الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / ترجمات / العلاقات الإسرائيلية – الهندية: وجهات وتوقعات

العلاقات الإسرائيلية – الهندية: وجهات وتوقعات

بقلم: مانوج كومار – شغل منصب قائد قوات أمن الحدود الهندية، شارك في برنامج دراسي في مركز دراسات النزاعات والسلام في مدينة جايبور، الهند —

  • تمتاز العلاقات بين الهند وإسرائيل ببراغماتية دبلوماسية وسياسية، وبالمصالح المشتركة. بعد أن أصبحت الهند دولة مستقلة في العام 1947، وقفت إلى جانب النضال الفلسطيني ودعمته لفترة طويلة، بما ترتب على ذلك من مقيّدات ومعوقات عملية. لكن الهند وإسرائيل شرعتا خلال التسعينات في اتخاذ إجراءات ترمي إلى موازنة العلاقات بينهما، انطلاقاً من قضايا أمنية واقتصادية. ويشكل الإرهاب إحدى القضايا المركزية في سياق التعاون ما بين الدولتين، وخاصة في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له مدينة بومباي في العام 2008، وكان يهود محليون أيضاً من بين ضحاياه. وإضافة إلى الولايات المتحدة، ظلت الهند وإسرائيل أيضاً بين الأهداف المركزية التي وضعها الإرهابيون نصب أعينهم، فيما يوفر النظام الديمقراطي لكلتيهما شعوراً بالاستقرار والأمن. وثمة مجالات عديدة أخرى يمكن للهند وإسرائيل التعاون فيها، يشمل جزء كبير منها نقل خبرات التقانة والأبحاث والاكتشافات المنجزة في الهند، بما فيها أجهزة التتبع والرصد من إنتاج محلي. أما التخصص الإسرائيلي في مجالات معينة مثل تطوير البرمجيات، إدارة اقتصاد المياه والزراعة في مناطق الجفاف، فقد تجسد في تعاون مثمر وواعد بين مؤسسات وشركات مختلفة في كلا البلدين، كما في توثيق العلاقات المؤسساتية والمدنية. ولا تزال في هذه العلاقات فرص وإمكانيات كثيرة كامنة غير مستغلة تماماً بعد، من شأنها توسيع هذه العلاقات إلى مشروعات مشتركة في دول أخرى، للدولتين فيها مصالح استراتيجية واقتصادية مشتركة.  
  • مدخل

    • اتسمت سياسية الهند الرسمية حيال الشرق الأوسط، على مدى 45 سنة بعد استقلالها في العام 1947، بالسعي إلى توثيق العلاقات مع الدول العربية وبتأييد الفلسطينيين، مقابل قدر كبير من اللامبالاة، وصل إلى حدّ العداء، حيال إسرائيل. وإلى جانب الموقف “المعادي للاستعمار” الذي كان يتبناه حزب المؤتمر، كان هذا التوجه مدفوعاً باعتبارات عملية بالغة الشأن أيضا، لا يزال بعضها قائماً حتى الآن، أبرزها هو حاجة الهند إلى الطاقة المعتمدة على الهيدروكربونات. وشجعت الزيادة المتصاعدة في الطلب على الطاقة الهند على إقامة علاقات وثيقة مع دول الخليج. وتبيّن التوقعات الحالية أن استهلاك الهند من الطاقة المعتمدة على الهيدروكربونات سيزداد بدرجة كبيرة خلال العقود المقبلة، وهذا ما ستترتب عليه تحولات لا يمكن التنبؤ بها الآن، سواء في الدولة ذاتها، في تقنيات الطاقة، أو في أسواق النفط.  وسيظل الاعتماد على دول الخليج المزوّدة للطاقة ومحدودية المصادر البديلة عنها عنصراً مركزياً في السياسة الهندية.   
    • ويتعلق العنصر الثاني بمهاجري العمل. فقد أشارت التقديرات في العام 2001 إلى أن عدد الهنود العاملين في دول الخليج يبلغ نحو 3,5 مليون شخص.  وكما تبين اللائحة أدناه، يرسل هؤلاء العمال إلى بيوتهم نحو 25 مليار دولار في السنة. 

    • نشأ في ضوء ذلك اهتمام هندي كبير بإقامة علاقات اقتصادية جيدة مع منطقة الخليج. وبالفعل، ثمة في الهند ولايات تعتمد على هذه العلاقات إلى حد كبير. فولاية كيرالا، مثلا، ترسل نحو نصف قوة العمل فيها إلى الخليج، فيما يرسل هؤلاء العمال إليها نحو ستة مليارات دولار سنوياً.   وحيال ذلك، يتعين على الهند اعتماد الحذر في أي إجراء سياسي يمكن أن يعرّض للخطر أمن مواطنيها المقيمين في منطقة الخليج أو التحويلات المالية التي تعين على صون اقتصادها.
    • ثالثاً، تستثمر الهند مبالغ طائلة في منطقة الخليج، لما لها أيضاً من أهمية بالنسبة لتجارتها الخارجية الإجمالية. وأمن هذه التجارة منوط بأمن الممرات البحرية التي يتم عبرها استيراد كل موارد الطاقة المعتمدة على الهيدروكربونات تقريباً. كما أبرمت الهند مع دول الخليج اتفاقيات استثمار مختلفة في مجالات البتروكيماويات، الاتصالات، التكنولوجيا البيولوجية (البيو تكنولوجيا) والسياحة. وخلال العامين 2008 – 2009، أدت الهند دوراً فعالاً في أنشطة الحراسة وحفظ الأمن في خليج عدن (إلى جانب بعض الدول العظمى الغربية والأسطول الصيني)، في إطار الجهود لكبح القراصنة العنيفين الذين خرجوا من الصومال،  بعدما منحها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التفويض القانوني اللازم. تعاظم أهمية المجال الجيو – اقتصادي، بكونه عاملاً مركزياً حاسماً في إملاء العلاقات بين الدول، أصبح يستلزم وجود قوة بحرية مناسبة قادرة على تأمين الممرات البحرية وحمايتها من أي تشويش ومن أي اقتحام واستيلاء من جانب أساطيل معادية. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للهند، التي تشير التوقعات إلى أنها ستواجه نقصاً حاداً جدا في الطاقة خلال السنوات القريبة القادمة. وعلى هذا، فالهند لا يمكن أن تجيز لنفسها قطع، أو مجرد تشويش، التواصل البحري مع الخليج العربي.

    أسباب تغيّر التوجه حيال إسرائيل

    • أخذت سياسة الهند وتوجهها حيال إسرائيل يتغيران ابتداء من نهاية ثمانينات القرن الماضي وبداية تسعينياته. ويمكن عزو ذلك، بدرجة معينة، إلى التغيرات السياسية الداخلية التي حصلت في الهند، أي بعد بدء عصر سياسة التحالفات الائتلافية [الحزبية]، الذي مثّل عملياً نهاية الهيمنة الأيديولوجية الاستئثارية وانطلاق سياسة خارجية أكثر مرونة. وكانت للإرهاب الذي تفجر في إقليم كشمير، برعاية باكستانية، مساهمة في ذلك أيضاً. ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى محاولة اختطاف السياح الإسرائيليين الذي كانوا يقيمون في “فندق قارب” في كشمير يوم 27 حزيران/ يونيو 1991. فقد أوضحت تلك الحادثة، التي انتهت بمقتل أحد السياح، للإسرائيليين أنهم يشكلون هدفاً للمسلمين منفذي العمليات، ولو حتى في إقليم كشمير، وشكلت مؤشرا على “مرحلة جديدة في تدهور النزاع في كشمير، ذات الأغلبية المسلمة”ـ وهي المنطقة التي يحاول فيها الجنود الهنود، بدعم قوات بوليسية، إخضاع تنظيم مسلح يطالب بالاستقلال.   لكن تلك الحادثة أدت، أيضاً، إلى تعميق واضح في التعاون الأمني بين الهند وإسرائيل، والذي كان قائماً حتى في سنوات الجفاء الدبلوماسي بينهما. ففي أعقاب الحروب الهندية – الباكستانية في سنوات 1962، 1965 و 1971، اشترت الهند أسلحة وذخائر من إسرائيل وثمّنت عالياً استعداد إسرائيل لتقديم الدعم لها، من خلال تزويدها بالعتاد العسكري، في الوقت الذي أحجمت فيه دول أخرى، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، عن ذلك. وفي مجال مكافحة الإرهاب، نُشرت في إثر اغتيال أنديرا غاندي تقارير أفادت بأن إسرائيل ساعدت في تدريب قوات لمكافحة الإرهاب، مثل “حرس الأمن الوطني”. كما نُشرت تقارير عن علاقات قائمة منذ الستينات بين أجهزة أمنية هندية، مثل “قسم الأبحاث والتحليلات” (RAW)، وجهاز “الموساد” الإسرائيلي.   ومع ذلك، لم تحصل الانطلاقة في هذه العلاقات سوى في  مطلع التسعينات، بفعل التحولات التي طرأت في السياسة الداخلية، إلى جانب المصالح المتبادلة في تعميق التعاون الأمني. وفي كانون الثاني/ يناير من العام 1992، أقيمت بين الدولتين علاقات دبلوماسية كاملة تجسدت، لاحقا، في مجالات عديدة ومختلفة.

    فترة ما بعد التسعينات

    • ساعد افتتاح السفارة الهندية في إسرائيل في أيار/ مايو 1992 في بدء حوار معمق وتبادل للمعلومات على مستويات مختلفة، ما حقق قفزة في نوعية العلاقات بين الدولتين. وينعكس هذا في قائمة (جزئية) من اتفاقيات التعاون الثنائية:

    -اتفاقية تشجيع الاستثمارات وحمايتها – 29 كانون الثاني/يناير 1996؛

    -معاهدة منع ازدواجية الضرائب ومنع التهرب من دفع الضرائب على المداخيل ورؤوس الأموال – 29 كانون الثاني/يناير 1996؛

    -اتفاقية الدعم المشترك والتعاون في قضايا الجمارك – 29 كانون الثاني/ يناير 1996؛

    -اتفاقية التعاون في مجال استخدام الفضاء الخارجي لأغراض سلمية – 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2002؛

    -اتفاقية التعاون في مجال الصحة والطب – 9 أيلول/سبتمبر 2003؛

    -اتفاقية التعاون في مكافحة عمليات التهريب غير القانونية وفي إساءة استخدام السموم المخدّرة والمواد ذات التأثيرات النفسية – 9 أيلول 2003؛

    -اتفاقية التعاون في مجال حماية البيئة – 9 أيلول/سبتمبر 2003؛

    -اتفاقية الإعفاء من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية، الرسمية أو العسكرية – 9 أيلول/سبتمبر 2003؛

    -مذكّرة تفاهم بشأن مبادرة صندوق التطوير والأبحاث الهندي – الإسرائيلي – 30 أيار/مايو 2005؛

    -خطة عمل مشتركة بين الحكومتين للتعاون في المجال الزراعي – 10 أيار 2006.

    • وبالإضافة إلى المعاهدات التي تم التوقيع عليها في الفترة ما بين 1992 و2006، تسعى الهند وإسرائيل إلى إنشاء “نظام للملكية الفكرية” (Intellectual Property Regime)، إلى جانب التعاون غير الرسمي في “قضايا جنائية” بين منظومات مختلفة لتطبيق القانون في البلدين. وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الهندي، س. م. كريشنا، إلى إسرائيل، في كانون الثاني 2012، جرى التوقيع على معاهدة تسليم المجرمين.  ولا توجد دول أخرى كثيرة أبرمت معها الهند مثل هذا العدد الكبير من المعاهدات والاتفاقيات. وما من مفاجأة في حقيقة أن التحسن الأكبر في العلاقات قد حصل في مجال الأمن والدفاع.

    التعاون في مجالات الأمن والدفاع

    • ترددت إسرائيل في البداية بشأن نشر حجم مبيعاتها العسكرية للهند، وذلك رغم وجود قناة اتصال مباشر بين الحكومتين وبين الجهات الرسمية المختصة، وبالرغم من الانطلاقة التي حصلت في هذا المجال. بيد أن هذا التردد تلاشى إبان أزمة كارجيل في سنة 1999، إذ جاء رد إسرائيل سريعاً على طلب الهند تزويدها بالعتاد العسكري وبالذخائر رغم الضغط الأميركي لفرض حظر على بيع الأسلحة للهند. وقد دشنت تلك الحادثة صفحة جديدة في تجارة السلاح بين الدولتين، رغم اعتقاد بعض الدراسين والمراقبين بأن نقطة التحول تمثلت في الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له مدينة بومباي في سنة 2008. وبالرغم من الأدلة التي لا خلاف حولها، والتي أشارت إلى الباكستان كمصدر لذاك الهجوم (الذي كان موجهاً ضد موقع يهودي)، إلاّ أن الهند لم تستطع تنفيذ أية عملية رداً على قتل 150 من مواطنيها، وهذا ما عكس ضعف قدراتها في مجال التعقب والرصد، الجوي والبحري. وقد توجهت الهند إلى إسرائيل طالبة المساعدة في هذا المجال فاشترت من الصناعات الجوية الإسرائيلية منظومة الرادارات “EL/M-2083” بقيمة 600 مليون دولار، مشيرة إلى أن “هذه المنظومة معدّة للنشر على طول الحدود مع الباكستان”.
    • وقد أوضح الهجوم في بومباي، أيضا، أن لدى الهند الحديثة قضايا مشتركة مع إسرائيل، أكثر مما لديها مع روسيا. وأصبحت الهند وإسرائيل تتقدمان الآن من مرحلة التجارة العسكرية الأحادية الاتجاه إلى مرحلة المشاريع المشتركة لتطوير اسلحة دفاعية وهجومية.   وبين السنوات 2005 و2009، حينما كانت الهند ثاني أكثر دول العالم اقتناء للسلاح (بعد الصين)، استوردت من إسرائيل أسلحة بقيمة إجمالية بلغت نحو نصف مليار دولار (مقابل نحو 147 مليون دولار فقط من الولايات المتحدة).   ورصدت دراسة أخرى مستقلة المبيعات الإسرائيلية إلى الهند بين السنوات 2002 و2005 فتبين أنها زادت، في الإجمال، عن خمسة مليارات دولار.   وقد عكس ما ورد في الفقرة التالية حجم صادرات السلاح الإسرائيلية إلى الهند وحقيقة كون الهند زبوناً رئيسياً للعتاد الأمني الإسرائيلي:

    ازدادت الحساسية تجاه هذه العلاقات مع مرور الوقت، وتعمق معها الفهم بأن العلاقات الأمنية هي مقدمة لعلاقات أوسع بكثير. ومما عبّر عن هذا الفهم، مثلاً، بيع منظومة “فالكون” الإسرائيلية (وهي منظومة جوية للإنذار المبكر) للهند في سنة 2004. وتمت الصفقة، خلافاً لما جرى في سنة 1999، عندما عارضت الولايات المتحدة بشدة رغبة إسرائيل في بيع هذه المنظومة للصين. ذلك لأن هذه المنظومة هي بمثابة إنتاج مشترك تسنى بفضل معونات مالية التي قدمتها الولايات المتحدة، ما منحها إمكانية استخدام حق النقض على البيع للصين، وهي الصفقة التي انتهت بخسارة تكبدتها إسرائيل بقيمة رُبع مليار دولار. المنظومة الأولى وصلت إلى الهند في أيار 2009. اشترت الهند ثلاث منظومات كهذه وهي تخطط لشراء اثنتين أخريين، أو ثلاث أخرى. واستنادا إلى أحد التقارير، تشكل هذه الصفقة الاتفاقية الدفاعية الأكبر في تاريخ إسرائيل.

    • أصبحت الهند بفعل هذه التطورات، حتى سنة 2014، السوق الأكبر للسلاح الإسرائيلي وأصبحت إسرائيل أحد أكبر مزوّدي الهند بالأسلحة.

    مكافحة الإرهاب

    • شكلت الأعمال الإرهابية حافزاً أساسياً للتعاون الأمني بين الهند وإسرائيل. فكلتا الدولتين ضحية للإرهاب الدولي، ولكلتيهما جارات عدوانية تساند الإرهاب ويتعين على كلتيهما البقاء على أعلى درجات اليقظة والتأهب حيال التهديدات الإرهابية المحدقة بهما. وكما قال مستشار الأمن القومي في حكومة فاجبايي ومهندس سياساتها الأمنية، براجيش ميشرا (Brajesh Mishra)، في خطابه أمام اللجنة اليهودية الأميركية (AJC) في العام 2003: الولايات المتحدة، وإسرائيل والهند “ملزمة بالوقوف معاً أمام الوجه القبيح للإرهاب في العصر الحديث”.   ولهذا، ليس من المفاجئ أن تحتل مكافحة الإرهاب مرتبة مركزية في العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل. ومع ذلك، ثمة فوارق في تصور كل منهما للإرهاب. وكما يقول راجيندرا أبهينكار (Rajendra Abhyankar)، “تؤمن إسرائيل بأنه في إطار المفاوضات السياسية لا يجوز إبداء أي تسامح حيال الإرهاب”، بينما آمنت الهند دائماً بضرورة إبقاء الباب مفتوحاً للحوار. وترى إسرائيل دوائر خطر متماسّة، تشمل إيران، وسورية، وحزب الله، وحماس، بينما ترى الهند أن التهديدات المحدقة بها مصدرها تنظيمات إسلامية متطرفة تدعمها الباكستان، مثل “طالبان”، “لِشكار الطيّبه” أو “جيش محمد”، المسؤولة عن الهجوم الإرهابي على بومباي.   “كما أن أياً من الدولتين غير معنية بالتدخل المباشر في حروب الطرف الآخر”.
    • على الرغم من التباينات في وجهات النظر هذه، وكذلك في المتطلبات الجيو استراتيجية، فإن الدولتين شكّلتا مجموعة عمل مشتركة لتبادل الخبرات العملانية في مجالات تأمين الحدود، إرهاب الانتحاريين، أمن المجال الجوي، تمويل الإرهاب، أمن المعلومات والحرب الرقمية والحرب السبرانية.
    • ومن شأن وكالة التحقيقات الوطنية الحديثة التي أقامتها الهند في أعقاب الهجوم الإرهابي في بومباي سنة 2008 أن توفر لدول مثل إسرائيل مركزاً جديداً تستطيع من خلاله نسج علاقات أكثر حميمية ومتانة في مجال الاستخبارات والأمن.

    التعاون في الفضاء

    • المجال المركزي الذي يتصدر اهتمامات إسرائيل في تقنيات الفضاء هو قدرات التصوير، التي يمكن استخدامها للرصد العسكري وتأمين الحدود. خلال العقود الأخيرة، طورت الهند أقمارا اصطناعية محلية تتمتع بمزايا الاستشعار عن بُعد، بيانات الأرصاد الجوية والقدرات الاتصاليّة، وهي تقوم بإطلاقها بواسطة صواريخ محلية الصنع خاصة بها. وفي سنة 2005، قررت إسرائيل إطلاق قمر التصوير الاصطناعي الأول (TecSAR) بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR)، بواسطة منصة إطلاق الأقمار الاصطناعية الهندية (PSLV) . وقد تم اختيار هذه المنصة لإطلاق القمر الاصطناعي الإسرائيلي بسبب التخوفات الإسرائيلية بشأن دقة ومحدوديات المنصة الإسرائيلية لإطلاق الأقمار الاصطناعية (المسماة “شبيط”)، ونظراً لاعتبارات اقتصادية ولرغبة إسرائيل في تعميق التعاون الاستراتيجي مع الهند.   وعلاوة على هذا، فإن القمر الاصطناعي الهندي RISAT-2 الذي سيوفر قدرات متطورة لأغراض الرصد والتعقب فوق مساحات مختلفة على وجه الكرة الأرضية ولرصد وإدارة الكوارث، هو نتاج تطوير مشترك مع الصناعات الجوية الإسرائيلية. وقد تم تسريع عملية الشراء، ثم عملية إطلاق القمر الاصطناعي RISAT-2 ، في أعقاب الهجوم الإرهابي على بومباي في العام 2008، بغية تعزيز قدرات الرصد والتعقب الهندية المستقبلية. .

    إيجاد تبعية اقتصادية متبادلة

    • العلاقات التجارية، كما العلاقات الدفاعية والأمنية، قائمة بين الهند وإسرائيل منذ ما قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بوقت طويل. والنموذج البارز على ذلك هو صناعة الماس التي تعادل حالياً نحو 50% من حجم التجارة غير الأمنية بين الدولتين. وكما أشار أفيانكار:

    يكمن تفرّد صناعة الماس المزدهرة في الهند في أن روّادها المركزيين يأتون من بالانبور (Palanpur)، وهي قرية صغيرة في جوجارات (Gujarat) يدين سكانها باليانية [دين هندي نشأ في القرن السادس ق.م.] (Jainism). في فترة ما بين الحربين الكونيتين أسّس أفراد من هؤلاء شركات تجارية في مدينة أنتويرب (البلجيكية) وأنشأوا علاقات مع تجار ماس يهود كانوا يسيطرون على هذا القطاع آنذاك. وهذه العلاقات الجيدة التي نشأت بين اليهود والهنود في أنتويرب وفي نيويورك وتطورت عبر السنين، بما في ذلك حول منشآت تنظيف الماس، تلميعه وتجارته، دفعت الهنود إلى إنشاء شركات لهم في تل أبيب أيضاً.

    • بيد أن العلاقات التجارية اتسعت وتشعبت إلى ما هو أوسع وأبعد من صناعة الماس. وتفحص الدولتان، باستمرار ودون توقف، فرصاً وآفاقاً جديدة أخرى لزيادة حجم التجارة والاستثمارات. وطبقاً لمعطيات اتحاد الصناعات الهندية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حتى العام 2010 نحو 4,7 مليارات دولار، لا تشمل المبيعات الأمنية .
    • يُنتظر لهذه الشراكة التجارية الثنائية أن تتلقى دفعة إضافية أخرى من جهود البحث والتطوير الإسرائيلية المزدهرة، ذات الإمكانات التجارية الكبيرة في الهند والقدرة على التمدد التجاري إلى دول أخرى إضافية. مثلاً، تستطيع الهند الاستفادة من نقل التقنيات في مجالات الاختصاص الإسرائيلية، مثل علوم الحياة، المعدات الطبية، التكنولوجيا البيولوجية، تقنية النانو، التكنولوجيا النظيفة، الطاقة البديلة، إدارة المياه والزراعة في المناطق القاحلة، علماً بأن إسرائيل معنية بالتعاون في هذه المجالات. ويمكن بلورة فكرة عن الإمكانيات في هذه المجالات من خلال استعراض الوضع الراهن.
    • في الزراعة، على سبيل المثال، يعمل معهد أبحاث المناطق القاحلة، بالتعاون مع إسرائيل، على بضعة مشاريع علمية في قضايا الزراعة في مناطق الجدب، وقد أقام عدداً من مراكز التجارب في ولايتي راجستان وجوجارات في الهند. وينظم خبراء الزراعة الإسرائيليون، بصورة دائمة، دورات لتبادل المعلومات، التقنيات والخبرات في مجالات الزراعة والبستنة، فضلاً عن تأهيل عناصر رسمية في 26 مركزاً أقيمت في إطار هذا المشروع. ويقوم مزارعون هنود اليوم بزراعة محاصيل ذات جودة عالية من الخضروات والفواكه، بمساعدة الزراعة الإسرائيلية. وتدر هذه المحاصيل على المزارعين أرباحاً وفيرة، علاوة على التوفير في المياه وفي تكاليف المبيدات الحشرية. ويتولى تنفيذ هذا المشروع “المركز الإسرائيلي للتعاون الدولي”، بدعم من وزارة الزراعة، والسفارة الإسرائيلية في الهند وحكومات الولايات الهندية المختلفة.   إن ظروف الأرض والمناخ في أجزاء واسعة من راجستان وشمال جوجارات تشبه، إلى حد كبير، ظروف الأرض والمناخ في إسرائيل، ما يتيح استخدام خبراتها في زراعة محاصيل مثل الشعير، الخردل، العنب، النخيل، التمر وغيرها في هذه المناطق. كما تنشط شركات إسرائيلية خاصة أيضاً في مجالات زراعية مختلفة في الهند، من بينها نطافيم، أغروتوب، بلاس أون،  هزيراع جينيتكس، ماكسميليا، بلاسترو غفات، أغريسكو، زراعيم، ICL fertilizers، شيئون ومجموعة أفشالوم. وتنشط هذه الشركات في مجال الحفظ والتسويق أيضاً، وليس في مجال الإنتاج فقط.
    • ويستثمر إسرائيليون، ويقيمون في الهند، منشآت بحثية وتطويرية في مجالات الصيدلة والهندسة الطبية البيولوجية. بعض شركات الأدوية الكبرى، مثل “تيفع” و”تارو”، تنشط في الهند منذ سنوات. وقد أقامت الشركتان المذكورتان مركزين للأبحاث في ولايتي نويدا (Noida) وجاجرولا (Gajraula). وفي مجال الهندسة الطبية البيولوجية، تجري شركات مثل “بيولاين” أبحاثاً سريرية في الهند لمعالجة مرض الفُصام (شيزوفرينيا).
    • إلى ذلك، تتخصص إسرائيل أيضا في إنتاج الطاقة من مصادر غير تقليدية وفي حفظ الموارد. فشركة “لفيتان للطاقة”، مثلاً، تصنّع منتجات لإنتاج الطاقة بواسطة الرياح، المياه والأمواج، وتقيم علاقات مع عدد من الشركات الهندية في مجال الإنتاج. وتعكف شركة Focal Energy الإسرائيلية على تطوير محطات للطاقة المبنية على الكتلة البيولوجية قوة إنتاجها 30 ميغا واط، في ولاية راجستان، ومصنعاً للطاقة المائية بقوة إنتاجية تبلغ 12 ميغا واط في ولاية هيماتشال براديش (Himachal Pradesh). وهناك أيضاً استثمار إسرائيلي في مجال معالجة المياه، وقد أقامت شركة “عميعاد – منظومات تصفية المياه” – وهي شركة منتشرة في أكثر من 66 دولة -مكاتبها الإقليمية في بومباي.

    خلاصات

    • تقيم إسرائيل والهند شبكة مميزة من العلاقات الشمولية، المتعددة الأبعاد والمجالات، تمتاز بالثقة والدبلوماسية البراغماتية. ثمة فوارق وفجوات لا تزال قائمة في أمور مختلفة، غير أنها قابلة للجسر. لقد تمكنت الدولتان من إقامة منظومات متينة للتعاون الدولي، وهما قادرتان على فحص واعتماد المبادرات المشتركة المناسبة في مجالات مختلفة في دول شتى، مثل جزر المالديف، سريلانكا، ميانمار وأفغانستان – وهي مناطق يوجد للبلدين مصالح مشتركة فيها.
    • ثمة أيضاً إمكانيات للتعاون بينهما في مسائل تتعلق بالمجال النووي. إسرائيل معنية جدا بالاتفاق الهندي – الأميركي للتعاون النووي، لما يمثله من سابقة محتملة لمساعيها في ما يتعلق بـ”مجموعة مورّدي المواد النووية” (NSG). ولإسرائيل، أيضاً، مصلحة استراتيجية حيوية في منع نقل التكنولوجيا النووية من الباكستان إلى دول في الشرق الأوسط.
    • تحدث الرئيس الإسرائيلي، رؤوبين ريفلين، خلال الزيارة التي قام بها إلى نيودلهي في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، عن قاعدة التفاهم القائم بين الدولتين بشأن الإرهاب: “الإرهاب هو الإرهاب هو الإرهاب… لا شيء يمكن أن يبرر الإرهاب”.   وفي مسألة التعاون في مجالات أخرى، قال الرئيس: “لقد غيّرت إسرائيل والهند التاريخ في الماضي وحان الوقت الآن للقيام بذلك ثانية… إنها أكثر من مجرد شراكة فقط، إنها شراكة تصنع تغييراً في المياه التي نشربها، في الغذاء الذي نأكله، وفي التقنيات التي نطبقها”.
    • تستطيع الدولتان جني فائدة من التعاون في مجالات عديدة أخرى أيضاً. إن الرأي السائد الآن هو أن العلاقات الهندية – الإسرائيلية تقوم على رؤية أمنية وعسكرية، غير أن قاعدة التعاون أوسع بكثير، وستستمر بالاتساع لتشمل مجالات إضافية أخرى مستقبلاً. لم تصل الإمكانيات الكامنة في هذه العلاقات إلى منتهاها ولم يتم استنفادها حتى الآن، بل يمكنهما التعاون في مجالات إضافية أخرى عديدة خلال السنوات المقبلة.

    _____________

    – ترجمه عن العبرية: سليم سلامة (الجليل).

    – راجع الترجمة: أحمد خليفة.

     . The Economist, India Country Report, December 2008

     . Ministry of Overseas Indian Affairs, Report of the High Level Committee on the Indian Diaspora, December

    2001, pp. xlvii-l. http://www.indiandiaspora.nic.in/diasporapdf/part1-est.pdf,

     . Yaroslav Trofimov , Persian Gulf Slowdown Washes Up on Indian Shores” The Wall Street Journal,

    http://online.wsj.com/article/SB1234561359140377935.html,

     .  “Indian Navy Foils Another Attack by Somali Pirates”, The Times of India, November  19, 2008,

       http://timesofindia.indiatimes.com/indian_navy_foils_another_attack_by_somali_pirates/articleshow/

    3731104,cms,

     . Tariq M. Ashraf, “Doctrinal Reawakening of the Indian Armed Forces,” Military Review, November/

    December 2004.

     . Rajendra Abhyankar, The Evolution and Future of India-Israel Relations, Research Paper No. 6, March 2012,

    http://www.tau.ac.il/humanities/abraham/india-israel.pdf

     . المصدر السابق.

     . المصدر السابق.

     . Ministry of External Affairs, Extradition treaty with Israel, Q 380,

        http://www.mea.gov.in/incoming-visit-detail.htm?19560/Q380+Extradition+

           Treaty+with+Israel

     .  “End of an era: Israel replaces Russia as India’s top military supplier,” World

     Tribune, March 25, 2009,    http://www.worldtribune.com/worldtribune/WTARC/2009?/me_military0246_03_25.asp,

     . Richard L. Benkin, “India-Israel Relations: The Imperative and the Challenge,” FPRC

    Journal, No. 5, India-Israel relations.

     . Ajai Shukla,”India’s arms import doubles in five years”, Business Standard, March 18, 2010.

     . Eytan Gilboa and Efraim Inbar, US-Israeli Relations in a New Era: Issues and

    Challenges after 9/11 (New York: Routledge, 2009).

     . Shansak Joshi, “The India Israel Relationship: A Survey,” FPRC Journal, No.5, India-

    Israel relations.

     . Address by Shri Brajesh Mishra, National Security Adviser of India at the American Jewish

    Committee Annual Dinner, Washington, DC, May 8, 2003.

    www.ajc.org/site/apps/nlnet/content3.aspx?c=ijITI2PHKoG&b=851361&ct=1118743

     . Abhyankar, “The Evolution and Future of India-Israel Relations.”

     . Interview with Efraim Inbar, FPRC Journal, No. 5.

     . Vinay Kumar, “Lok Sabha Passes Anti-Terror Bills,” The Hindu, December 18, 2008.

     . Barbara Opall-Rome and K.S. Jayaraman., “Israel Chooses Indian PSLV To Launch

    New Spy Satellite,” Space.com, November 14, 2005.

    http://www.space.com/1777- israel-chooses-indian-pslv-launch-spy-satellite.html

     . Yiftah Shapir, “The Launch Of Israel’s TecSAR Satellite,” Scoop Independent News,

    February 13, 2008.

     .  “Report: India Bought Advanced Spy Satellite From Israel,” Haaretz, March 20, 2009.

     . Abhyankar, “The Evolution and Future of India-Israel Relations.”

     . Confederation of Indian Industry, “The Third India-Israel Forum,” Proceedings, New Delhi,

    November 1-2, 2010 (New Delhi, 2010).      لمزيد حول العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الهند وإسرائيل، أنظروا: http://itrade.gov.il/india/israel-india/

     . Chander Mohan, “Israeli Agriculture Benefits Indian Farmers Krishi Jagran”, November 7, 2015. http://krishijagran.com/general-news/2015/11/israeli-agriculture-benifits-farmers

     . Sbuhajit Roy, “Israel President backs India on terror fight, PM Modi targets Pakistan,” Indian Express, November 16, 2016.

     http://indianexpress.com/article/india/india-news-india-president-backs-india-on-terror-fight-pm–modi-targets-pakistan-terrorism-4377923/

     . المصدر السابق.

    المصدر: مجلة “عدكان استراتيجي” الإسرائيلية، المجلد 85، العدد 19، 4 كانون الثاني / يناير 2017، ترجمة: نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

    حول شجون عربية

    تفقد أيضاً

    قصة أزمة “القائمة العربية المُشتركة” في إسرائيل

    بقلم: عودة بشارات – محلل سياسي والسكرتير السابق لحزب حداش الإسرائيلي — •ما إن بدأ …

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *