الجمعة , سبتمبر 22 2017
الرئيسية / آراء / بعد الفوضى الخلاّقة.. شرق أوسط جديد

بعد الفوضى الخلاّقة.. شرق أوسط جديد

بقلم: صبحي غندور — أميركا لم تصنع الحرب العالمية الثانية، لكنّها استفادت من تداعيات الحرب لكي تُضعف المنافسين الأوروبيين الذين تربّعوا على عرش زعامة العالم منذ الثورة الصناعية في أوروبا.

أميركا لم تخطّط للعدوان الثلاثي (البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي) على مصر عام 1956، لكنّها استفادت من ثورة مصر عبد الناصر والمنطقة العربية على البريطانيين والفرنسيين من أجل وراثة دورهم ونفوذهم في منطقة الشرق الأوسط.

أميركا لم تشعل نار الخلافات العقائدية والسياسية بين روسيا والصين، خلال فترة الحرب الباردة مع المعسكر الشيوعي، لكنّها استفادت من الصراعات الداخلية في الدائرة الشيوعية من أجل عزل الاتحاد السوفييتي وانشغاله في «حروب عقائدية داخلية».

طبعاً هناك عدّة حروب وصراعات بدأتها أميركا أو خطّطت لبعض تفاصيلها لأجل توسيع دائرة هيمنتها أو لتحجيم نفوذ المنافسين لها. بعض هذه الحروب سارت في اتّجاه الهدف الأميركي، وبعضها الآخر مشى في الاتّجاه المعاكس لرغبات واشنطن، لكن الحروب كرّ وفرّ، وقد فشلت أميركا في أماكن عديدة كان أبرزها في الميدان العسكري خسارتها لحرب فيتنام.

وكان أهمّها في الميدان السياسي خسارتها لموقع النفوذ في إيران. لكنّ واشنطن «الفاشلة» بنهاية السبعينيات، نجحت في الفترة التاريخية نفسها من بدء حرب استنزاف طويلة لمنافسها السوفييتي، من خلال إطلاق ظاهرة «المجاهدين الأفغان» ضدّ الحكم الشيوعي في كابول المدعوم سوفييتياً.

وأيضاً نجحت في تشجيع العراق وإيران على إشعال حرب مدمّرة للبلدين معاً ولثروات منطقة الخليج العربي، ثمّ نجحت واشنطن في توظيف أخطر صراع عربي/عربي في التاريخ المعاصر، والذي نتج عن قيام حكم العراق باحتلال الكويت وتشريع أبواب المنطقة للتدخّل الأجنبي.

هكذا هو تاريخ الإمبراطوريات والقوى الكبرى في العالم: صناعة أحداث للاستفادة من نتائجها، أو توظيف أحداث قائمة لخدمة مصالح القوّة الكبرى المهيمنة. وهكذا هو أيضاً تاريخ المنطقة العربية مع القوى الكبرى. والمشكلة ليست في وجود تخطيط أو تآمر أجنبي بل في عدم توقّعه أو التحسّب له ولأساليبه وأهدافه. وهي مشكلة «الداخل» الذي يوجِد الأرض الخصبة لزراعة تآمر «الخارج» ثمّ يترك لهذا الطرف الخارجي أن يحصد النتائج.

متغيّراتٌ دولية كثيرة حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال العقود الماضية التي تبعت انتهاء الحقبة الأوروبية الاستعمارية، ومنها وراثة الولايات المتحدة للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وظهور معسكريْ «الشرق الشيوعي» بقيادة روسيا و«الغرب الرأسمالي» بزعامة أميركا. لكن انتهاء «الحرب الباردة» بين المعسكرين، مع غروب القرن العشرين، لم تكن نهايةً لنهج التنافس الدولي على العالم وثرواته ومواقعه الجغرافية الهامّة.

كما هو موقع الأمَّة العربية وثرواتها الهائلة. إنّ صُنّاع القرار الأميركي يأملون الآن كثيراً في تحقيق أهداف السياسة الأميركية في «الشرق الأوسط»، من خلال تفاعلات الصراعات المحلّية والإقليمية الدائرة بالمنطقة، ودون حاجةٍ لتورّطٍ عسكريٍّ أميركي كبير في أيٍّ من بلدانها.

فبعد احتلال العراق في العام 2003، أطلقت إدارة بوش الابن ثلاثة شعارات، فشل الأول منها وتعثّر الثاني وبقي الشعار الثالث رهناً بما يحدث من صراعات ومتغيّرات عربية. الشعار الأول كان عقب غزو العراق مباشرةً حينما تحدّث أكثر من مسؤول أميركي عن أنّ العراق سيكون «نموذجاً للديمقراطية» في الشرق الأوسط، وأنّ دولاً عديدة في المنطقة ستحذو حذوه.

الشعار الثاني، كان عن «الشرق الأوسط الكبير» الجديد الذي سيخرج إلى الوجود بعد تفاعلات الحرب في العراق، وبعد حروب إسرائيل في عام 2006، والتي دعمتها بشدّة إدارة بوش الابن.

لكن الممارسة الأميركية في العراق كانت «نموذجاً» للفشل والكذب والخداع في السياسة الأميركية، ولم تتدحرج أنظمة المنطقة خلف «الدومينو العراقي»، كما توهَّم وراهَنَ «المحافظون الجدد»، وكذلك كان مصير أحد أهداف شعار «الشرق الأوسط الكبير» في القضاء على ظواهر المقاومة ضدّ إسرائيل، بعد حربيْ صيف عام 2006 في لبنان ونهاية عام 2008 في غزّة.

أمّا الشعار الثالث، الذي أطلقته الوزيرة كونداليزا رايس خلال الفترة الثانية من حكم بوش الابن، فكان عن «الفوضى الخلّاقة»، التي كانت المراهنة على حدوثها في بلدان الشرق الأوسط من خلال تفاعلات الأزمات الداخلية في دول المنطقة.

ولعلّ ما حدث ويحدث في السنوات الماضية داخل عدّة بلدانٍ عربية يؤكّد أنّ شعار «الفوضى الخلّاقة» لم ينتهِ مع نهاية حكم «المحافظين الجدد»، وبأنّ المراهنات استمرت قائمة على هذا الشعار، رغم التغييرات التي حدثت في «البيت الأبيض».

فالوقائع والتجارب كلّها تؤكّد وجود أهداف ومصالح ومؤسّسات أميركية تصنع القرار الأميركي، وهي محصّنة ضدّ تأثيرات ما يحدث في الحياة السياسية الأميركية من تحوّلات وصراعات انتخابية محلّية.

وستكون نهاية هذا العام الجاري، فترة حصاد سنوات الفوضى العربية التي بدأت في العام 2011 بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكن دون حسم للخطّ الفاصل بين «إسقاط النظام» و«عدم سقوط الوطن». فصحيح أنّ الانتفاضات العربية بدأت بإرادة شعوبٍ مقهورة.

لكنّ معظمها انحرف إلى مسار أجندات إقليمية ودولية؛ بعضها استهدف تقسيم الأوطان وتدويل أزماتها الداخلية، وبعضها الآخر يراهن الآن على تثبيت النفوذ والمصالح في «شرق أوسطي جديد» لم تنجح واشنطن في تحقيقه بمفردها، فاختارت التوافق مع موسكو على رسم التسويات رغم استمرار الخلافات على مقدار الحصص.

العرب الآن إلى مصيرٍ مجهول، وهناك مخاوف من أن تشهد المنطقة من جديد ما شهدته منذ مئة عام؛ من رسم خرائط جديدة، ومن مراهنات على الخارج، ومن حصد صهيوني لهذه المتغيّرات، بينما تشهد أوطانٌ في الأمّة العربية الآن حروباً أهلية، في ظلّ تشويهٍ لحقائق الصراعات.

*مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

المصدر: صحيفة البيان

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الشريعة الإسلامية في تاريخ الدستور السوداني بين حقوق دينية وعراقيل دستورية

“شجون عربية”_ بقلم: د.محمد عبدالرحمن عريف.. كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. الشريعة الإسلامية حديثًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *