التجربة الإنسانية، مما جعل من الصعوبة بمكان على الديموقراطية أن تتعامل مه الحقائق الفردية بطريقة بناءة. وعلى الرغم من أن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي أصلحت نفسها، إلا أنها لا تزال تتطلع إلى حلول كبرى. ويرى أن التحدي الماثل اليوم يتسم بالتعقيد والأهمية في آن معاً. وقد لا نشهد حالياً نهاية فترة العولمة، ولكننا نشهد أيضاً نهاية الفترة العقلانية الغربية، بكل إصرارها على التمسك بوجود هياكل وحيدة الجانب جلية المعالم، بشأن كل موضوع.
ويرى المؤلف أن ما يحتاجه وضعنا الحالي هو بالضبط ما وصفه آدم سميث بأنه المصلحة العامة وهو ايضاً الخيال الذي طالب به توكفيل، بقدر ما أنه النزعة الإنسانية التي تكلم عنها رورتي. ومن شأن قراءة تقليدية لهذه العبارات، أن تدفع البعض للقول بأنه ما بدأ بتبيان عودة الدولة القومية، إلا لكي يتراجع عن هذا القول. لكن الحقيقة على خلاف ذلك، فكلما زاد تعقيد علاقاتنا القومية والدولية، زاد عدد من يحتاج منا للانطلاق من أدق مشاعر الانتماء، سواء ليشغر في وطنه بالارتياح، أو ليجد سبلاً متعددة كي يشعر بالارتياح، في إطار التعامل مع أوسع تشكيلة من البشر والظروف.
ويشير المؤلف إلى أن الدعوة الشائعة اليوم تقول بتدارس القيم، وهو أمر لا يزال ملتبساً بالنسبة إليه، وإن كان يردد صدى من قومية القرن التاسع عشر، التي كانت تتوخى خدمة نفسها، في حين أن من الأفضل التركيز على قضية أكثر واقعية مثل خدمة الصالح العام. وقد ذكر آدم سميث “إنه ليس بالتأكيد مواطناً صالحاً ذلك الذي يعزف عن استخدام كل ما يسعه من إمكانات، لكي يعزز رفاه المجتمع بأسره حيث يعيش رفاقه المواطنون”.
وييضيف سول: “وإذا كان الذين يتعارفون (من شعوب وأمم) سوف يسهرون على مصالح مواطنيهم، فإن عليهم أن يتعلموا شيئاً غير متوقع بخصوص تعامل كل منهم مع الآخر، وربما بخصوص الاختلافات التي تميز كلاً منهم، فإذا لم يعرف الناس بعضهم بعضاً كما ينبغي، ربما لأنهم جاؤوا من ثقافات مختلفة، ثم عملوا على خدمة مصالح مواطنيهم، فربما يكتشفون من بعد أن القيم التي ينطلقون منها هي قيم متماثلة”. ويختم الكاتب أن في كلا الحالتين تتجلى القومية الإيجابية، فتنهض حقاً بالمهام الموكلة إليها

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *