السبت , نوفمبر 25 2017
الرئيسية / كتب / «سندباد مصري» … حسين فوزي في رحلة البحث عن حضارة المكان والبشر

«سندباد مصري» … حسين فوزي في رحلة البحث عن حضارة المكان والبشر

القاهرة – سلوى عبدالحليم – الحياة — يقول حسين فوزي في مقدمة كتابه «سندباد مصري» الذي صدرت أخيراً طبعة جديدة منه عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، في القاهرة، ضِمنَ سلسلة «ذاكرة الكتابة»: «أؤمن بوطني، وشعب بلادي، المؤلف من ملايين المحرومين من الصحة، ومن التعليم، من الرفاهية الجثمانية والعقلية».
بعيداً من السرد التاريخي الجامد، يحاول عالِم البيولوجيا حسين فوزي (1900- 1988) سبر أغوار الشخصية المصرية عبر عرض لجوانب مجهولة من تاريخ مصر. يبدأ «سندباد مصري» مسيرة البحث عن مصر بالتأمل في «الجمعة الحزينة» عندما تم لسليم الأول سلطان بني عثمان إتمام النصر على آخر المماليك بذبح طومان باي «ولا أحسب مصر في تاريخها الطويل عرفت عهداً أظلم من تلك القرون الثلاثة بل الأربعة التي مرت على مصر بعد موقعة مرج دابق بالشام، وموقعة سبيل علان بمشارف القاهرة». يرتفع الستار، إذاً، على مذبحة ومأساة وعلى طول صفحات الكتاب سيلمس القارئ كراهية شديدة لفترة الحكم العثماني، وفق ما أورده عبدالمنعم محمد سعيد في مقدمته. وفي رأي فوزي فإن أسوأ حقبتين في تاريخ مصر الممتد، سنوات حكم الهكسوس والعثمانيين. ويمكن تلخيص الإطار الأيديولوجي لهذا الكتاب في أن الهوية القومية هي نتاج عملية إحيائية، أي أن الأمم هي كيانات أزلية وأصيلة، وأن وعيها بهويتها القومية قد يتراجع أو يضعف بفعل متغيرات التاريخ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية أو هيمنة الكيانات الإمبراطورية، «ولكن هذا الوعي لا يموت ولا يندثر، وما أن تتوافر شروط تاريخية جديدة، مثل ضعف الكيانات الإمبراطورية الجامعة، وولادة الطليعة القومية، حتى تستعيد الأمم وعيها بهويتها القومية».
ومن أجواء الكتاب نقرأ حديثاً عن ملكات ثلاث: أم خليل، بنت الزمار، الصعيدية. يقول فوزي: «كأن تاريخ مصر لا تنقصه الغرائب والأعاجيب! وليس العجب أن تحكم مصر نساء، وقد حدث هذا في أكثر من مكان خارج مصر، ولكن العجب أن تمتاز ثلاث ملكات في تاريخ مصر، تشتهر إحداهن في التاريخ العام، وتشتهر الثانية في تاريخ الفراعنة، وتشتهر الثالثة في تاريخ مصر الإسلامية: كليوباترة، وحتشبسوت، وشجرة الدر». كانت كليوباترة «بنت الزمَّار» مصرية المولد والسيرة، لكنها مقدونية الأصل من ناحية الأب على الأقل، لأننا لا نعرف شيئاً عن أصل أمها الراقصة، عشيقة بطليموس فيلوباتور المكنى بالزمار.
ويعلق فوزي على حكاية موت كليوباترة: «ماتت مسمومة، فهذا ما لا ينقضه شك. ولست مستعداً لتصديق حكاية الصل الذي أدخل عليها مختبئاً في سلة تين، وأنها مدت يدها ودستها بين التين، ليعضها ذلك الصل الأنيس، الذي يقضي عطلته السنوية مستكيناً بين حبات التين! وكأنه على ميعاد مع ثلاث غانيات يعض أولهن برفق ثم يخرج متثاقلاً لينفث سمه في رفيقتيها… لكنها حكاية رومانسية تنفع المخرجين السينمائيين، كما انتفع بها أكتافيانوس في موكب انتصاره في روما، فقد سحب خلفه تمثالاً يصور ملكة مصر ممددة على سريرها يلتف حول ذراعها صل قاتل».
وفي كلامه عن الحضارة المصرية، يرى الكاتب «أنه لا يجدي الادعاء بأن حضارة مصر القديمة باقية فينا إلى اليوم، فهي غير باقية، وانتهى الأمر».
ويضيف: «لا يعنيني كثيراً إذا كانت مصر أثَّرت في حضارة أوروبا، أو أن أوروبا هي بنت التوراة واليونان وروما والإنجيل فحسب، إنما الذي يعنيني ويجب أن نهتم به كل الاهتمام هو أن نعيد تلك الحضارة إلى الحياة في نفوسنا، وذلك بأن نحاول فهمها وأن ندرس حكمتها وعلمها وفنها، وليس معنى هذا الفهم وتلك الدراسة أن نعود إلى أساليب الفن القديم، فتلك أفكار سطحية مشوشة، ودعوة تنقصها أقل خبرة بالحياة الفكرية».
وينبه حسين فوزي إلى أن الحضارة كل لا يتجزأ، فلا تستطيع مصر أن تأخذ بجانبها المادي وتتجاهل عناصرها الثقافية والروحية وهو الاتجاه الذي أدى في رأيه إلى «اختلاط سبل الإصلاح الروحي وغياب المقومات الحقيقية للنهضة». ولذلك يعيب حسين فوزي على الموقف من الحضارة الغربية، «هذا المرض الانفصامي العجيب»، والاكتفاء بمظاهرها وتطوراتها الدنيوية في الملبس والأثاث والزينة وفي حفلات المجتمع والأغاني والأفلام الجنسية والأدب المكشوف ولكن من دون اهتمام مواز بالاستفادة من فنون الغرب الرفيعة وفكره وفلسفته». ويشير «سندباد مصري» إلى اللغة العربية باعتبارها «دعامة صرحنا الثقافي كله»، ويشدد على أهمية تعمقنا فيها ودراستها، نحواً وصرفاً وأساليب، الأمر الذي، «يزيد اطمئناناً إلى صدق حياتنا، ورسوخ قواعدها». ويستطرد: «وعنايتنا القويمة بالحضارة العربية لا تعفينا من أن نحيي في نفوسنا تاريخ حضارتنا السالفة، في قالب عربي بليغ، إذ يجب أن يتكون المصري عقلاً وشعوراً مما يوحي به تاريخه الحضاري كله، فيتمثل حضارته جميعها في إطار لغته العربية». وفي الخاتمة يوضح: «أردتُ لهذا الكتاب أن يكون ملحمة للشعب المصري، فإذا هو في أكثر من موضع مرثية طويلة لما عاناه على مدى الأزمان، وإذا بي، وأنا أؤكد قوة هذا الشعب على المقاومة والصراع والبقاء، وأشير إلى ما أداه من خدمات للحضارة، أتوكأ على آلامه وهزائمه».
ويتساءل فوزي: «أترى في هذا معنى من المعاني المتأصلة في النفس المصرية، وهل كنت معبراً عن ذلك الروح الحزين، روح المصري يضحك بملء فيه وحنجرته، ثم يقول فجأة اللهم اجعله خيراً؟ لا أدري، وإنما أعرف أنني أعيش مثل مواطني مصر، نظرنا يحدق في الماضي المجيد، يستوحيه أملاً في المستقبل، وموقن بأن ما أبقى على المصري خمسة أو ستة آلاف سنة من تاريخه المهول، هو إيمانه بشمسه ونيله وأرضه السمراء، وقوة الخير التي تدير أموره من عل، فهو مؤمن بأن المدبر الأعلى لا ينسى كنانته، وأن من أرادها بسوء قصمه الله. لقد ذاقت مصر حكم الأجنبي على كل لون تراه فوق خريطة أوروبا وآسيا، لم يـنـقصها إلا حكم الهنود والصينيين واليابان، حتى يمكن القول بأن مصر ليست بأقدم الأمم حضارة وأعرقها فحسب، بل قد تكون الوحيدة من بلاد الله عانت خلق الله جميعاً».
المصدر: الحياة

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *