الجمعة , سبتمبر 22 2017
الرئيسية / كتب / لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، ومشروعه الفكري في التحليل التاريخي – السوسيولوجي المنحى – يؤهله وفق البعض لينصّب وريثاً تلقائيّاً لجيل المفكرين اليساريين النجوم في أوروبا، المصنفين بالـ(ما بعد – ماركسيين): غرامشي ولوكاش وسارتر وألتوسير. هذا المشروع الممتد على عدة عقود، منذ كتابه الأول عام 1974، عن الانتقال من «العصور القديمة إلى عصر الإقطاع»، مروراً بمجموعة من الكتب التي شكلت علامات فارقة في النقاش الفكري داخل أوساط اليسار الأوروبي حول تقييم تجارب الدّولة الحديثة في نسقها المعاصر، وقضايا ما بعد الحداثة، وأيضاً تحليل مصادر الثقافة السياسيّة الأميركيّة، وبموازاة عشرات المقالات ذات العيار الثقيل التي نشرها، لا سيما خلال رئاسته لتحرير مجلة «مراجعات اليسار الجديد» الفكريّة المرموقة لأربعة وعشرين عاماً.
وعلى الرغم من منطلقات أندرسون الفكريّة المتأتية من مدرسة الماديّة التاريخيّة، وأسلوب التحليل الماركسي، فإنه اختط لنفسه دائماً منحى مستقلاً في قراءة تطورات الحياة السياسيّة، سواء البريطانية منها – التي عدّها مثيرة للملل سياسياً – أو لدى أمم العالم الكبرى بأوروبا، كما الهند والولايات المتحدة، متجاوزاً فكرة الحتميّة التاريخيّة التي طبعت فهم اليسار التقليدي في تحليل الصراع السياسي داخل المجتمعات. فهو مثلاً يرى أن القراءة التقليديّة للفكر الماركسي ستفشل بمهمة تفسير التطور السياسي البريطانيّ، رغم أن المملكة المتحدة كانت أول دول العالم التي حققت الانتقال الكامل نحو الرأسماليّة منذ 300 عام على الأقل، وفيها تكونت أول طبقة بروليتاريّة في التاريخ الحديث، وفق التعريف الكلاسيكي للمفهوم، كما شهدت أول ثورة برجوازية الطابع، ضمن سياق نموذج الدولة الأوروبيّة الحديثة. بالتالي، فلا بدّ أن عوامل أخرى هنا كانت أقدر على التأثير في مآلات اللحظة التاريخيّة من مجرد البنية الاقتصاديّة، وملكيّة وسائل الإنتاج.
كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) قد حقق نقلة نوعيّة في الفكر السياسي المعاصر، رغم أن أعماله لم تتوفر فعلياً في المجال الثقافي العام قبل عقد السبعينات من القرن الماضي، عبر صياغته الشديدة الذكاء لمفهوم الهيمنة (Hegemony)، منطلقاً بدوره من أبجديات الفكر الماركسي، لكنه ومن خلال التحليل التاريخي الدقيق، قدّم للمشتغلين بالعمل السياسي أكثر النظريات كفاءة – إلى اليوم – في تفسير غياب الثورات الاجتماعيّة في (الدّولة) الغربيّة الحديثة.
كتاب أندرسون الأحدث «الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء: تبدلات الهيمنة» يأتي كتتويج لخلاصة تجربته في فهم وتفكيك سيولوجيا المجتمعات المعاصرة، محاولاً عبر 190 صفحة القبض على تعريف محدد للهيمنة التي انتهى الرجل بتجربته العميقة إلى اعتبارها أهم أسلحة المفكر في مواجهة الواقع المعاصر، الذي قد يأبى أحياناً أن يخضع لمنطق التحليل الماركسي التقليدي، مستنداً بالطبع إلى الصياغة الغرامشية للمفهوم.
لكن أندرسون، كما دأبه، لا يأخذ الأفكار على عواهنها – غرامشيّة كانت أو ماركسيّة – وإنما يسائلها في جدليّة يكون الحكم فيها دائماً التطبيق العملي على أرض الواقع. ولذا، فقد انطلق في كتابه بملاحقة حثيثة لاستخدامات المفهوم النظري لـ«الهيمنة»، واستكشاف مقارن لقدرة هذه النظريّة على تفسير الواقع منذ صراعات الإغريق السياسيّة، وانتهاء بعصر الإمبراطوريّة الأميركيّة، مروراً بخبرة اليسار الروسي مطلع القرن العشرين، وتجارب الثورات اليسارية المهزومة في ألمانيا وإيطاليا، والعلاقات الدوليّة إبان الحرب الباردة، وكذلك مساهمات الفكر الصيني القديم، وامتداداته في الحلقة الخاصة من تاريخ تلك الأمة المتمثلة بجُمهورية الصّين الشعبية في القرن العشرين.
ومن خلال استعراضه لهذه التجارب التاريخيّة، يستخلص أندرسون خطيّن هامين لفهم تطبيقات الهيمنة في المجتمعات: أولهما التداخل بين استخدام منطق القوة بالتوازي والتزامن مع الإقناع، ومن ثم توظيف ذات المفهوم الذي طوره غرامشي لتحليل العلاقات السياسيّة داخل المجتمعات، في محاولة تفسير العلاقات الدوليّة والصراعات بين الأمم.
الهيمنة في شكلها الغرامشي تشير إلى حالة في الاجتماع الإنساني تتولى فيها طبقة مسيطرة (بذاتها أو بالتحالف مع طبقات أو فئات من طبقات أخرى) التحكم في مجتمعها، لا من خلال امتلاك أدوات القوة المحضة (الأمن والجيش والقضاء والسجون وغيرها) فحسب، وإنما كذلك من خلال ممارسة القيادة الثقافيّة – الأخلاقيّة على الطبقات المحكومة، تلك القيادة التي تتقاطع بأدوات وعبر قنوات مختلفة لخلق نوع من التقبّل والاندماج في صيغة المجتمع كما تريده الطبقة المهيمنة.
ومع أن مفهوم الهيمنة يقوم على أساس تطور شكل من أشكال الاستقرار الاجتماعي، ودرجة عاليّة من الإجماع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة غياب درجات متفاوتة من الصراع السياسي، لكن تمكّن الهيمنة يضمن توجيه هذه الصراعات نحو مسارات آمنة آيديولوجياً، مستوعَبةً في إطار النظام الكلّي من خلال تفاوضات محليّة، وتقديم تنازلات لامتصاص أي حراك قد يتجاوز الحدود المرسومة، من دون المَسّ مطلقاً بالأسس الاقتصاديّة لسلطة الطّبقة المهيمنة.
غرامشي ذهب إلى أن الهيمنة في جانبها الناعم هذا إنما تُنظم من قبل من سمّاهم «المثقفين العضويين»، أي منتجي الفكر والثقافة في المجتمع، بجوانبها الأدبيّة والعلميّة والتقنيّة والإعلامية والقانونيّة كافة، الذين يخدمون – بوعي أو من غير وعي – أغراض إدامة الهيمنة، وتكريس التوازنات القائمة.
قيمة مفهوم «الهيمنة» كنظريّة تتضاعف من وراء فعاليتها الاستثنائيّة في تفسير الظواهر الثقافيّة المعقدة المتعلقة بمختلف جوانب الاجتماع الإنساني، دون الاقتصار على تطبيقاتها التقليديّة في المجال السياسي. فخبراء اللغة مثلاً وجدوا في «الهيمنة» نموذجاً يفسّر تطور الأشكال اللغويّة المختلفة داخل المجتمع الواحد، أو حتى عبر المجتمعات – كما تجارب الكولونياليّة الأوروبيّة في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة. ومثلهم أيضاً الباحثون في الظواهر الثقافيّة الشعبيّة، الذين تمكنوا بعد طول انقسام نظري حول جذور تلك الظواهر من تقديم تفسيرات مقنعة لطبيعة ميزان القوى (الدائم الحراك) بين الطبقات الحاكمة والمحكومة، الذي في ظلّه تتشكل الظواهر الثقافيّة في تمثلاتها المختلفة: الطبقة، والجيل، والاتجاهات الدينيّة، ومسائل الإثنية والعرق، والجنسويّة، واندماج المهاجرين، والفنون، والأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة، والإعلانات التجاريّة، وحتى صرعات الأزياء.
أندرسون، وفي تقديمه لمقاربات متعددة عن الهيمنة وتطبيقاتها في كتابه الجديد، كان قد أصدر وبالتوازي معه (كلاهما عن دار فيرسو في لندن ونيويورك) نسخة محدثة من مقالته المفصليّة عن «تناقضات أنطونيو غرامشي»، كان قد نشرها عام 1976، في مجلة «مراجعات اليسار الجديد»، إبان ذروة تصاعد الاهتمام الأكاديمي في الجامعات الغربيّة بغرامشي، وذلك على شكل كتاب توأم لـ«الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء»، فكأنه بذلك يؤكد – بالإيماء، ودونما نطق – ضرورة الالتزام بالمنهج النقدي في استخدام النظريّات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالظواهر السوسيولوجيّة والثقافيّة التي هي شديدة التعقيد بحكم تكوينها، حتى وإن كانت تلك النظريّات نتاج فكر عقول متفردة، مثل ماركس أو غرامشي.
أسلوب أندرسون في الكتابة لا يشبه أحداً في مجاله على الإطلاق، فالقارئ يحسُنُ به أن يكون مطلعاً على الفكر السياسي الغربي بنحوٍ وثيق قبل أن يجرأ على تناول نصوصه، كما أن الرّجل متفرد في لغته، وفي تمكنه من موضوعاته، كما سيطرته على المعاني من خلال قاموس ثرّي من المصطلحات. ذلك كلّه يجعل مرافقته في «الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء» أمراً ليس بالرّحلة السهلة، وإن كانت فوائدها جمّة، لا سيما إذا كانت الغاية فهم العالم، وتلك مهمّة غير ممكنة – اليوم – من دون «هيمنة» غرامشي.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

غوغل .. من شركة معلوماتية إلى عملاق اقتصادي وسياسي

مراجعة: محمد يسري أبو هدور — في هذا الكتاب، الذي اشترك في تأليفه تورستن فريكه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *