الدهشة الأولى والرعشة الأخيرة إلى وجدان نعمان ماهر الكنعاني

Spread the love

بقلم: عبد الحسين شعبان _ أكاديمي وأديب عراقي/


يمضي الإنسان حياته كلّها في البحث عن الآخر، لأنه لا يكون ولا يتبيّن إلّا من خلاله والعالم الذي يحيط به، ولعلّ ذلك إحساساً فطرياً، ولكنه بفعل الحاجة والاعتياد يتحوّل إلى وعي ذاتي، لأن الوحدة لوعة وقصاص.
تذكّرت ذلك في ظل مشاعر متناقضة، فأنا أقضي فترة حجر صحي لا يعلم إلّا الله إلى متى ستطول، وصادف فيها يوم عيد ميلادي، وهو يوم إطلالة الربيع من كل عام حيث يبدأ به. إنه يوم 21 آذار (مارس)، ورغم أنني تلقيت عدداً من الاتصالات والرسائل من الأهل والصديقات والأصدقاء، ومعها باقات ورود عبر الانترنيت، أي على الكومبيوتر، فإنني كنت أشعر بحزن مضاعف، فقبل أيام جاءني خبر رحيل الصديقة وجدان المهندسة المعمارية المبدعة والمثقفة بامتياز والفنانة بجدارة، وكنت قد اعتدت أن أتلقى منها كل عام بطاقة تهنئة خاصة ولها طعم خاص.وقبل عامين (2018) قضت عدة أسابيع في بيروت واحتفلنا بعيد الربيع كما تسمّيه، وهو “عيد نوروز” كما يطلق عليه الكرد والفرس، وفي العهد الملكي كنّا نسمّيه “عيد الشجرة”.


” الولادة والموت تجربتان في الوحدة” كما يقول الشاعر المكسيكي أكتوفيو باث الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1990، فنحن نولد مستوحدين ونموت مستوحدين… ولا شيء يفوق الولادة … خطورة .. سوى الوقوع الآخر في غياهب المجهول، أي الموت…”
تمضي الحياة بين الولادة والموت فحتى طريق الزهور والعطر قد يوصل إلى الوحشة، فهل الموت يعني العودة إلى هناك.. إلى حياة ما قبل الولادة أم تراه حياة ثانية بعد الحياة الأولى؟ وهل في الحياة الثانية يتوقف التناقض ويُكفّ السكون مثلما تكف الحركة ويتوقّف الليل والنهار والزوال وكيف يتم تبادل الموت والولادة؟ وهل الموت ولادة جديدة ؟ أم أنه نوع من الامتناع عن الكينونة والوجود؟ وهل ذلك إحساس بالزمن وبثقل الأيام أم تفكّر وعودة إلى العقل؟ فتلك حتى الآن من الحتميات والمطلقات التي لا سبيل لردّها.
الولادة والموت يمشيان إلى جوارنا، ويتلاصقان مع بيوتنا وجيراننا، يفاجئانا بأصدقائنا وأحبتنا في الدهشة الأولى والرعشة الأولى، هكذا نصلي للقادمين مثلما نصلّي للغائبين ونقرأ مع محمود درويش ” سورة العابد” فلا نستطيع أن نشف من الذاكرة التي تظلّ محفورة كوشم اليد… كنت دائماً أريد أن أصرخ قف أيها الزمن ما أجملك؟ لكن الزمن يمضي دون اكتراث، مخاتلاً وماكراً.
لا يستفيق الإنسان مما يشغله إلّا تحت هول ” الصدمة المباشرة”، حين يختطف القدر عزيزة أو عزيز أو ترحل غالية أو غالي، فترانا نهرع لارتداء ثوب “الحكمة” و”رداء” الواقع، لنتخلى عن “المكابرة” و”الحماقة” ولكن سرعان ما ننسى مفارقات الحياة والموت، فنسخر منهما.
مع وجدان وحين اشتدّ عليها المرض كنت أردّد عن بُعدٍ مع نفسي ما كان يقوله المتنبي، لكي لا يزيد ألمها، على الرغم من عشقها للحياة.
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
فالكائن الحي غير قابل على تغيير نواميس الحياة، “وكل نفس ذائقة الموت … وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور” كما ورد في القرآن الكريم (سورة آل عمران – الاية 185) وفناء الإنسان أو زواله ” ضرورة لكل الكائنات الحيّة”، وتلك حكمة الزمن الخرساء.
حين تمتلئ قلوبنا بالحب يندغم الخلق أو ينصهر الكون ليكون أكثر كمالاً أو اكتمالاً في العلاقة مع الاخر وهذا الآخر في الغالب انجذاب دائم بين المرأة بالنسبة للرجل أو الرجل بالنسبة للمرأة : نقيضها ومكمّلها والمختلف بشكل عام ، أي المتباين أو المتمايز ديناً أو عرقاً أو لوناً أو جنساً أو انحداراً أو أصلاً.
ولعلّ ذلك لا يمكن تشيئته أو تهميشه،فهو سمة إنسانية وقاعدة لا غنى عنها وإن كان ثمة استثناءات، فالحب انتقاء واختيار حر لقدرنا واكتشاف مباغت للجزء الأكثر سرّية في كينونتنا، وحسب اندريه بريتون الشاعر والرسام والروائي والطبيب النفسي والفيلسوف الفرنسي في كتابه ” الحب المجنون”. ثمة عاملين يعيقان ذلك وهما: النهي الاجتماعي والتعاليم الدينية .وأندريه بريتون هو صاحب المدرسة السوريالية “ما وراء الواقع” و” البيان السوريالي” حيث دعا إلى “إطلاق حرية التعبير” و”إطلاق مكنونات اللّاوعي” وكان قد تأثر بالفيلسوف الألماني لودفيغ فيورباخ ولاسيّما بكتابه ” جوهر المسيحية”، أي (نقدها) مثل ماركس وإنجلز وفاغنر ونيتشه، وقد اختلف بريتون مع الكاتب السوفييتي إيليا اهرنبرغ في “المؤتمر العالمي للمثقفين من أجل السلام” وهو المؤتمر الذي انبثقت عنه لجنة مقرها باريس وقد سبق لي أن نوّهت في أكثر من مناسبة أن الجواهري حضر هذا المؤتمر حينها، وذلك قبل تأسيس مجلس السلم العالمي 1950.
وجواباً على بريتون نتساءل هل: الحب مخالفة للسائد وللأعراف والتقاليد والقوانين والدين، في حين كلّها تدعو إلى الحب والسلام والتسامح، لكن الواقع شيء آخر، حين يُنظر إلى الحب باعتباره انقلاباً على المألوف وقطيعة مع الاستكانة ومدعاة للمعصية وخروجاً على الطراز القائم. وهو الأمر الذي يلقى معارضة واختلافاً، لاسيّما في المجتمعات الأكثر تخلّفاً تحت حجج عديدة ومزاعم شتى.
دعونا نتأمل معنى الحب وجوهره، فهو اكتفاء ذاتي وهو رديف للحق والشعر والجمال والعدل والتسامح والسلام وتطهّر روحي وعطاء عاطفي لا محدود، إنه فعل مقاومة للسائد والروتيني والنمطي، وهو لا يشرّع بقانون ولا يلغى، وإنّما يعبّر عن جدلية الوحدة والتواصل والتفاعل وإعادة التكوين، فالآخر هو أنت ، وإن كان غيرك جسمانياً حسب ابن عربي ووفقاً لجبران خليل جبران: من تحب ليس نصفك الآخر هو أنت كلّك في مكان آخر في نفس الوقت. وبقدر ما تكون الجدلية قطيعة مع السائد ، فهي تواصل وخلق جديد له، بالقصيدة والسيرة والسردية والميثولوجيا والتضحية وقبل كل شيء بالحب.
الحب ضوء يقذفه الخالق في جوفك فيأتي ليبدد الظلمة ويشيع البهجة، إنه يتغلغل فيك وتسمع صوته بكل عذوبة ورقة وألم أحياناً، وهكذا تشعر بالخشوع وكأنك تصلّي، ولعلك تصلّي فعلاً، فالصلاة حاضرة يومياً بالحب، وبدونه تكون مجرد حركات طقسية غير ذا قيمة.
ولا يمكن للمحبّ أن يمتلك في لحظة معينة الكفاية الذاتية، لكن المحبوب يبقى باعثه وضرورته ورعشة الذكرى لديه. إنه انعكاس ضوء وبزوغ فجر ودعاء مؤمن . وهو ضد النفاق والسأم. وهو قلق وتوتّر وتطلّع نحو المطلق، ولا يكتمل الإنسان ليصبح إنساناً بدونه وتجدّده وقانونه الأساسي عدم الارتواء، فكلما ازددت منه يصرخ هل من مزيد؟ مثل الثقافة والمعرفة، إنه ممارسة بالعين والفم والأنف واللسان والأذن واليدين وقبل ذلك بالإحساس؛ وهو دائماً إلى صف الشجاعة والجنون، فما قيمة الحياة دون شيء منهما؟ وما قيمة الحياة دون الحب بالطبع؟
نعيش وراء الزمن بلا أعمار وقد لا نعي عمرنا الحقيقي إلّا في أوقات استثنائية، ولم أشعر أنني أصبحت كهلاً وشيخاً إلّا حين فارقت والدتي نجاة شعبان الحياة العام 2007، وكنت قد افترقت عنها لأكثر من 20 عاماً قهرياً، ويوم تمكّنت من “استعادتها” فرّت من بين يدّي أو من بين أصابعي، اختفت، طارت، ذابت، حين رأيتها مثل شعاع مرّ بسرعة خاطفة مثل الضوء كأنه شهاب، ويوم أنزلت إلى قبرها تصوّرتها حمامة أليفة ترقد جوار الجواهري ومصطفى جمال الدين في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب في دمشق.
ردّدت يومها مع غوته
“على جميع القمم
إنه الصمت
على قمم جميع الأشجار
بالكاد تشعر
بنسمة،
العصافير الصغيرة صمتت في الغابة
صبراً، فلن ترتاح أنت أيضاً
لن ترتاح”
واستعدت مع نفسي قصيدة الجواهري المهداة إلى صلاح خالص 1984 والتي نشرتها في كتاب ” الجواهري في العيون من أشعاره” العام 1986، دمشق، (دار طلاس) والذي قدّم له الجواهري حيث يقول فيها:
فالمــوت يــدرك كــل ذي رمـــــق
كالنـــوم يــدرك كـــل مـن نعســــا
جهـــمٌ يقيــم علــى مدراجنـــــا
و علــى صــدى أنفاســــنا حرســـــا
تعيــا ازاهيـــر الربـــى إذا نطقـــت
بعبيـــر بســــمتـها إذا عبســــــا
نعم إنه الذئب الذي ترصّدني، وأحياناً لا يفترسك هذا الذئب أنت ولكنه يصيبك بالصميم مستبداً بلا رحمة أو مروءة، غشوماً قاسياً متوحشاً يتبعنا كظلنا ويستمر لغزه المحيّر غير قابل للحل منذ الأزل ” كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” (سورة الرحمن، الاية 27) .
يقول الشريف الرضي:
ما أخطأتك النائبات / إذا أصابت من تحبّ.
الحب شيء يخفق في الصدر تعيشه بكل شيء وقد يدفعك أحياناً للقيام بأشياء تبدو غير عقلانية، لأن قلب الإنسان هو ما تحكّم بسلوكه وليس العقل وحده، وبين القلب والعقل ثمة توافق وتعارض في بعض الأحيان.
وقد وجدت في رواية خريف البطريك شبهاً بكتاب ماركس ” الثامن عشر من برومير- لويس بونابرت” الذي كتبه في العام 1852 بعد ثورات العام 1848 وهو أشبه بقصيدة نثرية طويلة وكنت قد تخيّلت أن رواية خريف البطريك هي وجه آخر لرواية “السيد الرئيس” للروائي الغواتيمالي ميشيل (ميغيل) أستورياس التي كتبها العام 1946 وكأنها كتبت خصيصاً للعالم العربي.
ولعلّ غلاظ القلوب عقولهم في مكان آخر، فحسب ماركيز في “خريف البطريك”: السلطة تعويض عن الحب، لكن الحب على العكس من ذلك، إنه تعويض عن جميع الحرمانات والعذابات، لأن الحب والتسلّط لا يتعايشان، والسلطة والحب يبدوان كنقيضين لا ينسجمان. وإذا كان ماركيز قد اشتهر في عالمنا العربي بروايته ” مئة عام من العزلة” التي قال عنها الشاعر التشيلي بابلو نيرودا أنها أفضل ما كُتب بالاسبانية بعد رواية دون كيشوت لـ “سيرفانتس”، لكن رواية خريف البطريك كُتبت بموسيقى عالية وبلغة شعرية جذابة ومدهشة وأجدها من أهم أعمال ماركيز حتى إنه كان يفضلها على جميع أعماله الأخرى وإن كانت أعمال الكاتب وكتاباته مثل أبنائه، وقد حصل ماركيز على جائزة نوبل العام 1982 على روايته ” مئة عام من العزلة”.
هناك فرق بين الحب والعلاقة والحب والعاطفة، فالحب شعلة تشتعل في روح الإنسان وتتوقّد بفعل يد سماوية وهو فضيلة عليا، يملؤها الشعور بالتسامي لدرجة تصبح معها تلك العاطفة ، قيمة بحد ذاتها، أنها تتويج للقيم الإنسانية العليا.
ونستحضر هنا كيف كتبت العاشقة “بيتينا” إلى غوته 55 رسالة ورد فيها 50 مرّة كلمة “روح” و119 مرّة كلمة “قلب”، ومثل الصوفيين : الوله والعشق يجسّدان مرحلة الكينونة الأولى، إذ لا يمكن تعليم درس العشق برسائل الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، لأنه ليست للعشق أبجدية وكل سعي إلى بيان العشق وإيضاحه وتفسيره لا طائل من ورائه حسب جلال الدين الرومي.
ومن يمتلك سلطة الجمال فإن روحه نظيفة وفمه معطراً وقلبه نقياً وعينه مفتوحة على الحق ولا بد أن يكون غيابه حارقاً ، وأقول في الختام وجدان اشتياقاً فقد أعطيتِ معنىً أكثر سمواً للصداقة والقيم والنبل الإنساني والطهارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.