الجمعة , أغسطس 18 2017
الرئيسية / دراسات / هل هناك ثورات مزيّفة؟

هل هناك ثورات مزيّفة؟

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: د. هيثم مزاحم* —

هل هناك ثورات مزيّفة وثورات حقيقية؟ وما هو المعيار لتصنيف الثورة بأنها حقيقية أم مزيّفة؟ وهل الحكم على الثورة يجب أن يخضع لخلفيتنا الأيديولوجية والدينية والسياسية وموقفنا السياسي منها لمنحها صفة الثورة أو عدّها ثورة حقيقية أم مزيّفة؟
بداية يجب تعريف معنى الثورة برغم الاختلافات في التعريفات. فكلمة ثورة تعني في الأصل أمراً مختلفاً باللغتين العربية واللاتينية. فمصدر كلمة “ثورة” في اللغة العربية هو فعل (ثار – يثور) ومعناه غضب وهاج، ومنها اشتقاق اسم الثور، ذكر البقرة. فقد استخدم العرب إذاً كلمة ثورة بمعنى الغضب والهياج، ولم تستخدم الكلمة كاصطلاح سياسي واجتماعي بمعنى التغيير الجذري والانقلاب والتمرّد وتغيير النظام إلا في العصر الحديث. واستخدم العرب كلمة “الخروج” للتعبير عن التمرّد أو الثورة على الحاكم والنظام القائم.
أما استخدام كلمة ثورة باللغة اللاتينية Revolution كاصطلاح سياسي واجتماعي وعلمي، بمعنى التغيير الجذري والتحوّل، فهو حديث أيضاً. أصل الكلمة نشأ في علم الفلك واستُخدم على سبيل التشبيه في السياسة. وكانت كلمة Revolution في الأصل اصطلاحاً فلكياً، اكتسب أهمّيته المتزايدة من خلال العالم الفلكي نيكولاس كوبرنيكوس. الاصطلاح لا يشير إلى العنف، بل يشير إلى حركة دائرية متكرّرة للنجوم، بما أن هذه الحركة هي خارج تأثير الإنسان، أي لا يمكن مقاومتها. وعندما نُقلت الكلمة إلى المجال السياسي، كان معناها تعاقب الحكومات والدول في دورة لا يمكن للبشر تبديلها وتغييرها.
ولا بدّ من العودة إلى اللحظة الأولى التي استخدمت فيه كلمة “ثورة” Revolution بهذا الاسم. ففي 14 يوليو/ تموز 1789 سقط سجن الباستيل في باريس. وحين سمع الملك الفرنسي لويس السادس عشر من مبعوثه “ليانكورت” بسقوط الباستيل، وتحرير بضعة سجناء منه، وتمرّد القوات الملكيّة قبل وقوع الهجوم الشعبي، قال الملك في وجه رسوله “إنه تمرّد”، فصحّحه “ليانكورت” قائلاً: “كلا يا صاحب الجلالة، إنها ثورة!”. تقول الفيلسوفة الأميركية – الألمانية “حنّة أرندت” معلّقة: “حين قال لويس السادس عشر إن اقتحام الباستيل هو تمرّد، كان يؤكّد على سلطته وعلى الوسائل المختلفة بين يديه لمواجهة المؤامرة والتحدّي الواقع على سلطانه”.
وليس ثمّة تعريف واحد للثورة. يقول الباحث والمؤرّخ الأميركي “كرين برينتن” في كتابه “تشريح الثورة” إن الثورة من الكلمات التي تتّصف بالغموض، وقائمة الأحداث والأفعال المرتبطة بهذه الكلمة غير محدودة. فهناك “الثورة الفرنسية الكبرى”، و”الثورة الأميركية”، و”الثورة الصناعية”، و”الثورة في هاييتي”، و”ثورة اجتماعية”، و”ثورة السود في أميركا”، و”ثورة في تفكيرنا”، و”ثورة في صناعة السيارات”..إلخ. أي أن كلمة “الثورة” صارت مرادفاً لكلمة “تغيير”، ربما مع الإيحاء بأن هذا التغيير مفاجئ أو لافت للنظر.
ويعرّف “برينتن” الثورة بالاستبدال المفاجئ والعنيف للفئة الحاكمة بفئة أخرى لم يكن لها نصيب آنذاك من إدارة الدولة والحكم، وذلك عبر انتفاضة عنيفة أو انقلاب أو عصيان مسلّح أو …… ويتساءل برينتن إن كان يمكن إطلاق تسمية الثورة على التغيير من دون اللجوء إلى العنف.
أما الباحث آرثر باور، فقد عرّف الثورات في بداية القرن العشرين، بأنها المساعي الناجحة أو غير الناجحة التي تهدف إلى إيجاد تغييرات في بنية المجتمع من طريق استخدام القوّة والعنف.
التعريف الذي يتبنّاه علم الاجتماع لاصطلاح الثورة هو أنها تغيير جذري أساسي وعميق في المجتمع وبناه الاجتماعية، وخصوصاً حين يكون فجائياً ومصحوباً بالعنف.

Egyptian-revolution

أما التعريف السياسي، فهو أن الثورة تعني تغيير النظام السياسي الحاكم ورموزه. وإذا جمعنا بين التعريفين، يمكن الخروج بتعريف أشمل هو: “الثورة تغيير جذري غير سلمي للنظام السياسي ورموزه وبناه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهذا التغيير يكون عادة فجائياً ومصحوباً بالعنف”.
وقد نشر باحثون ومفكّرون غربيّون دراسات مهمّة عن الثورة، هي في معظمها دراسات للثورات العالمية الشهيرة، بغية فهم دوافعها وأسبابها ومآلاتها واستخلاص القواسم المشتركة بينها. فما هي بعض العناصر المشتركة للثورة التي تمكنّنا من فهم أسباب الثورات ودوافعها؟ ولماذا تحدث الثورات، على الرغم من تباين الأسباب أحياناً، واختلاف العوامل والدوافع أحياناً أخرى؟
المفهوم الحديث للثورة، بحسب الفيلسوفة الألمانية – الأميركية حنّة أرندت، يرتبط “ارتباطاً لا انفصام له بالفكرة التي تقول إن مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تماماً، قصة لم تروَ سابقاً ولم تُعرف قط، هي على وشك أن تظهر”.
هذا المفهوم لم يكن معروفاً قبل اندلاع الثورتين الفرنسية والأميركية في نهاية القرن الثامن عشر. أما عقدة هذه الحكاية الجديدة، فهو ظهور الحرية. وقد عبّر عن ذلك أحد منظّري الثورة الفرنسية، جان كوندورسيه، بقوله: إن كلمة ثورة “لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية”.
وترفض أرندت إمكانية تشبيه الثورات ــ بحسب تعريف أفلاطون لها ــ بأنها تحوّل شبه طبيعي في شكل من أشكال الحكومة إلى شكل آخر. فالثورة في رأيها ليست مجرّد تغيير، بل هي بداية جديدة لتاريخ لم يكن معروفاً قبل الثورتين الأميركية والفرنسية.
كانت العصور القديمة على معرفة بالتغيير السياسي والعنف الذي يصاحب التغيير، لكنّها لم تكن ترى أن هذا التغيير والعنف من شأنهما أن يأتيا بشيء جديد تماماً.
وترى أرندت أن الشيء الحديث، والمميّز والجديد في الثورتين الأميركية والفرنسية، هو “ظهور الحرية”. وهي تفرّق بين “الحرية” و”التحرّر”، فهما ليسا مثل بعضهما. فالتحرّر (liberty) قد يكون هو شرط الحرية (Freedom)، ولكنه لا يقود إليها آلياً. والحرية المقصودة هي الحرية السياسية. فالحرية لا تعني سوى التحرّر من الكبح، أي القدرة على التنقّل والتجمّع للمطالبة بالحقوق، والتحرّر من الحاجة والخوف. إن هذه الحريات كلّها هي نتائج للتحرّر، لكنّها ليست المحتوى الحقيقي للحرية، والذي هو المشاركة في الشؤون العامة أو الدخول في الميدان العام. والثورة هدفت إلى ضمان الحقوق المدنية، وكذلك إلى التحرّر من الحكومات التي تجاوزت سلطاتها وانتهكت الحقوق القديمة والثابتة.
ولا نتفق مع ارندت في اقتصار الثورة على التغيير الذي يؤدي إلى التحرر فقط، فقد تؤدي ثورات إلى ترسيخ الاستبداد أو سيادة التخلف والقمع والفساد والرجعية.

Cubian-revolution

وليست تسمية “ثورة” إضفاء لمشروعية سياسية على أي حراك أو تغيير عنفي. كما أن تسمية “ثورة” لا تعني أحقية الثوار بما يقومون به وشرعية تمردهم أو انقلابهم.
ولا ينبغي أن تكون الثورة شعبية شاملة حتى تكون ثورة بينما معظم الثورات بدأها عدد محدود من الناس أو الثوار أو المتمردين وانضم إليهم لاحقاً مجموعات من الناس مشاركة أو تأييداً. ولا يعني اندلاع ثورة أو نجاحها أن الحكم الذي أسقطته كان بلا مؤيدين أو لا يمتلك شعبية معينة أو مشروعية ما.
فهذه الثورة الكوبية قام بها نحو 300 مقاتل فقط بقيادة فيدل كاسترو إذ دخلوا العاصمة هافانا يوم 8 كانون الثاني/ يناير 1959 وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولجنسيو باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية.
كما أن الثورة الإسلامية في إيران، برغم تمتعها بشعبية هائلة أنذاك، لكن كان للشاه محمد رضا بهلوي أيضاً مؤيدون ولا يزالون.
بالعودة إلى السؤال الأساس: هل هناك ثورات حقيقة وأخرى مزيّفة، نجيب: كلا. هناك ثورات فاشلة وثورات غوغائية وثورات رجعية وأخرى قادت إلى الاستبداد والفساد والتخلف والرجعية.
فماذا نطلق من تسمية على التمرد على الخليفة عثمان بن عفان، بغض النظر عن أحقيتها ومشروعيتها ومشروعية سلطة عثمان؟ إنها ثورة بكل معنى الكلمة.
وماذا نطلق على التمردات الشيعية ضد الأمويين بدءاَ من حركة الإمام الحسين واستشهاده في كربلاء مع أهله وأصحابه، برغم فشلها العسكري؟ إنها ثورة لا تزال أصداؤها حيّة في التاريخ والحاضر برغم مرور نحو 1400 سنة على وقوعها.
وبناء عليه، نختلف مع الكثير من السياسيين والمعلقين الذين يتهمون ثورات “الربيع العربي” بأنها ليست بثورات لمجرّد خلافهم معها، أو اختلاهم الديني المذهبي أو الأيديولوجي أو السياسي معها. فالانتفاضات التي بدأت من تونس، مصر، البحرين، ليبيا، اليمن، سوريا، وفي غرب العراق، هي ثورات من جهة قيامها بالتغيير الكلّي أو الجزئي، بغض النظر عن مآلاتها لاحقاً وانحرافاتها سواء اتخذ بعضها منحىّ إخوانياً أو مذهبياً تكفيرياً أو استعان بعضها بالتدخل الأجنبي للانتصار على النظام، كما استعان بعض الأنظمة بتدخل أجنبي لقمع الثورات.
للأسف إنها ثورات لكنها لم تصل في معظمها إلى التغيير الشامل نحو التحرر والديموقراطية والحقوق المدنية والسياسية، حيث أدت في العراق إلى سيطرة “داعش” وإقامة حكم “الخلافة” بينما توزعت سوريا على إمارات إسلامية وسلفية جهادية بين “داعش” و”جبهة النصرة” و”الجبهة الإسلامية” وحركة “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” والخ.. بحيث بدت كثورات سلفية سنّية ذات اتجاهات تكفيرية متشددة.
ألم تؤدِّ الثورة الفرنسية إلى سيطرة اليعاقبة المتطرفين ومن ثم انقلاب نابليون بونابرت وتحويله الجمهورية إلى إمبراطورية قامت على غزو الدول المجاورة واستعمار الدول الأخرى، وخاصة في العالم الثالث؟
ألم تقم السلطات الثورية الكوبية بتصفية آلاف المعارضين واعتقال عشرات الآلاف منهم وقمع الآلاف إلى الفساد واحتكار السلطة والثروات ما أدى إلى هروب مئات الآلاف من الكوبيين إلى أميركا والدول المجاورة؟
وهكذا جرى مع الثورات الروسية والصينية والإيرانية وغيرها، من قمع واحتكار للسلطة وتصفية للمعارضين، لكنها بقيت تسمّى ثورات!

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط ورئيس تحرير موقع “شجون عربية” وموقع “ذا ليفانت” الإخباري بالإنجليزية.

المصدر: مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *