الإثنين , ديسمبر 11 2017
الرئيسية / ترجمات / روسيا في سورية، بين إيران وإسرائيل

روسيا في سورية، بين إيران وإسرائيل

بقلم” تسفي مَغين وأودي ديكل وسيما شاين – باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي —

•إن تحوّل روسيا إلى الطرف الأكثر تأثيراً في سورية منذ أواخر 2015 وضعها في موضع إسفين بين المطامح الإيرانية في المنطقة ومصالح إسرائيل. والاجتماع بين الرئيس بوتين ورئيس الحكومة نتنياهو دار حول مسألة الوجود والنفوذ الإيراني في سورية، في وقت تحاول فيه روسيا المناورة بين الرغبات المتعارضة. ومن جرّاء انسحاب الولايات المتحدة وهامشية دورها، تحولت روسيا إلى العنوان الرئيسي لإسرائيل في ما يتعلق بجهودها الرامية إلى إحباط التهديد الإيراني في الساحة الشمالية، لذا يتعين على إسرائيل استخدام وسائل ضغط على موسكو، لكونها قادرة على أن تؤثر في إيران.
•ثمة تقارير متعارضة أغلبها موجه، بشأن كيف جرى الاجتماع في 23 آب/أغسطس بين رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي. لقد تمحور الاجتماع على بحث التدخل الإيراني المتزايد في سورية، والدور الذي تمنحه روسيا لإيران في صياغة تسوية سياسية مستقبلية هناك. وقبل الاجتماع بعثت إسرائيل برسائل حادة عبرت فيها عن تقديرها بأن استمرار الوجود الإيراني في سورية ينطوي على تهديد ملموس بالنسبة لها. وفي المقابل بُذل جهد إسرائيلي لإقناع الولايات المتحدة بعدم التخلي عن الساحة السورية بصورة كاملة وتركها لروسيا، وخاصة لإيران (جميع المناطق التي تحررها الولايات المتحدة من سيطرة تنظيم “داعش” ستنتهي بأن تحتلها إيران والتنظيمات التي تدور في فلكها).
•إن السؤال الأساسي المطروح هو: هل أثمر اللقاء بين نتنياهو وبوتين عن اتفاقات وقرارات عملية تساعد في لجم وتقليص التدخل الإيراني في سورية؟ تحاول روسيا من ناحيتها إيجاد الطريق الذي يجمع بين المساعدة الحيوية التي تقدمها إيران للتحالف المؤيد للأسد الذي تتولى قيادته، وبين مراعاة المصالح الإسرائيلية المهددة من جراء التدخل الحالي والنفوذ الإيراني في سورية. وتقدر موسكو أن الاتجاهات الحالية المتعارضة والسلوك الإيراني في سورية والتخوف الإسرائيلي النابع من ذلك، كل ذلك سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى عملية عسكرية إسرائيلية يمكنها أن تغير الصورة وتقوّض الأسس المتزعزعة لنظام الأسد الذي تستند إليه روسيا في التسوية السياسية التي تسعى إلى اقامتها في سورية.
•في الحساب العام لروسيا، الذي يأخذ في الحسبان النتائج المحتملة للتسوية في سورية على وضعها الدولي، فإنها تريد الدفع قدماً بالتفوق العسكري والسياسي اللذين حققتهما هناك، إلى حد كبير على حساب مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. إن التسوية الحالية في سورية تضمنت وقف اطلاق النار وتشكيل مناطق تهدئة أملتها روسيا، في حين لعبت الولايات المتحدة دوراً ثانوياً في وضعها (الحادثة الوحيدة لتعاون ناجح بين إدارة الرئيس ترامب وروسيا). واقتصرت مساهمة الولايات المتحدة بصورة خاصة على محاولة الدفاع في اطار الاتفاق عن مصالح حليفيها، إسرائيل والأردن، من خلال البدء بتطبيق اتفاق وقف اطلاق النار وانشاء مناطق تهدئة في جنوب سورية.
•لقد تعاطى الأردن، الذي هدفه المباشر هو استقرار التهدئة في جنوب سورية، بإيجابية مع الاتفاق، بوصفه من بين أمور أخرى خطوة تمهد لعودة اللاجئين السوريين في أراضيه إلى منازلهم. في المقابل، إسرائيل التي لا تكتفي بوعود روسية عامة بمنع اقتراب قوات إيرانية من مسافة 30 كيلومتراً بعيداً عن حدود الجولان، لم تحصل على ما تطالب به. وعلى الرغم من الدعم الأميركي، فإن التسوية لا تلبي المطالبة الإسرائيلية إبعاد القوات الإيرانية والتنظيمات الدائرة في فلك طهران عن سورية.
•تتحدى إسرائيل مصالح القوتين العظميين: روسيا، فيما يتعلق باعتمادها على القتال البري لإيران وحلفائها إلى جانب الرئيس الأسد؛ والولايات المتحدة، من خلال التشديد على الحاجة إلى تعميق تدخلها في سورية، على الرغم من أنها عملياً أوكلت إلى روسيا معالجة “الملف السوري”، بمقتضى مسؤوليتها عن الحرص على المصلحتين الإسرائيلية والإقليمية، ولو بثمن احتمال مواجهة مع روسيا.
•من ناحية مصالح روسيا في سورية، فإن التدخل الإيراني شرعي تماماً، مثل التدخل الروسي. والمبرّر على ذلك هو دعوة النظام الشرعي في سورية برئاسة الرئيس الأسد، حليفيه الاستراتيجيين، إيران وروسيا، للمساعدة في القضاء على معارضيه وإبقائه في الحكم، خلافاً للولايات المتحدة التي تدخلها غير مرغوب فيه. ونتيجة لذلك، ففي نظر روسيا، لإيران دور أيضاً في صياغة سورية في “اليوم التالي” للحرب الأهلية. إن وجود إيران للقيام بالعمل “القذر” على الأرض، وتوفير سند مهم لترميم وضع نظام الأسد، يجعل من إيران رصيداً بالنسبة لروسيا. بالاضافة إلى ذلك، اعتبرت روسيا إيران إلى جانب تركيا عنصراً ضامناً للتسوية في سورية في اطار محادثات أستانة التي تقودها موسكو.
•في مقابل ذلك، يجب الأخذ في الحسبان أنه كلما استقر الوضع في سورية، وبالأخص إذا تبلورت بنية سياسية فدرالية كما تقترح روسيا، فإن إيران يمكن أن تتحول إلى لاعب منافس لروسيا على النفوذ والسيطرة في هذه الدولة. ومن المتوقع أن تحارب إيران نشوء بنية فدرالية، إذ إنها تفضل حكماً مركزياً علوياً قوياً ومستقراً يكون خاضعاً لنفوذها.
•في سعيها لبلورة سياستها وردّها على التهديد الإيراني في سورية تستند إسرائيل إلى افتراضين أساسيين، الأهم هو الدور المركزي الذي تلعبه روسيا في صياغة سورية، والثاني، أن روسيا هي في الوقت الحالي صديقة لإسرائيل. ومن جهتها، تنظر روسيا هي أيضاً إلى إسرائيل كدولة صديقة، والأهم من ذلك كلاعب إقليمي مهم له مكانة سياسية واقتصادية يجب أخذها في الاعتبار. وفي تقدير روسيا، تملك إسرائيل قدرة على تهديد إنجازاتها في سورية بفضل قدرتها العسكرية الموثوق بها، بالإضافة إلى احتمال اندماجها كقوة مؤثرة في المعسكر الإقليمي المناهض للنفوذ الإيراني الآخذ في الازدياد في المنطقة. حتى الآن يُترجم هذان الافتراضان إلى تعاون. فإسرائيل وروسيا ينظران إلى بعضهما كشريكين في التنسيق العسكري الناجح، خاصة وأن تطبيق هذا التنسيق بينهما يأخذ في الحسبان مصالح الدولتين.
•من الصعب افتراض أن مواقف إسرائيل كما عُرضت أمام الرئيس الروسي الذي يعرف جيداً صورة الوضع، قد وقعت على آذان صمّاء. ففي الشبكة المعقدة المتعلقة بالساحة السورية لا يوجد اليوم طرف، بمن في ذلك إيران، معنيّ بتصعيد يمكن أن يؤدي إلى حرب في مواجهة إسرائيل، إذ إن من شأن ذلك أن يلحق ضرراً شديداً بالمشروع الإيراني (وبصورة غير مباشرة بالمشروع الروسي أيضاً) في سورية. وإيران نفسها مهتمة بالتعاون مع روسيا وذلك لأسبابها الخاصة، وهي، على الأقل في الفترة الحالية، لا ترغب في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. لذا من المتوقع أن تأخذ إيران في الحسبان التهديدات الإسرائيلية. ومعنى ذلك، تقليص نشاطها العسكري العلني، خاصة في جنوب سورية، حتى لو أدى ذلك إلى تعارض مع الخطاب السائد للقيادة الإيرانية والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. وفي الوقت عينه، تشدد طهران المرة تلو الأخرى على أنها لا تنوي إقامة قواعد في سورية، وأنها تقوم بعملياتها هناك من داخل قواعد تابعة للجيش السوري، أي كجزء من الطلب السوري للمساعدة.
•يتعين على إسرائيل بلورة سياستها وخطواتها مع الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة قيود مركزية. أولاً، يجب ألا تسمح بتمركز إيراني من شأنه أن يحول سورية مع مرور الوقت إلى دولة واقعة تحت الوصاية الإيرانية، وأن يوسع منطقة الاحتكاك بين إسرائيل وإيران والتنظيمات الدائرة في فلكها. ثانياً، إن العلاقات مع روسيا هي رصيد استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، لذا يتعين عليها المناورة بين تهديد ذي مصداقية وإظهار استعداد للمس بمصالح روسية حيوية في سورية، وبين رغبتها في استمرار تعاون استراتيجي مثمر مع موسكو. ثالثاً، الولايات المتحدة هي الحليف المركزي لإسرائيل، لكنها لن تقوم بالعمل بديلاً عنها. بالإضافة إلى ذلك تنظر إدارة ترامب إلى الساحة السورية كمكان للدفع قدماً بالتعاون مع موسكو وترغب في توسيعه أيضاً نحو ساحات أخرى (في طليعتها كوريا الشمالية). بناء على ذلك، لا توجد نية لدى الإدارة الأميركية للغوص في المستنقع السوري كما حصل في النموذج الفاشل في أفغانستان والعراق. وفي كل الأحوال، ستمنح واشنطن دعماً سياسياً لأي نوع من العمليات الإسرائيلية، حتى العسكرية واسعة النطاق، لكن ليس أكثر من ذلك.
•في ضوء هذا كله، فإن صراع إسرائيل ضد اتساع النفوذ الإيراني في سورية سيُحسم من خلال قدرة إيران وإسرائيل على استخدام أدوات تأثير فاعلة على روسيا. وستحاول روسيا المناورة بين المطالب الإسرائيلية والحاجة إلى التعاون مع إيران من خلال تقديم تعهدات متعارضة للطرفين. بناء على ذلك، ننصح إسرائيل بالتعامل بحذر مع وعود روسيا في هذا الاطار، وتحسين قدرتها على استخدام القوة بحكمة ومن وراء الكواليس، ضد أهداف التمركز الإيراني في سورية، وفقاً لعدد من المبادئ:
أ‌-الاتفاق مع روسيا على وجود إيراني خاضع للرقابة شمالي دمشق على بعد لا يقل عن 40 كيلومتراً من هضبة الجولان، وأن يكون هذا الوجود محدوداً زمنياً حتى خروج جميع القوات الأجنبية من سورية، مع التشديد على الحاجة إلى رقابة روسية على الأرض، بالإضافة إلى حرية عمل إسرائيلية في المجال السوري – اللبناني بهدف المحافظة على مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية.
ب‌- مشاركة إسرائيلية في النقاشات والقرارات المتعلقة بصياغة سورية والنظام فيها.
ج- انخراط إسرائيلي بما يجري في سورية سواء مباشرة أو عبر الأردن، خاصة في الجنوب، مثلاً، تقديم مساعدة إلى قوات “الجيش السوري الحر” الذي تخلت عنه الـ”سي آي إي” في الفترة الأخيرة، ومن خلال إقناع الولايات المتحدة بالعودة إلى تأييد هذه القوة، وذلك من أجل ايجاد طرف قوي يكبح تمركز القوات الإيرانية والتحالف المؤيد للأسد في جنوب سورية.
د- استخدام ذكي لقوة الايذاء الإسرائيلية في المجال السوري واللبناني كوسيلة لترسيخ الردع وإقناع روسيا باحترام الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل لإيران. ورداً على خطوات إيرانية استفزازية، يجب أن تتضمن الخطوات العسكرية لإسرائيل عمليات مفاجئة تتجاوز الحدّ الذي يعرفه خصومها حتى اليوم، وتنقل رسالة بشأن إصرارها على منع هيمنة إيرانية وتمركز قوات وبنية تحتية إيرانية في سورية بمرور الوقت.
ه- عملية حكيمة لزيادة نقاط الاحتكاك بين روسيا وإيران، فيما يتعلق بالتنافس على الهيمنة على سورية والتأثير في صياغة بنية الحكم في الدولة.

المصدر: مجلة “مباط عال” الإسرائيلية، العدد 970، 31/8/2017 – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

سورية: “خطوط حمراء” إسرائيلية في مواجهة مواقع إيرانية

بقلم: أودي ديكل وتسفي مَغِن – باحثان في معهد دراسات الأمن القومي الأإسرائيلي — •في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *