الإثنين , أكتوبر 23 2017
الرئيسية / مقالات / السيطرة على النفط تؤجج الصراع السياسي في ليبيا

السيطرة على النفط تؤجج الصراع السياسي في ليبيا

بقلم: توفيق المديني* — شكل استيلاء قوات المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي الليبي،الفاصلة بين شرق البلاد وغربها شمالاً التي تعد أهم موانئ تصدير النفط في البلاد (الزويتينة، والبريقة وراس لانوف والسدرة)، تحولاً استراتيجياً في الصراع السياسي على السلطة، فبعد أقل من أسبوعين من سيطرة القوات الموالية لحفتر على هذه الموانىء، في منطقة استراتيجية جداً، وتحتضن الجزء الأكبر من الثروة النفطية الليبية التي تعتمد أوروبا عليها في تسعة بالمئة من حاجاتها لمصادر الطاقة، بدأت ناقلات النفط بتحميل الخام في حين قفزت معدلات الإنتاج وتحول ميزان القوى نسبياً لمصلحة القائد العسكري المثير للجدل. وكانت خطوة الاستيلاء على الموانئ النفطية بالنسبة لمعارضي حفتر والقوى الغربية أيضاً مثيرة للقلق.
ورغم أن الدول الكبرى التي شاركت في التدخل العسكري الأطلسي منذ خمس سنوات لإسقاط نظام العقيد القذافي، لم تتوقف عن إعلان دعمها لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج ومجلسه الرئاسي، فإن بعضها لا يزال على صلة وثيقة بحفتر، الذي استضافت قاعدته في بنغازي عدداً من الخبراء والضباط البريطانيين والأمريكيين، بل شاركت قوات فرنسية في القتال في صفوفه. ويرى مراقبون للشأن الليبي أن خطوة قائد الجيش الوطني الليبي، باقتحام أكثر المناطق أهمية، وبهذه السرعة الكبيرة، لا يمكن أن يتمّ من دون ضوء أخضر من المجتمع الدولي،الذي يعرف جيداً أن إخراج مسلحين من داخل منشآت نفطية أمر صعب جداً في حال تحصنّها فيها، وتالياً لا يعدو أن يكون بيان الدول الست (فرنسا، ألمانيا،إيطاليا،إسبانيا،المملكة المتحدة،الولايات المتحدة،) الصادر يوم الاثنين 13أيلول الماضي، والذي طالب جميع الأطراف بوقف فوري لإطلاق النار، وتجنيب البنية التحتية للطاقة في ليبيا تداعيات القتال، سوى تعمية على دورها الحقيقي لتنفيذ قرارها المجمَع عليه، والذي يقضي بإيجاد دور لحفتر ضمن حكومة الوفاق. وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، قد شدد أخيراً، على ضرورة إيجاد دور لحفتر في الهيكلة الموحدة الجديدة للجيش الليبي.
ويعد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الخاسر الأكبر، ولاسيما بعد أن فرض القائد العام للقوات المسلحة سيطرته بشكل نهائي على الهلال النفطي، إذ إن قوات حرس المنشآت برئاسة إبراهيم الجضران التي كانت تسيطر على تلك المنطقة، وأعلنت ولاءها للمجلس، بينما حفتر لا يزال يرفض الخضوع لسلطة المجلس الرئاسي.ولكن في ظل سيطرة قواته على الموانىء النفطية الليبية ، أكدت تقارير إعلامية ليبية أن الجضران قد وقع في أسر قوات حفتر.
فقد أكدت صحيفة «إيوان ليبيا»أن الجضران المتحالف مع جماعة «إخوان» ليبيا وبدعم من مسلحي ما يسمى « سرايا الدفاع عن بنغازي» التابع لتنظيم «القاعدة» فضلاً عن مسلحين آخرين من الجبهة الليبية التي تأتمر بأوامر عبد الحكيم بلحاج، قد أصيب في كتفه وأن سائقه صلاح جمعة قد قـتل وأنه طلب اللجوء القبلي من عائلة الزادمة وهو موجود في بيت أحد الضباط من هذه العائلة..وجرت مفاوضات بين ممثلين عن الجيش الليبي وفصائل تابعة للجضران أسفرت عن الاتفاق على تسليم أسلحة وسيارات ميليشيات الجضران إلى القوات المسلحة، وأن يتم العفو عن أفراد ميليشيات الجضران بعد تسليم السلاح. وكان المشير حفتر قد سلّم إدارة هذه الموانىء النفطية للشركة الوطنية الليبية. ويعاني المجلس الرئاسي الآن موقفاً صعباً، لأنه إذا ما وجّه قواته لصدّ زحف حفتر باتجاه الغرب، ستكون على المجلس مواجهة تحدّي معركة الحفاظ على التقدم الذي حققه في المعركة ضد تنظيم «داعش» في سرت.
ويقود حفتر، الحليف السابق للقذافي، حرباً في شرق ليبيا، منذ أيار2014، تَمَكَّن خلالها من السيطرة على قطاعات من بنغازي ومناطق أخرى، لكنه لم يتوصل إلى نتائج كبيرة مقارنة بطول فترة الحرب التي لم تتوقف حتى الآن، وفي المقابل، تتواجد القوات الموالية للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج في المدن الواقعة غرب ليبيا، لكن حفتر ومُوَالِيهِ السياسيين في البرلمان لا يعترفون بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس ويعدون القوات الموالية لها «ميليشيات إرهابية»،إذ تمّ منع أي تصويت برلماني في الشرق لمنح الثقة لحكومة الوفاق مع تحدّي اتفاق «الصخيرات» الذي تم بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد ليبيا.
على الصعيد الإقليمي يحظى حفتر بدعم قوي من جانب مصر و الإمارات العربية المتحدة المناهضتين لتنظيم «الإخوان المسلمين»، حيث يرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مقاربته للأزمة الليبية، أن «لديه ثلاث ثوابت في المشهد الليبي، أولاها ضمان مكانة معتبرة لحفتر، وثانيتها تقليص نفوذ «الإخوان المسلمين» في حكومة الوفاق ولجنة المصالحة الوطنية، والثالثة الاعتماد على جيش حفتر فقط في تأمين الحدود الليبية والاعتداد به جيشاً وطنياً للبلاد». وتؤكد المصادر الرسمية المصرية أن هناك حالة من الرضا، بسبب الانتصارات التي حققها حفتر في منطقة الهلال النفطي، ولأن هذه الانتصارات أجبرت المبعوث الأممي كوبلر ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج على التوجّه إلى القاهرة للتباحث حول مستقبل حفتر وعلاقته بالحكومة التي تمخضت عن اتفاق الصخيرات الأخير، ومدى إمكانية دمج حفتر ومن خلفه برلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح العبيدي في خريطة المستقبل الليبية. فالقاهرة لم تكن يوماً جادة فيما أعلنته عن دعمها لحكومة الوفاق الليبية، بل كانت تخطط في الأساس لتطويع هذه الحكومة وإيجاد مكان لحفتر وعقيلة صالح، وهما الرجلان الأقرب إلى السيسي والإمارات سياسياً في ليبيا.
وبعد العملية العسكرية الأخيرة والخاطفة التي قام بها حفتر في منطقة الهلال النفطي الليبي، التي حُيّدت عن الصراع الدائر في البلاد منذ البداية ،وتُعد رئة الاقتصاد الليبي، وتمكنه من تحرير الثروة النفطية الليبية من قبضة التنظيمات المسلحة غير الشرعية، غيرت عدة دول عربية وغربية موقفها من حفتر، ولاسيما بعد أن تفاجأت دوائر القرار في العالم العربي والغربي بحجم التأييد الشعبي الذي لقيه من قبل أغلب المدن والقبائل والذين عبّروا عن دعمهم والتفافهم حول مؤسسة الجيش الليبي بقيادته.
ويعتقد حفتر أن السيطرة على منطقة الهلال النفطي الليبي، ستمكنه من الإمساك بورقة تمثّل أهمية كبيرة في حسم الصراع في ليبيا لصالحه، إذ قام بإرجاع الموانئ النفطية إلى سلطة الدولة الليبية والمتمثلة في المؤسسة الوطنية للنفط، ورفض الاستجابة للنداءات الدولية بوجوب أن يتم تصدير النفط تحت شرعية المجلس الرئاسي، بل إن برلمان طبرق الذي يُوَالِيهِ حفتر، أعلن بدء تصدير النفط من ميناء الزويتينة، ورفع القوة القاهرة عن موانئ النفط من خلال مؤسسة النفط التي تُوَالِيهِ، ما قد يكون سبباً إضافياً في إجبار الأطراف الدولية على تغيير موقفها من المجلس الرئاسي كسلطة حاكمة في البلاد، ثبت بالملموس أنه عاجز عن إدارة الحكم بمفرده في ليبيا ما لم يبحث بشكل جدي عن إيجاد تسوية سياسية جديدة تقوم على تقاسم السلطة بين جميع الأطراف السياسية الفاعلة، الأمر الذي يقود إلى إعادة النظر في اتفاق «الصخيرات» الذي رعته وباركته الأمم المتحدة و الدول الغربية الكبرى.
في ضوء هذه التطورات المتسارعة، وتغير موازين القوى في ليبيا، باتت مصر تمثل فاعلاً مهماً في إيجاد تسوية للأزمة الليبية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، إذ يصر الرئيس المصري على إيجاد مكان سياسي لحفتر، باعتباره لاعباً أساسياً في ليبيا المستقبل، ليس فقط لعلاقاته الوطيدة بالإمارات (الداعم الرئيس للسيسي حالياً) بل أيضاً لمواقفها المبدئية ضد التيارات الإسلاموية ولاسيما جماعة «الإخوان المسلمين»، وهو ما يفتح شهية السيسي على أفكار تكوين حلف استراتيجي بين مصر وليبيا ضد القوى الإسلاموية، كما يجعل ليبيا أكثر صرامة في التعامل العسكري والأمني مع هذه الجماعات، التي يرى السيسي أنها تشكّل خطراً محدقاً بمصر من ناحية الغرب، ويبذل السيسي جهوداً مكثفة لإقناع الدول الكبرى برفع الحظر عن توريد الأسلحة لقوات حفتر باعتبارها الجيش النظامي للدولة الليبية، وهي نقطة تُعد محور نزاع بين القاهرة وحكومة السراج. فالسراج الذي لا يثق بحفتر، وعبّر عن ذلك للمسؤولين المصريين، يريد المساواة بين قوات حفتر وقوات الحرس الوطني التابعة له على مستوى التسليح والدعم الخارجي، وهو أمر ليس محققاً الآن، ولذلك جاءت رحلة السراج الأخيرة إلى القاهرة للتباحث بشأن مستقبل العلاقات(الرسمية) بين حكومة الوفاق والقاهرة، في ظل دعم الأخيرة (المبطن) لحفتر ومعرفة ما قد يترتب على ذلك في المستقبل.
يلمس المحللّون والمتابعون للشأن الليبي، أن دعم القاهرة لحفتر في معركة السيطرة على الهلال النفطي الليبي، قد أدّى إلى تحسين شروطها وشروطه عند التفاوض على طبيعة موقعه في الحكومة الليبية مستقبلاً، وبالتبعية طبيعة موقع رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، هذا من جانب.. ومن جانب آخر، يبدو الفارق شاسعاً بين الطريقة التي تدير بها مصر الملف الليبي، وطريقة إدارة القوى الغربية للملف ذاته، فمصر ما زالت تتعامل مع الواقع القبلي والعشائري الذي ترغب الأحزاب الليبية في تخطيه إلى آفاق سياسية أكثر رحابة عبّرت عنها وثيقة اتفاق «الصخيرات». ونظراً لقوة التأثير المصري في ليبيا، باعتبارها دولة جارة تفهم الواقع الليبي أكثر من سواها، ونظراً لسيطرة المشير حفتر حليف الرئيس السيسي على الهلال النفطي الليبي، يبدو المناخ مهيأً الآن أكثر من أي وقت مضى أمام سعي مصر للتوصل إلى اتفاق جديد في ليبيا يفرغ اتفاق «الصخيرات» من مضمونه أو على الأقل يضمن موقعاً مميزاً لحلفاء السيسي، بحد أدنى ضمان تحويل قوات حفتر إلى جيش نظامي رسمي غير محظور التعامل معه دولياً، وبلورة دور سياسي لعقيلة صالح ومجموعته المتمركزة في طبرق.
فهناك شبه إجماع ليبي و دولي على أن اتفاق «الصخيرات» لم يعد ملائماً لإيجاد تسوية سياسية ترضي جميع الأطراف السياسية الفاعلة في ليبيا، فمن خلال اللقاءات التي جرت في القاهرة بين المسؤولين المصريين وكل من السراج وعقيلة، و كوبلر، تم طرح استضافة مصر لمفاوضات جديدة ،من دون أن يعني ذلك استغناء عن الدور الغربي المهم في إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية، وإحلال السلام في ليبيا.

* كاتب تونسي

المصدر: صحيفة تشرين

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *