قوانين المنهج التاريخى عند ابن خلدون

قوانين المنهج التاريخى عند ابن خلدون
Spread the love

شجون عربية _ بقلم الباحث: عوض اسماعيل عوض _ مصر

ولد عبد الرحمن ابن خلدون فى رمضان عام 732ه / 1332م لأسرة عربية ينتهي نسبها إلى وائل بن حجر الحضرمي اليمني ، التى هاجرت إلى الأندلس فى القرن الثالث الهجري ، ثم أخذت فى التنقل حتى استقرت فى تونس ، حفظ القرآن الكريم ابن خلدون ودرس مختلف العلوم على كبار علماء تونس ، وتقلد عدة مناصب سياسية ، ثم خرج للحج ماراً بالقاهرة فأكرمه سلطانها الظاهر برقوق، وشغل منصب القضاء بالقاهرة إلى أن توفى فى 25 رمضان سنة 808ه / 1406م .
اشتهر ابن خلدون بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر فى تاريخ العرب والعجم والبربر ، وفيه ينظر إلى التاريخ على أنه “فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا” ، وبذلك يجعل ابن خلدون من التاريخ علماً اجتماعياً وطريقة منظمة للتحقيق في الحوادث الماضية عن طريق ربط كل حادثة بالأخرى ، ودراسة باطنها والوقوف على حقيقتها والكشف عن أسبابها والقوانين التى تحكمها ، وليس مجرد سرد للوقائع والأحداث دون التفريق بين الغث والسمين فيقول فى هذا الصدد : “وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط فى الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً وسميناً ، لم يعرضوا على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة “.
ولا ينحصر فى تدوينه للتاريخ على الإستشهاد أو تفصيل الحوادث التاريخية والأزمنة السابقة و إنما اعتمد على طرق تحليل إضافية وعميقة واستنتاج تصورات للتحولات والأحداث المختلفة فى مختلف نواحى الحياة ، واستفاد من منهج المؤرخين السابقين في منهجية التحقق من صحة النصوص ، واعتمد منهجية تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها في التعامل مع قبول ورفض الأخبار التاريخية، ، فكان له السبق في ذلك ، فتميز منهجه بالسعة والشمول فى فهم التاريخ .
ويرى أن هناك قوانين تتحكم فى التاريخ وهى :- قانون العلية أو السببية ، وقانون التشابه ، وقانون التباين .
( 1 ) قانون العلية أو السببية :- يرى بأن كل شئ يحدث له علة أو علل ولا يمكن أن يحدث فى صورة مختلفة حيث يقول “نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه فى ذلك ولا تنتهي غاياته “، وهكذا يُظهر ابن خلدون العلاقة العليه بين الوقائع والظواهر، ويري عدم الأخذ بهذه الأسباب عند التأريخ ينتج عنه فهماً مغلوطاً للحوادث ، وقد برع فى تطبيقه على التاريخ بطريقة واضحة ، وكذلك يرى أن هناك استثناءات لقانون العلية تتمثل فى التأثير الخارق للعادة الذى يتجلى فى معجزات الأنبياء ، وكرامات الأولياء .
( 2 ) قانون التشابه :- يرى ابن خلدون وجود ترابط بين الماضي والحاضر والمستقبل ، وأن المجتمعات البشرية كلها تتشابه من بعض الوجوه ، فيقول “إن الأخبار إذا اعتمد منها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال فى الإجتماع الإنسانى ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يُؤمن فيها من العُثور ِ ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق …. فالماضى أشبه بالآتى من الماء بالماء” ، ويرجع هذه المشابهات إلى الوحدة العقلية للجنس البشري ، والتقليد حيث يقول ” أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب فى شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده” .
( 3 ) قانون التباين :- يرى ابن خلدون أن كل المجتمعات ليست مثماثلة بصفة مطلقة بل يوجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ ،ويرجع هذه التباين إلى أسباب جغرافية وطبيعية واقتصادية وسياسية ، وإلى العادات والتقاليد والأديان ، فيقول “من الغلط الخفي فى التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال فى الأمم والأجيال بتبديل الأعصار ومرور الأيام ، وهو داء دوي شديد الخفا إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك فى الأشخاص والأوقات والإمصار فكذلك يقع فى الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ” وبذلك يكون ابن خلدون قد توصل إلى ثلاثة قوانين من شأنها تجنب المؤرخ من الوقوع فى الخطأ .

شجون عربية