الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / تحقيقات / هكذا ستكون أول مئة يوم من حكم لوبان
المرشحة للرئاسة الفرنسية، مارين لوبان (AFP)

هكذا ستكون أول مئة يوم من حكم لوبان

بقلم: عبد الاله مجيد — أعدت مجلة “بوليتيكو” الاميركية سيناريو لأول 100 يوم من عهد لوبن بعد ساعات من الحوارات اجرتها المجلة مع مسؤولين كبار في حزب لوبن ودبلوماسيين اوروبيين ونواب في البرلمان الاوروبي ومحللين ماليين وخبراء سياسيين بالشؤون الفرنسية ومواطنين اعتياديين.  وكانت النتيجة سيناريو أزمة دائمة تمتزج بفترات طويلة من شلل المؤسسات منذ اليوم الأول لانتخاب لوبن في 7 مايو.

لندن: هذه هي اللحظة التي كانت النخبة الفرنسية الحاكمة تتمنى ألا تراها ابداً: الرئيسة المنتخبة مارين لوبن تمشي على بساط أحمر الى بوابة قصر الاليزيه.

اليوم 14 مايو 2017 ، بعد اسبوع على فوز زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف على منافسها الوسطي ايمانويل ماكرون في الجولة الثانية والنهائية للانتخابات الرئاسية.  مراسم نقل الرئاسة لا تستغرق إلا دقائق، وهي عملية تسلم وتسليم لم يُعرف لها نظير في تاريخ فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.  فالرئيسة الجديدة تريد قيادة فرنسا في اتجاه جديد تماماً، بما في ذلك إخراجها من الاتحاد الاوروبي وإعادة كتابة الدستور وتوجيه سياستها الخارجية نحو التقارب مع روسيا.  ولا تملك فرنسا والعالم معها الآن إلا ان تتابع وتتساءل يا تُرى كم من أجندة لوبن ستكون الرئيسة قادرة على تنفيذه؟

شغل احتمال صعود مارين لوبن التي درست القانون الى الرئاسة مخيلة فرنسا منذ تسلمت قيادة حزب الجبهة الوطنية من والدها جان ماري لوبن في عام 2011.  ويقول محللون ان الأسواق لم تدرك حتى الآن خطر انتخاب لوبن الذي يعني ان “تصحيح” مواقف فرنسا بعد انتخابها سيكون جذرياً وحاداً بصفة خاصة.

تتفق الاستطلاعات حتى الآن على ان فوز لوبن في الجولة الحاسمة مستبعد.  ولكن هناك سيناريو ليس فيه مبالغة يمكن ان تفوز فيه برئاسة فرنسا.  ولمثل هذا الاحتمال البعيد تداعيات لا يمكن تجاهلها لا سيما للمستثمرين الذين اشتروا ما قيمته مئات المليارات من سندات الحكومة الفرنسية والأسهم في شركات فرنسية.

فما الذي يجب ان ينتظره العالم من الرئيسة لوبن؟  يتعهد برنامج حملتها بإحداث تغيير جذري يبدأ بإعادة كتابة الدستور وتطبيق مبدأ “التفضيل الوطني” للمواطن الفرنسي في التوظيف والسكن والاعانات الاجتماعية ، والعودة الى الفرنك عملةً وطنية ، وغلق حدود فرنسا وتعليق مشاركتها في منطقة حرية السفر بين دول الاتحاد الاوروبي، والانسحاب من القيادة المشتركة لحلف الأطلسي، وخفض الهجرة الى عُشر مستواها الحالي.

ولتنفيذ هذا البرنامج يتعين على الرئيسة الجديدة ان تعزز سلطتها بالسيطرة على مجلس النواب في انتخابات يونيو المقبل أو بتعديل النظام لتمكينها من الحكم بقاعدة تأييد ضيقة للغاية.

سيناريو لأول 100 يوم

في ضوء هذه التحديات اعدت مجلة “بوليتيكو” الاميركية سيناريو لأول 100 يوم من عهد لوبن بعد ساعات من الحوارات اجرتها المجلة مع مسؤولين كبار في حزب لوبن ودبلوماسيين اوروبيين ونواب في البرلمان الاوروبي ومحللين ماليين وخبراء سياسيين بالشؤون الفرنسية ومواطنين اعتياديين.  وكانت النتيجة سيناريو أزمة دائمة تمتزج بفترات طويلة من شلل المؤسسات منذ اليوم الأول لانتخاب لوبن في 7 مايو.

من المرجح ان يستيقظ الفرنسيون صباح 8 مايو على اضطرابات في الضواحي الفقيرة التي تكتظ بالمهاجرين مع هجمة مالية شرسة على الأسهم والسندات الفرنسية.

ويتوقع بنك جي بي مورغان الاستثماري العملاق ان تكون اول التداعيات زيادة في كلفة ما تقترضه فرنسا في اسواق المال التي ستضع نصب عينيها ان فرنسا يمكن ان تحول زهاء ترليوني يورو من ديونها الى فرنكات فرنسية لن تكون محمية من البنك المركزي الاوروبي.  وستهبط الأسهم الفرنسية جارَّة معها الأسواق الاوروبية ، وسيفقد اليورو 10 في المئة من قيمته مقابل الدولار.

ومن شأن مثل هذا الانعطاف الحاد ان يخيف المدخرين والمستثمرين مؤدياً الى موجة من هروب رؤوس الأموال تكتسب زخماً متزايداً في الاسابيع التالية.

في هذه الأثناء ستتعامل لوبن مع الاضطرابات في الضواحي بالوعيد لملاحقة “المخربين” و”العصابات” في حملة فورية ستهدد الأمن القومي بخطر داهم.  وسيكون هذا سبباً كافياً لتعليق عضوية فرنسا في اتفاقية شنغن لحرية السفر بين دول الاتحاد الاوروبي.

في هذه الاثناء ستواجه لوبن اول التحديات الحقيقية لرئاستها وهو تشكيل حكومة.  إذ من الجائز ان يرفض رئيس الوزراء الاشتراكي برنار كازينوف  تقديم استقالته حين تنتهي ولاية الرئيس فرانسوا هولاند.  وفي فرنسا يحتاج الرئيس الى اغلبية برلمانية ليحكم بصورة فاعلة.  وفريق لوبن لن يحكم إلا اياماً حتى اجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو.

وزراء معادون للإسلام

ومن المرجح ان تضم حكومة لوبن وزراء معادين للاسلام والمهاجرين وسياسيين مؤيدين لتعزيز العلاقات مع روسيا ومناهضين للاتحاد الاوروبي. وبعد تشكيل الوزارة سيتعين على لوبن تعيين كوادر لإدارة جهاز الدولة وهي مهمة جسيمة حقاً.  فان رئيس السلطة التنفيذية مسؤول بموجب النظام الرئاسي الفرنسي عن تعيين نحو 10 آلاف موظف حكومي كبير. وستكون هناك مشاكل تتعلق بالولاء لأن من الجائز ان يقاوم مسؤولون مهنيون في الجهاز الاداري والاستخبارات والقوات المسلحة اوامر لوبن.

وقد تتوجه لوبن الى تطهير القضاء ولا سيما انها هاجمت القضاة الذين فتحوا تحقيقات في قضايا عديدة ضدها بما في ذلك اتهامها باستغلال اموال الاتحاد الاوروبي لدفع رواتب مساعدين حزبيين.  ولتأمين الولاء في كل مفاصل الدولة قد تنشأ الحاجة الى تعيين موالين جدد.

بعد الانتهاء من تشكيل ادارتها لن تتوفر للرئيسة لوبن إلا فترة قصيرة تعمل فيها قبل الانتخابات البرلمانية في 11 و18 يونيو.  وبعد إعادة نقاط التفتيش على الحدود وترحيل عشرات الأجانب بدعوى الارهاب ستتوجه لوبن الى التعامل مع عدوها اللدود في بروكسل ، أي الاتحاد الاوروبي.  ويقول مستشارون في حزب لوبن ان اول اجراء ستتخده على الساحة الدولية هو السفر الى عاصمة الاتحاد الاوروبي وتسليم رسالة الى رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر ورئيس المجلس الاوروبي دونالد توسك تتضمن “مطالب” فرنسا لاصلاح الاتحاد الاوروبي.

وستكون هذه الخطوة خرقاً صارخاً للتقليد الفرنسي في تقدير الرئيس المنتخب للشراكة الفرنسية ـ الالمانية بزيارة الى برلين. وهي ستكون اعلاناً لأجندة لوبن في معاداة الاتحاد الاوروبي كسياسة فرنسية رسمية تمهّد لمواجهة دبلوماسية لا سابق لها بين باريس وبروكسل وبرلين.

ويتوقع محللون سياسيون ان يكون السيناريو المرجح مواجهة من طراز بريكسيت بين فرنسا وائتلاف من الدول المؤيدة للاتحاد الاوروبي.  والى ان تقدم لوبن على تفعيل المادة 50 من المعاهدة الاوروبية الخاصة بإنهاء العضوية فان المانيا ستلجأ على الأرجح الى المناورة والتسويف بتقديم أقل التنازلات الممكنة واتخاذ اجراءات تحمي ما تبقى من منطقة اليورو من الهجمات المالية على فرنسا.

من المستبعد ان يبقى الوضع الداخلي مستقراً فيما تعمل لوبن على الخروج من الاتحاد الاوروبي. فالغضب على انتخابها يمكن ان يستمر اسابيع ويتصاعد والاضطرابات يمكن ان تنتشر الى عدة مدن فرنسية مقترنة بأعمال عنف متزايدة ، بحسب خطة طوارئ أعدتها نقابة يسارية لأفراد الشرطة.

وقال مسؤول فرنسي رفيع ان هذا الوضع سيجعل من الضروري فرض قيود على تدفق رأس المال وامكانية السحب من البنوك.  وتوقع المسؤول ان تكون هناك “مشكلة خطيرة جدا في تداول رأس المال وهذا سيؤدي الى ظهور اقتصاد موازٍ وانفصام البنك المركزي الفرنسي عن نظام اليورو وفي النهاية حدوث انتقال قاسٍ نحو نظام القسائم”.

في غمرة هذه الأزمات المتفاقمة ستواجه لوبن التحدي الحاسم لرئاستها في الأيام الأولى وهو محاولة الفوز بأغلبية في مجلس النواب.  وتكون الأغلبية مضمونة عادة لمن يفوز بالرئاسة.  ولكن العديد من اعضاء الحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري المحافظ يرون خلاف ذلك. وقال احد النواب ان المحافظين سيستغلون القلق من رئاسة لوبن للسيطرة على البرلمان وقص أجنحة لوبن لما تبقى من ولايتها.

ومن دون أغلبية برلمانية ستكون لوبن رئيسة عرجاء رهينة رئيس وزراء يستطيع ان يقطع الطريق على تنفيذ برنامجها واستفتاءاتها. ولكن لوبن تحسبت لهذا الاحتمال وقررت اجراء استفتاء فور عودتها من زيارة بروكسل لتعديل الدستور والاستعاضة عن النظام الانتخابي الحالي بنظام التمثيل النسبي المعمول به في بلجيكا والسويد وبذلك تمكينها من الحكم بهامش حرية اكبر ربما من خلال تشكيل ائتلاف مع شريك أو شريكين أصغر.

ولكن اجراء مثل هذا الاستفتاء سيواجه بحد ذاته تحدياً هائلا قد يكون من المتعذر تذليله. ويقول استاذ القانون في معهد العلوم السياسية في بوردو البروفيسور باسكال جان ان اجراء الاستفتاء يتطلب أغلبية ثلاثة أخماس البرلمان أو تقديم مقترح من الحكومة.  ولوبن تفضل هذا الخيار الثاني. ولكن البروفيسور جان يقول ان ذلك قد يكون متعذرا  لسببين ، الأول ان رئيس الوزراء ما زال اشتراكياً باقياً من الادارة السابقة ويستطيع بكل بساطة ان يرفض تقديم مقترح لاجراء الاستفتاء ، والثاني ان المحكمة الدستورية يجب ان توافق على اجراء الاستفتاء وهي يمكن ان ترجئ حكمها الى ما بعد الانتخابات البرلمانية وبذلك إجهاض محاولة لوبن.

خسرت معركة لكنها لم تخسر حربا

ستحدد نتائج الانتخابات التشريعية طبيعة العام الأول من رئاسة لوبن. ويقول محللون ان السيناريو الأرجح في حال فوز لوبن بالرئاسة هو مجيء حزب الجبهة الوطنية ثالثاً في البرلمان بعد الجمهوريين والاشتراكيين.  ولن يكون لدى لوبن من خيار سوى القبول برئيس الوزراء الذي تقترحه الأغلبية البرلمانية.

ستكون لوبن في هذه المرحلة خسرت المعركة لكنها لم تخسر الحرب. وستحكم بالمراسيم التنفيذية أو الأوامر الرئاسية بانتظار فرصة لحل البرلمان والقيام بمحاولة أخرى للفوز بأغلبية.  وتستطيع بهذه المراسيم والأوامر ان تمرر وعوداً انتخابية مثل منع رفع علم الاتحاد الاوروبي على المباني العامة ومنع البرقع والنقاب والخمار والعباءة السوداء في الأماكن العامة.  ولكن المراسيم ستكون مكشوفة للطعون القانونية.  وستمضي لوبن الكثير من أول 100 يوم من رئاستها مشتبكة في نزاعات قانونية.

نتيجة لذلك ستحاول لوبن استغلال حرية حركتها النسبية على الجبهة الدولية.  وهي تستطيع ان تحضر مؤتمرات يستضيفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو تستضيف قادة شعبويين مثل رئيس الوزراء المجري فكتور اوربان في باريس وفي هذه الاثناء اطلاق سجال حول اليورو في فرنسا نفسها.  وقال مستشارون ان لوبن تتوقع مناظرة ساخنة حول اليورو تؤثر في نتيجة الانتخابات الالمانية والايطالية المقررة في سبتمبر هذا العام أو مايو العام المقبل.

وبعد تعليق الهجرة الى فرنسا واطلاق سجال تقسيمي حول اليورو وتفكك الاتحاد الاوروبي قد تشعر لوبن ان لديها ما يكفي من القوة لتجريب حظها مرة اخرى بحل البرلمان في اوائل 2018 والسعي الى الفوز بأغلبية حاكمة.  أو انها تستطيع اللجوء الى المادة 16 من الدستور الفرنسي التي تجيز للرئيس ممارسة سيطرة كاملة على فرنسا إذا كان “استقلال البلد أو سلامة اراضيه أو ارتباطاته الدولية”  في خطر.  ويكفي وقوع هجوم ارهابي أو أزمة مالية تمنع الحكومة من الاقتراض في الأسواق الدولية لاستيفاء هذه المعايير.

المصدر: جلة “بوليتيكو” عن موقع “إيلاف”. الأصل منشور على الرابط التالي:

http://www.politico.eu/article/president-marine-le-pens-first-100-days-hypothetical-french-election

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

تعرّف على أقوى نساء العالم لعام 2017

صنفت مجلة “فوربس” المرموقة قائمة النساء الأكثر تأثيرا في العالم وما زالت المستشارة الألمانية رائدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *