الطريقة الأفضل للتنبّؤ بالمُستقبل هي اختراعه

الطريقة الأفضل للتنبّؤ بالمُستقبل هي اختراعه
Spread the love

شجون عربية_ بقلم: د. صادق الفقيه _ دبلوماسي سوداني، الأمين العامّ الأسبق لمنتدى الفكر العربي

يتوقَّع خُبراء الابتكار التقنيّ عَقْداً من التطوُّر الرقميّ يهدف إلى تعزيز التواصُل الافتراضيّ أكثر ممّا هو ماثِل الآن. وفي واقعٍ تتطلَّع فيه الأغلبيّة من الناس إلى حدوث إصلاحات ضروريّة في ترتيبات هذا الواقع، فإنّ هذا التطوُّر سيؤدّي إلى تصحيح المُشكلات المُتأتّية من التباعُد الاجتماعيّ الذي فَرَضَتْهُ جائحة الفيروس التاجيّ “كورونا” والذي ربّما يستمرّ لعَقْدٍ مُقبل أو يزيد.

فقد جَعلتْ تقنيّات الاتّصال الحديثة مسألة التباعُد وإنجاز الأعمال عن بُعد، العلاقاتِ الاجتماعيّة كحالةٍ افتراضيّةٍ غيَّرت تصوّرَنا لأنفسِنا، ولرؤية الأشياء من حولنا. وتُطالبنا الآن بتعريفٍ جديدٍ لمفهوم “الواقع الافتراضي”، الذي سبق أن اصطُلِحَ على تسميته بـ “الواقع الاصطناعي”، و”الواقع المُعزّز”، وواقع “الوجود عن بُعد”، الذي يَصف بدقّة أوضاعنا الحاضرة.

ومع ذلك، يبدو أنّ مُصطلح “الواقع الافتراضي” قد ربح الرِهان، لأنّه مُصطلح يربطنا بلغة مُشتَركة مع الإثارة المُتمثِّلة في خلْق حقائق مُختلفة عَمَّا ألفْنَاه من قَبْل وتجرِبتها، بخاصّة أنّنا نُلاحِظ، عند النَّظر في الاتّجاهات التي تبدو طبيعيّة أثناء الحَجر الصحّي، أنّ استخدامات التقنيّات الجديدة أصبحت مُتوافِرة لغالب الناس الذين كان “الواقع الافتراضي” بالنسبة إليهم مجرَّد مَوجة من الأخبار العامّة عن المُخترعات الجديدة التي لا تعنيهم حقيقتها من قريب أو بعيد. إلّا أنّ الجائحة جَعَلَتْهم لا يتمكّنون من السماع بها فحسب، ولكنْ أيضاً رؤيتها وتجربتها في هذا الشكل الملموس للمرّة الأولى، فتواصلوا من خلال وسائطها، وحصلوا على احتياجاتهم عبرها، وأنجزوا أعمالهم عن بُعد بمساعدتها، وواصلَ أبناؤهم تعليمهم بعون تقنياتها.

عالَم التجربة

لم يَعُد “الواقع الافتراضي” مجرّد مجموعة من الأجهزة المُتَفاعِلَة، بل هو فضاء للتعبير والتواصل والعمل عن بُعد، وهو مجال للمُشارَكة في عالَمٍ يتمّ إنشاؤه بواسطة الحاسوب بشكلٍ واقعي وغير خيالي، كما كنّا نَعتقد. إنّ الشاشات المحمولة و”فلاشات” البيانات والأجهزة الأخرى، ليست سوى أدوات لمُساعدتنا جميعاً على تطبيقات هذا العالَم المُوازي الجديد وتجربته. فقد اكتسبت التطبيقات المُتّصلة بشبكة الإنترنت قدراً كبيراً من الجاذبيّة العمليّة، بعد الاستعانة بها في مختلف مجالات الحياة خلال فترة التباعُد الذي فَرضته جائحة كورونا على العالَم. ففي السابق، كان أولئك الذين يعملون في هذه التقنيّات هُم فقط الذين يُمكنهم مَعرفة الفروق الدقيقة بين تطبيقاتها، بينما أولئك الذين هُم في الطَّرَف المُتلقّي، قليلاً ما يُلاحظون العجائب التي تجلبها تكنولوجيا الاتّصالات لحياتهم. والآن، يُمكنهم إدراك أنّ “الواقع الافتراضي” كَسَرَ الصُّورَ النمطيّة للعلاقات المباشرة في حياتهم ولتجربة العمل عن بُعد من دون روتين رحلة الذهاب والإيّاب اليوميّة إلى مَكاتب الوظيفة، إذ أَصبح “المَكتب الافتراضي” واحداً من أكثر الأشياء إثارة وجاذبيّة على الإطلاق.

ففي الوقت الحالي، ثمّة قدر كبير من الحديث المُحيط بـ “الواقع الافتراضي”، وربّما يقول العارفون إنّ هناك قدراً من المُبالَغة في وصْف حالةِ التقدُّم الحاليّة للتكنولوجيا، وكأنّها نهاية الأرب؛ إذ تُشير التغطيةُ الإعلاميّةُ في العديد من الصحف والمجلّات والبَرامِج التلفزيونيّة، وحتّى في الإعلانات، إلى أنّ “الواقع الافتراضي” تمّ تطويره بالكامل الآن، ولكنْ لسوء أو لحُسن الحظّ، هذا ليس صحيحاً على إطلاقه. فهناك نِقاشٌ مُستمِرّ في الأوساط العِلميّة حول ما هو هذا “الواقع الافتراضي” الذي نُكْثِر الحديث عنه وما ليس هو بالضبط. ففي حين يتّفق مُعظم المُراقبين على أنّ إحدى الخصائص الضروريّة التي ظهرت في تجربتنا الواسعة للعمل عن بُعد في أشهر الجائحة الماضية، هي أنّه يُمكننا التنقُّل في عالَمٍ افتراضيّ بدرجةٍ ما من الانغماس والتفاعُل وسرعة أداء قريبة من الوقت الفعلي لعمل المَكتب التقليدي، إلّا أنّنا ما زلنا بعيدين عن كمالٍ مثالي ننشده. وإذا كان لـ “الواقع الافتراضي” أن يُحقِّق نجاحاً كبيراً في المُستقبل، فسيتعيَّن على الأشخاص أيضاً البدء في التركيز على المعرفة، ومن ثمّ المحتوى والنتيجة. فقبل كلّ شيء، وبعده، وضعت التكنولوجيا جوهرها في المواد التي تتجلّى من خلالها وعلى الناس إحسان المُواءَمة للتأقلُم مع التجربة.

إنّ تصوّرات “الواقع الافتراضي” الحاليّة غالباً ما تكون مُنخفِضة عند الكثير من الناس، وقد تكون الصورة التي نراها أمامنا قاصرة، ولا تستجيب التكنولوجيا بسرعة لمَطالبنا المُلِحَّة في ظِلّ محدوديّة تحرُّكاتنا. إذ تسمح أنظمة قليلة بردودِ فعلٍ ملموسة، وتفي بغرض المُهيَّئين للتعامُل الأمثل معها، فيما يُشكِّك البعض في سلامة التطبيقات التي تجعلهم أعضاءً مُتساوين مع غيرهم في أنشطة “الواقع الافتراضي”. ويَستبعد الكثيرون أيّة رابِطة بينهم وبين هذا “العالَم الافتراضي”، بخاصّة في مجال العمل الذي يعتمدون فيه على قدراتهم الجسديّة، وليس خبراتهم العقليّة. ومع ذلك، فإنّ الجميع مُقتنعون أنّ مُستقبل “الواقع الافتراضي” مُهمٌّ وحقيقي، ويجب ألّا يتخلّوا عن تقنيّاتٍ مُهمّة للغاية، فقط لأنّها لا تتناسب مع أنشطتهم الآن، أو لا ترقى إلى مستوى توقّعاتهم بعد. ولكنْ في نسق التفكير الأعلى، قد تبدو هذه التقنيّات الموجودة الآن في مراحلها المبكّرة بدائيّة للغاية، مُقارَنةً بتطلُّعاتنا للمُستقبل الذي نُريده. ولكنْ قبل القفْز إلى المُستقبل، علينا أن نتذكَّر أنّنا قد بَدأنا للتوّ في رؤية إمكانات “الواقع الافتراضي” بعدما قيَّدتنا جائحة كورونا وحجبتنا عن تقارُبِنا المُعتاد ومَنَعَتْنا من حريّة الحركة في واقعنا الحقيقي.

تَخَيُّل الإنترنت

لقد طَمأنتنا الكثيرُ من الأبحاث والدراسات أنّ المُتوقَّع في المُستقبل القريب، هو ظهور حواسيب أسرع وبَرامِج أفضل وأجهزة جديدة لإعلام حواسّنا بسرعةٍ أكبر بالمَشهد العامّ، ما يُحسِّن من تجارب “الواقع الافتراضي” ويزيد من فائدة عطاءاته، فضلاً عن الوعد بأنْ يتطوَّر “إنترنت الأشياء”. وسيظهر المحتوى الأفضل والتطبيقات الجديدة بسرعة في الأعوام المُقبلة بجودة لا يُضاهيها كلّ ما عهدناه من بَرامِج وتطبيقات. ويذهب الخيال العِلمي إلى أنّه سوف يأتي إلينا كلّ شيء عبر الإنترنت، ما يُقلِّل من الحاجة إلى الحركة والانتقال، وتنتفي حاجتنا إلى مَكاتِب ومَبانٍ إداريّة، ومعدّات عمل قائمة بذاتها مُعقَّدة ومُكلفة. وقد بَرْهَنت تجربةُ الأشهر الماضية أنّ العمل عن بُعد واللّقاءات والاجتماعات والمُحاضرات والندوات والمؤتمرات، وحتّى المُناسبات الدينيّة، بما فيها الصلوات، يُمكن أن تُنظَّم وتُدَار عبر ما توافَرَ من وسائط التقنيّة الحديثة؛ فصارت مُفردات مثل “ويبنار” و “زووم” و “ميتز” على كلّ لسان، لأنّها أَوجدت بدائل عمليّة للقاعات والصالات والفنادق وغُرف اللّقاءات المُغلَقة. وعوَّضت في زمن التباعُد الاجتماعي حاجة الناس لأن يُمارِسوا هذه الأنواع من الأنشطة الحيويّة، من دون حاجة لانتقالٍ وتقارُب.

ففي دراسةٍ مُشترَكة أجراها “مركز بيو للأبحاث” و”جامعة إيلون” في الولايات المُتّحدة الأميركيّة حول “تَخَيُّل الإنترنت – Imagining the Internet”، وأُصْدِرَت نتائجها في 30 حزيران (يونيو) 2020، أدلى 697 من خبراء التكنولوجيا بآرائهم حول التغييرات والإصلاحات التي تُحرِّكها التكنولوجيا الرقميّة التي قد تحدث خلال العقد الحالي 2030 – 2020. وتَبادَلَ مُبتكرو ومُطوِّرو التكنولوجيا وقادة السياسات والأعمال وكِبار الباحثين والناشطين وجهات نَظرهم حول ما يُمكن القيام به للمُساعدة في التخفيف من التحدّيات المُتزايدة للحياة الاجتماعيّة والمَدنيّة والعَمليّة.

ويعتمد هذا البحث الذي هو جزء من سلسلة طويلة حول مُستقبل الإنترنت، على مجموعة من الخبراء المُختارين، وتَسرد تفاصيلُه عشرَ مجالاتٍ تتطلَّب الإصلاح؛ إذ يتوقَّع هؤلاء الخبراء رؤية الابتكارات الأكثر شيوعاً وقد أمست أولويّات، لأنّها مجالات مُتقاطِعة، وتشمل: وسائل التواصُل الاجتماعي وقضايا الخصوصيّة والمعلومات الخاطئة والإصلاح السياسي والحكومي وتطبيقات الخدمات الاجتماعيّة والحياة الصحيّة والذكاء الاصطناعي وإصلاح التعليم والعمل والوظائف والقضايا البيئيّة. وهذه القوائم أَخذتها الدراسة كعبارة عن كاتالوجٍ عامّ، وليس حصراً لكلّ القطاعات التي تتوقَّع هذه الدراسة الاستقصائيّة العملَ فيها. ويَتوقَّع الخبراء المزيد من الابتكار الرقمي بحلول العام 2030، بهدف ترقية التمثيل الديمقراطي في المؤسّسات وتصحيح أخطاء المُمارسات العامّة في العقد المُقبل، ما سيؤدّي إلى نتائج إيجابيّة للصالِح العامّ.

بعد عشر سنوات

بات العالَمُ الذي نحياه اليوم أكثر استهلاكاً لعطاءات التكنولوجيا، وليس هناك ما يُشير إلى أنّ الاتّجاه على وشك التباطؤ. ولكنْ، بينما يَميل الخُبراء إلى الاتّفاق على كيفيّة تغيُّر الفضاء السيبراني في المُستقبل ليُصبح أقلّ وضوحاً، فإنّه سيكون في الحقيقة أكثر تأصُّلاً وعُمقاً في حياتنا اليوميّة، على الرّغم من أنّ هناك خِلافاً حول كيفيّة تغييرنا نحن لنَتوافَق مع قضاء أعمالنا من خلاله. ففي ذروة مَوجة مدّ وجزر التقنية المقبلة، فإنّ إنترنت الأشياء الذي سيجلب المزيد من الأشياء والأعمال والمُنتجات عبر الإنترنت، سيفسح المجال لعالمٍ ذكي وآلي يعرف المزيد عنّا، ويُضاعِف قُدرتنا على التواصُل مع “الواقع الافتراضي”؛ الأمر الذي سيفضي بنا إلى مُجتمع يُصبح فيه مُحيطُنا هو الإنترنت الذي سيجعلنا ننفذ من خلال سمّاعة الرأس التي نعتمرها إلى هذا “الواقع الافتراضي”، والذي يُمكن إزالة الحدود والمسافات فيه بنقْرةِ فأرة أو لَمسة إصبع. وعندها تُصبح فُرصُنا في تكوين روابط مع الغرباء أكبر بكثير ممّا هي عليه الحال الآن.

ختاماً، نعتقد أنّه من السهل جدّاً أن نتخيّل أنّه سيكون لدينا في المُستقبل شيء أكثر تطوّراً، يُمكننا الاعتماد عليه لتغيير أسلوب عملنا وكيفيّة إنجازه عن بُعد. وسيكون لدينا سياق مُختلف للتعامل مع من حولنا في العالَم والقدرة على التواصُل مع الناس من دون الاضطّرار إلى الانتقال أو تعطيل أعمالنا. ومع ذلك، يعتقد مؤلِّفو دراسة “تَخَيُّل الإنترنت” أنّ الوقت قد حان لتطوير أنفسنا ذاتها للمُواكَبة والمُواءمة. فالأمر متروكٌ لنا لتشكيل عالَم الغد عبر الإنترنت، وإنّ غداً لناظره قريب، وهو آتٍ بعد عشر سنوات من الآن. فقد خَلص مؤلّفو الدراسة إلى أنّ البصيرة والتنبّؤات الدقيقة يُمكن أن تُحْدِث فَرْقاً، وأنّ أفضل طريقة للتنبّؤ بالمُستقبل، هي اختراعه عبر إعمار أبنيةِ تقانةِ الواقع الافتراضي.

المصدر: مؤسسة الفكر العربي

شجون عربية