الجمعة , أغسطس 18 2017
الرئيسية / كتب / في مدارس الخلافة: إصدارات “داعش”.. إنتاج وإعادة إنتاج العنف

في مدارس الخلافة: إصدارات “داعش”.. إنتاج وإعادة إنتاج العنف

بقلم: عقيل سعيد محفوض* —

الكتاب: داخل الفصول الدراسية للخلافة: الكتب المدرسية، الأدب التوجيهي، وطرق التلقين الخاصة بـ “الدولة الإسلامية”.
الكاتب: يعقوب أولدورت.
الناشر: معهد واشنطن، آب/أغسطس، 2016، 78ص.

ISIS_class

على الرغم من الاندفاعة الملغزة لتنظيم “داعش” التي تمكن فيها من السيطرة على جغرافية كبيرة نسبياً بين العراق وسورية، وعلى الرغم من التساؤلات الكثيرة عن مصادر تلك الاندفاعة، إلا أن جانب التعليم كان أقل تركيزاً، مقارنةً بجوانب الفقه، والسياسة، والحرب أو القتال، الخ، ولم يتم التدقيق جدياً في السهولة النسبية التي تمكن فيها التنظيم من السيطرة على تلك الجغرافيا الواسعة، بشرياً أو اجتماعياً، وأدواته النشطة والمتطورة في التأثير والتغلغل في البناء الاجتماعي.
يبدو التعليم وما يسمّى الدعوة والإرشاد، أحد مصادر قوة التنظيم، وهو بمثابة “بنية تحتية”، وأداة إنتاج وإعادة إنتاج، أو أداة تجديد للتكوين الاجتماعي والرمزي وحتى السياسي والعسكري، إذ تتعدى مهمته الحفاظ على التكوين الاجتماعي الموالي للتنظيم إلى إعادة رفده بموارد اجتماعية جديدة. ولم تقع أيديولوجيا “داعش” على تربة غريبة، فقد وجدت البيئة المناسبة، بل إن “داعش” هي نتاج بيئة اجتماعية محلية وإقليمية وشبكات دعم وإسناد على مستوى العالم.
وكلنا يعلم كيف أن دراسات وسياسات ما بعد 11 أيلول – سبتمبر 2001 ركزت على المصادر الثقافية للإرهاب، ولكنها “سكتت” عن مقتضيات ذلك، لاعتبارات عديدة، منها ما يتصل بالتحالف المديد والعميق بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي ذي الاتجاهات السعودية والوهابية. ولا يزال الجدال داخل الولايات المتحدة الأميركية حول ما يجب على واشنطن فعله حيال انفلات “سعودة” الإسلام وتسييسه عن السياق، وتداعياته الراهنة والمحتملة، والتي تتجاوز المنطقة العربية والشرق الأوسط إلى العالم.
كانت حركات الإسلام السياسي أكثر تنبهاً لأهمية استخدام التعليم في نشر أيديولوجيتها، ويبدو أن الكثير مما جرى على هذا الصعيد، كان بمثابة تمهيد وتوطئة للتطورات اللاحقة، أو لنقل بتعبير آخر، إن “داعش” والتنظيمات الجهادية والتكفيرية الأخرى قامت بتحويل استراتيجيات “الأسلمة” من المستوى الاجتماعي إلى المستوى السياسي والعسكري أو المستوى “الدولتي” أو “الخليفي”!
وهكذا فإن تنظيم “داعش” لم يجد صعوبات كبيرة في تكييف المناهج الدراسية والتدريبية، وأنماط التعبئة والإعداد الإيديولوجي.
نناقش هنا دراسة أصدرها قبل أيام معهد واشنطن المعروف باتجاهاته اليمينية والموالي لإسرائيل، بعنوان “داخل الفصول الدراسية “للخلافة”: الكتب المدرسية، الأدب التوجيهي، وطرق التلقين الخاصة بـ”الدولة الإسلامية ” للكاتب يعقوب أولدورت تتناول الكتب المدرسية التي يصدرها التنظيم، بالإضافة إلى أنماط مختلفة من الإصدارات التعليمية والدعوية والإعدادية، الورقية منها أو الرقمية، ولو أنه يركز بصورة خاصة على الكتب المدرسية.
ولكن ما الذي يمكن أن يقدمه هذا النمط من الدراسات، وما الذي يجب البحث عنه في سياسات التعليم والإعداد والإرشاد لدى التنظيم؟
تحاول الدراسة تقصي ما يمكن لتلك الإصدارات أن تقدمه للتنظيم، وتناول طريقة التنظيم في إعداد ونشر أنماط مختلفة من الإصدارات (كراسات، كتيبات صغيرة، كتب عادية، مجلدات، بوسترات، مقاطع يوتيوب، الخ) التي تقدم مقولات سياسية تستند بكيفية ما إلى مرجعيات دينية من بيئة القرون الوسطى، ولو أن التنظيم ليس أول من أنتجها، وإنما هو أعاد إنتاجها أو قولبتها في إطار استراتيجيته “الخليفية” العابرة للدول.
تتناول الدراسة نمطين من الإصدارات، الأول يضم كتب التنظيم المدرسية التي نُشرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، والثاني يشمل الكتب والإصدارات الإعدادية والتوجيهية حول الطقوس الدينية، والسلوك والمعاملات، بالإضافة إلى كتب إعداد المقاتلين عقدياً وبدنياً وعسكرياً، وبالإضافة إلى نصوص منظري التيارات التكفيرية و”الجهادية” المسلحة، وخلفائهم، من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب إلى أسامة ابن لادن.
وتتسم لغة الإصدارات المذكورة بتمجيد للغة العربية الكلاسيكية، والتعابير والرسوم والأشكال التمثيلية والأنماط التعبيرية القديمة، وكثرة الأحاديث الدينية والسرديات والمرويات التاريخية التي تنطلق من أولويات مذهبية وتكفيرية حادة.
تتألف الدراسة من ثلاثة أقسام، الأول يصف دار نشر التنظيم والذي يسمّى “مكتبة الهمة”، وأنشطته. والثاني يتناول الكتب المدرسية للتنظيم ويقارنها مع المنهج الديني السعودي. والثالث يتعمق في أعمال أخرى صادرة عن التنظيم من بينها إصدارات إرشادية مختلفة الأشكال والأحجام عن الالتزام بالطقوس، وتعليمات للمقاتلين، أموراً أخرى.
وتختم الدراسة بتقديم مجموعة من الملاحظات والاستخلاصات السياسية، فضلاً عن ملاحق لعناوين الكتب والإصدارات، وترجمات منها، وصوراً مختلفة، ومعجم مصطلحات يستعمله التنظيم في منشوراته. ويمكن تركيز الاستخلاصات الرئيسة للدراسة في النقاط التالية:
– تكشف الكتب والمنشورات عن طريقة عقدية منظّمة للتبرير العقائدي لأهداف التنظيم وهي: تشجيع العنف، قيادة سردية تدميرية، تأسيس “دولة إسلامية” خالصة ووصفها بالخلافة.
– تنقسم الكتب المدرسية إلى نوعين: كتب تعالج مواضيع دينية (القرآن الكريم، العقيدة والقانون والحديث)، وذلك من منظور سلفي متطرف، وكتب تعلّم المعارف العامة والمهارات (الاستعداد البدني والرياضيات والنحو) طبعاً بما يخدم أهداف التنظيم، وفيما يخص الاستعانة بمراجع إسلامية لدعم المشروع “الداعشي”.
– تشمل المنشورات الإعدادية والتوجيهية (عن الالتزام بالطقوس) إلى جذب المتلقين المسلمين إلى تنظيم “داعش” من خلال إعداد تمثيل الإسلام الأصيل، والتراث التقليدي.
– إعادة تعريف الإسلام وفقاً للنظرة السلفية للعالم، والتي تمزج بين “الصفاء” السلفي وبين تمكين التنظيم باعتباره الجهة المطبِقة للإسلام.
– كل من يعيش خارج أراضي التنظيم أو يرفض الدفاع عن قضيته ليس مسلماً حقيقياً. كما يُعتبر الرضوخ لتنظيم الدولة واجباً ملزماً من الناحية القانونية.
– تعزيز أنماط معينة من الوعي بالأحوال السائدة والقدرة على استجابات معينة أيضاً.
– يقدم التنظيم إصدارات ترويجية ودعائية مختلفة، باختلاف الشرائح المستهدفة، مثل الطلاب، المقاتلين، صغار السن، كبار السن الخ.

لعل السمة الرئيسة لمناهج وإصدارات التنظيم هي كونها تتسم في إطار سياسات دوغماتية متطرفة، أي أنها تركز على “الأنا” وترفض أو تكفّر “الآخر”، وتعزز الفروق والخلافات وتقيم الجدران في مواجهة “الآخر”. وتتمحور حول “الخلافة” وفقاً للمخيال والسرديات الإيديولوجية السلفية، وليس مقتضى الواقع والتاريخ، والأهم أنها تركز على البعد الإعدادي والتوجيهي للحرب التي يخوضها التنظيم بالمعنيين الرمزي والقيمي من جهة، والعسكري من جهة أخرى.
تتطلب ظاهرة “داعش” والتنظيمات المشابهة المزيد من التقصي ودراسة مصادر السلوك، بقصد التعرف على “سر” أو “أسرار” نشوئها وعوامل قوتها، وخاصة في الجوانب التربوية والتعليمية والدعوية، بالإضافة إلى الجوانب السياسية والاقتصادية وغيرها، الأمر الذي يقتضي المزيد من الموارد المادية والمعنوية لمواجهة واحدة من أخطر مصادر التهديد للمجتمعات في المنطقة العربية والشرق الأوسط وصولاً إلى العالم.

*باحث سوري.

المصدر: الميادين نت

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

“موسوعة التطرف”: 535 شخصية من “القاعدة” و”داعش” والسلفية الجهادية في العالم

صدر عن “مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية” في بغداد، بالاشتراك مع دار الرافدين في بيروت، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *