تحيا الديكتاتوريّة الخضراء

Spread the love

بقلم: د. رفيف رضا صيداوي _ مؤسّسة الفكر العربي/

في عددها رقم 1531 الصادر في 5 – 11 آذار (مارس) 2020، نشرت صحيفة “كورييه إنترناسيونال” الفرنسيّة، نقلاً عن مجلّة “دير فرايتاغ الألمانيّة” (Der Freitag)، مقالةً للصحافيّة الألمانيّة كاترين هارتمن Kathrin Hartmann بعنوان “تحيا الديكتاتوريّة الخضراء”، مهَّدت لها الصحيفة الفرنسيّة بالقول إنّ “الذين يصرخون ضدّ الانجراف السلطويّ هُم في الغالب الأعمّ المُستفيدون من تدمير الكوكب. في حين أنّ ضمان المَصلحة العامّة، حتّى ولو تمّ ذلك على حساب بعض الحرّيات الفرديّة، ينبغي أن يكون هو الهدف لأيّ سياسة جديرة بهذا الاسم، برأي هذه الصحيفة الألمانيّة التّابعة للوسط اليساريّ”.

قرع طبول، وضجيج وهرج ومرج: احتفلَ قرار حظْر “المصابيح المتوهّجة” (في العام 2019) بعيد ميلاده العاشر. ففي شهر نيسان (إبريل) من العام 2009 دخل قانون التوجيه الأوروبي CE رقم2009/244 الخاصّ بالتصميم الأيكولوجي حيّز التنفيذ، لأنّ المصابيح التقليديّة كانت تَفقد الكثير من الطاقة بشكل حرارة وتُبدِّد إذن الكهرباء. وقد وَعَدَ الاتّحاد الأوروبي بتوفير ما يُعادِل الاستهلاك الكهربائي لرومانيا، وبالتالي توفير 15 مليون طنٍّ من ثاني أوكسيد الكربون CO2 في السنة.

في ألمانيا، سبَّب حظْر المصابيح ذات الخيوط بأزمة عصبيّة جمْعيّة: فقد تمّ وصْف القانون الأوروبي بأنّه “تطفُّلٌ” لا يُطاق على الحياة الخاصّة للناس، ورفضَ اللّيبراليّون، والذين هُم في أقصى اليمين، والمُحافظون “مجتمعَ الحظْر أو الممنوع”، وأثاروا وَهْم “الديكتاتوريّة الخضراء”. واليوم كذلك، نجد في أسواق السلع المُستعملَة باعةً أحراراً يُكثِرون من بَيع السلع القديمة. ولم يُصَر إلى تجاوُز هذه الهستيريا الجمعيّة إلّا مع “أيّام من دون لحم”، التي نادى بها الخُضر (يوم واحد في الأسبوع، لائحة طعام نباتي في الكافيتيريات العامّة)، وتمّ تمثُّلها، بما في ذلك وسائل إعلام جادّة، على أنّها شكلٌ من “الدكتاتوريّة الغذائيّة”. ومنذ ذلك الحين والحزب البيئي بالكاد يجرؤ على النطق بكلمة “ممنوع”.

من المؤكّد أنّه يُمكننا أن نرى في تحريم المصابيح ذات الخيوط الإرادة أو العزم على أن يُصنَع منها رمزاً. وبحظْرها، تكون ألمانيا في الواقع قد أدّت نصيبها في ما يخصّ الهدف الأوروبي. لكنْ في العموم، زاد الاستهلاك الكهربائي للبيوت – بسبب الهواتف الذكيّة، والحواسيب، وغيرها من الأدوات التكنولوجيّة. وقد ازداد الوضع سوءاً منذ ذلك الحين: أكثر من سيّارة جديدة متحرّكة من بين خمس سيّارات هي رُباعيّة الدّفع، وقد قفزَ بَيع هذه السيّارات العملاقة أو الطواغيت بنسبة 25 في المئة في العام 2017، وغدت البيك – آبّات هي الموضة الجديدة. وبلغ بَيع اللّحوم مستويات قياسيّة، وزادت قُدرة شركات الطيران ذات الكلفة المُنخفِضة بنسبة 187% خلال الأعوام السبعة الأخيرة. في ألمانيا لن يكون هناك من مجالٍ للكلام إذن على سياسةٍ بيئيّة تُترجَم بتوفيرٍ حقيقي لثاني أوكسيد الكربون من دون الكلام على حظْرٍ لا يعدو أن يكون تقييداً لسلعٍ، وصناعاتٍ، وأنماطِ استهلاك، وعاداتٍ غذائيّة أو مُخطّطِ تنقّلاتٍ ضارّة (بالبيئة). حماية المناخ والبيئة لا تُعتبَر مسألة مساواة عالَميّة ولا تُعتبر حتّى ضروريّة للحفاط على أُسس الحياة، بل هي مُعاشة بوصفها إيعازاً، وحظْراً، وحتّى استبداداً مُضادّاً للديمقراطيّة. لنقُلْ إنّها تبدو وكأنّها انقلابٌ مُذهل في الأدوار بين المُذنب والضحيّة.

“أثبتَ مبدأ الحريّة نفسه. الذين يريدون القيادة بسرعة 120 يستطيعون ذلك. والذين يريدون استخدام سرعة أكبر يستطيعون ذلك أيضاً. ماذا يعني هذا الجنون الآيل إلى التحكُّم بكلّ شيء؟” هذا ما جاء به وزير المواصلات أندرياس شوير بإدانته الحدّ من السرعة [الذي تتمّ مُناقشته بانتظام في ما يخصّ الطُّرق السريعة الألمانيّة]. حتّى أنّ آنيغريت كرامب – كارنباور [الزعيمة السابقة لحزب الاتّحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، حزب أنجيلا ميركل] رأت في هذا الاتّجاه للحدّ من السرعة “تشويهاً لسُمعة سائقي السيّارات وعِقاباً لهم” أكثر من مُحاولةِ إدراجِ قيودٍ كانت مع ذلك موجودة لفترة طويلة في كلّ البلدان الأوروبيّة الأخرى. الحال هو كحال “الأهل ذوي الحماية الفائضة”، الذين يتّهمون المُعلّمة بمُمارَسة العنف لأنّها توبِّخ أولادههم. الحكومة تحمي الفرد وحريّته في الاستهلاك…كذلك حريّة المؤسّسات ومَنافعها. إنّها المَحاكم التي تؤمِّن حماية المصلحة العامّة أكثر فأكثر. هكذا، أدانت مَحكمة العدل الأوروبيّة الحكومةَ الفيدراليّة في مناسباتٍ عدّة، فقد أدانتها مثلاً في مسألة كمّية النيترات الزائدة في الأنهار أو تلوّث الهواء بأكسيد النيتروجين.

في معظم الأحوال، لم يكُن الأمر يتعلّق بالحظْر، بل كان يتعلّق بدايةً بإلغاء المُساعدات الماليّة، والمُخالفات أو الامتيازات الضارّة بالبيئة؛ إذ ما عسى الإعفاءُ من الضريبة على الكيروسين في الهواء يكون، إنْ لم يكُن امتيازاً مكرَّساً في القانون على حساب الصالح العامّ، وحقوق الإنسان، والمناخ والبيئة؟ في الواقع، فإنّ الوضع الحالي ما هو إلّا استثناء تاريخيّ وجيوبوليتيكيّ هائل: قلّة هُم الناس على الأرض الذين كانوا قادرين أو يقدرون على تحمُّل طريقة حياتنا. والحال أنّ السياسة تُدافع عن هذا الحقّ المُفترَض بالوسائل كافّة- على حسابنا.

لكنّ هذا التصوُّر المؤسف للحريّة ليس السبب الوحيد للجموديّة (لمُقاوَمة التجديد). ثمّة أيضاً مسألة فصل المسألة الأيكولوجيّة عن المسألة المجتمعيّة، وذلك بإحداث تعارُضٍ بين الاستخدام وحماية البيئة “حدثَ أنّ مسألة حماية البيئة والمناخ جاءت قبل حماية وظائفنا الصناعيّة” بحسب زيغمار غابرييل، المُرشَّح الاجتماعي الديمقراطي الذي تولّى وزارات عدّة، منها وزارة البيئة، وحماية الطبيعة والسلامة النوويّة (2005 – 2009)، ووزارة الاقتصاد والطّاقة (2013 -2017). نتساءل عندما يتحدّث! على خلاف ذلك، وبحسب مجموعة “قطار للجميع” Bahn für alle، ثمّة ما يُقارِب 350000 وظيفة صديقة للمناخ وللبيئة تمّ تدميرها منذ العام 1994، في سِكك الحديد، ومعدّات سِكك الحديد، والنقل العامّ، من دون أن يُثير ذلك أيّ احتجاج.

وزير الاقتصاد بيتر ألتماير (حزب الاتّحاد الديمقراطي المسيحي CDU) شَرَحَ (في كانون الثاني/ يناير 2019 ) للناشطين والناشطات في حركة فرايدز فور فيوتشر Friday’s for Future [حركة بيئيّة تقود التظاهرات المناخيّة] أنّه يرى في الصراع ضدّ التغيُّر المناخي تهديداً للاقتصاد الألماني. لا بدّ أنّ لسانه كاد يزلّ، لأنّ الأمر هو بعكس ذلك تماماً. ففي كوكب ميّت، لن يكون هناك وظائف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.