” مكور ريشون”: نجاح العملية في غزة مرتبط بالقوة التي تُظهرها إسرائيل

” مكور ريشون”: نجاح العملية في غزة مرتبط بالقوة التي تُظهرها إسرائيل
Spread the love

شجون عربية _ بقلم: عمير رابوبورت – محلل عسكري إسرائيلي

ي منتصف كانون الثاني/يناير 2009 كان الجيش الإسرائيلي على بعد خطوات من انهيار سلطة “حماس” في قطاع غزة. حينها كانت عملية الرصاص المصبوب في ذروتها. قطاع غزة الذي يبلغ مساحته 45 كيلومتراً وعرضه يتراوح بين 5 إلى 15 كيلومتراً قُسّم إلى ثلاثة أجزاء. في القطاع المركزي تحركت الفرقة 162، تقريباً من دون إزعاج. اللواء 104 المدرع ولواء غفعاتي كانا على بعد 4 كيلومترات فقط من مدينة غزة. والمظليون كانوا إلى الشمال منهم. الطريق إلى الساحل كانت مفتوحة. حينها أُعطي الجيش أمراً أحادي الجانب بوقف إطلاق النار والانسحاب.
يقول مصدر أمني رفيع المستوى كان على علاقة وثيقة بالقتال: “عامان فقط بعد سيطرة “حماس” على قطاع غزة كانت محاصرة. كنا قادرين على إسقاطها بثمن غير باهظ، لكن غابي أشكنازي (رئيس الأركان في تلك الفترة) لم يشأ ذلك، ويوآف غالانت (قائد فرقة غزة) عارض قرار أشكنازي. المستوى السياسي لم يحاول الدخول في جدال مع الجيش، لكن التوصية بعدم احتلال كل غزة كان ملائماً له.”
هكذا كانت تبدو الأمور في أعين العسكريين يومها. وجهة النظر هذه استكملتها وزيرة الخارجية خلال فترة الرصاص المصبوب تسيبي ليفني، التي ادّعت أن وزير الدفاع إيهود باراك هو الذي سعى لوقف العملية من جانب واحد، بالتنسيق مع مصر، ومن وراء ظهر رئيس الحكومة إيهود أولمرت.
على أي حال السياسة غير الواضحة لإسرائيل إزاء “حماس” في سنة 2009 تحولت مع السنوات إلى استراتيجيا إسرائيلية غير رسمية: تقوية الحركة على حساب السلطة الفلسطينية في القطاع. الأساس الاستراتيجي هو أنه طالما بقي الفلسطينيون منقسمين بين غزة وبين الضفة الغربية- فإن هذا أفضل بالنسبة إلى إسرائيل. والموضوع الفلسطيني سيصبح على هامش جدول الأعمال الإقليمي كما جرى في “اتفاقات أبراهام” مع مجموعة من الدول العربية.
هل “تحالف” إسرائيل مع “حماس” وإدمانها على الصمت كانا مبالَغاً فيهما؟ كثيرون في المؤسسة الأمنية لم يحبّوا ذلك. الخلافات في الرأي مع نتنياهو بشأن العلاقة مع “حماس” كانت السبب الأساسي لاستقالة أفيغدور ليبرمان من منصب وزير الدفاع. مع ذلك، كان الهدوء الوهمي في غزة قادراً على الاستمرار في مقابل وصول الدولارات من قطر إلى القطاع، لولا سلسلة أخطاء “أجبرت” حركة “حماس” على استغلال فرصة ذهبية في مواجهة إسرائيل.
بعد أربع معارك انتخابية المجتمع الإسرائيلي اليوم منقسم تقريباً مثل المجتمع الفلسطيني. الأزمة المستمرة تمس بالعمل اليومي وبقدرتنا على الردع. في غزة، وليس فيها فقط، شعروا بالضعف الإسرائيلي، وخلال الشهر الأخير وقعت مجموعة أخطاء ارتكبها وزير الأمن الداخلي وقيادة الشرطة غير الناضجة، مثل الإصرار على إغلاق بوابة نابلس في شهر رمضان، ثم التراجع عنه؛ الإصرار على مسيرة الأعلام ثم تغيير مسارها في اللحظة الأخيرة؛ أحداث حي الشيخ جرّاح على أنواعها، وعدم ملاحظة الجيش الإسرائيلي نيات “حماس”، على الرغم من أن قائد الذراع العسكرية محمد ضيف أعلن صراحة أن غزة ستهاجم بسبب أحداث القدس. كل ما كان ينبغي فعله أخْذ كلام ضيف على محمل الجد. وهذا لم يحدث.
ربما بسبب نظرية أن “حماس” يمكن أن تُشترى بالدولارات لم تر إسرائيل أن الحركة أصبحت ناضجة لتحقيق إنجاز استراتيجي ألا وهو تسلّم زمام النضال في مواجهة إسرائيل داخل المجتمع الفلسطيني، وتحويل “موضوع القدس” إلى مواجهة بين العالم الإسلامي كله وبين إسرائيل. أولئك الذين روعتهم أحداث الشغب وسط العرب في إسرائيل فاتتهم الصورة الواسعة – في كل العالم العربي اعتُبر هذا الأسبوع إطلاق الصواريخ على إسرائيل بمثابة “دفاع عن الأقصى”، حتى أن الإمارات استضافت مؤتمراً عربياً افتراضياً بشأن هذا الموضوع.
الآن إلى أين؟

لقد نجحت “حماس” في خداع الجيش الإسرائيلي والمستوى السياسي في الفترة الأخيرة. وبخلاف حرب لبنان الثانية، وعملية الرصاص المصبوب، وعمود سحاب، والجرف الصامد، لم تكن الخطوة الاستهلالية في يدنا. ولهذه الخطوة أهمية تكتيكية كبيرة، وكذلك صلية الصواريخ الكثيفة التي استهدفت القدس يوم الاثنين، هي أيضاً تسببت بصدمة.
في الجانب الإسرائيلي الحكومة المتخاصمة، والتي تعمل بصعوبة، أُخذت على حين غرة ولم تكن مستعدة. الفراغ السياسي ملأته شخصيات تقنية على رأسها 4 شخصيات أساسية في حرب 2021، رئيس الأركان أفيف كوخافي، قائد المنطقة الجنوبية اللواء أليعازر توليدانو، قائد فرقة غزة العميد نمرود ألوني، ورئيس الشاباك نداف أرغمان الذي من المفترض أن ينهي خدمته هذا الشهر لكن ليس هناك حكومة لتعين خلفاً له.
على خلفية المفاجأة التكتيكية التي بدأت “حماس” المعركة في إطارها بأعلى درجة ممكنة، الأيام الثلاثة الأولى للقتال كانت نجاحاً غزاوياً بلغ حدود النشوة: الاضطرابات في المدن المختلطة؛ الدعم العربي والإسلامي؛ إغلاق مطار بن غوريون (لأول مرة في التاريخ بسبب تهديد عسكري)، كل هذا تخطى التوقعات في غزة. في المقابل حاولت “حماس” تحدي القبة الحديدية بواسطة إطلاق مئات الصواريخ دفعة واحدة، لكن إنجازات المنظومة الاعتراضية بقيت نحو 85% (وذلك بفضل التحسينات التي أُدخلت على القبة الحديدية في السنوات الأخيرة).
كان هناك أيضاً بعض الإنجازات التكتيكية لإسرائيل، مثل القضاء على خلية مقاتلين داخل الأنفاق، واغتيال قادة عسكريين من رتب متوسطة وعالية، وكذلك المعلومات الاستخباراتية التي أدت إلى إصابة المسيّرة التابعة لـ”حماس” في اليوم الرابع.
ماذا الآن؟ الذروة بالنسبة إلى “حماس” أصبحت وراءها. التفوق التكنولوجي الكبير لإسرائيل عليها يجب أن يؤتي نتائجه… من المتوقع أن تكتشف “حماس” أنها نجحت كثيراً في البداية، لكنها أيضاً تعرضت لهزيمة قاسية. هل ستعمل إسرائيل هذه المرة على إسقاط سلطتها؟ ثمة شك كبير. على الأرجح ستعمل مصر مجدداً للتوصل إلى تسوية، ربما ليس بسرعة، لكن بعد أن تتلقى “حماس” جرعة كافية من الضربات “لتعزيز الردع”، كما يرى الإسرائيليون الموضوع – هذا هو الهدف المعلن لهذه الحرب حتى الآن. مع ذلك، الحرب هي الحرب وليس من المؤكد إلى أين قد تتدهور الأمور، وفي الأساس يحوم خطر فتح جبهات إضافية في الشمال في مواجهة حزب الله، وربما أيضاً في مواجهة إيران. الكثير يتعلق بالقوة (أو بالضعف) اللذين تُظهرهما إسرائيل.

المصدر: صحيفة مكور ريشون الإسرائيلية

شجون عربية