“آيا صوفيا”: أبعد من كنيسة أبعد من جامع!

آية صوفيا
Spread the love

بقلم الكاتب والروائي الفلسطيني نصار إبراهيم/

لقد نجح أردوغان في قراره بتحويل آيا صوفيا إلى جامع في حرف النقاش وإثارة الغرائز وشحن العصبيات، وتفجير قنابل دخانية تشكل غطاء لسياساته وأهدافه العميقة. فانفجرت السجالات وتحشدت “الجيوش” على جانبي حقل الأشتباك، وبدأ القصف بوعي وبدون وعي. وهذا ما يريده أردوغان بالضبط.. أن “تضيع لحانا بين حانا ومانا”.

ف” آيا صوفيا” كانت كنيسة بيزنطية تحوّلت بعد العثمانية في مرحلة السلطان محمد الفاتح إلى جامع. ثم قرر مؤسس الدولة التركية الحديثة أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي جعلها متحفاً .

والسؤال: ما الذي يريده أردوغان اليوم من وراء هذا القرار؟
بالتأكيد لم يأت هذا القرار المفاجئ لأن تركيا تفتقر إلى المساجد (وحتى لو كان ذلك فإن الحل ليس بالعبث في مسألة لها رمزية حساسة كآيا صوفيا)، كما ليس له علاقة بمفهوم ممارسة السيادة القومية كما يقولون.
إذن هناك ما هو أبعد وأخطر وهو ما يستحق التوقف والنقاش.

ما أقدم عليه أردوغان هو خطوة مدروسة لتحقيق أهداف بعيدة:
– إيقاظ النزعة العثمانية الأمبروطورية التي يرى أردوغان أن حزب العدالة والتنمية هو القادر على تحقيقها من خلال تقديم وتظهير تركيا باعتبارها حاملة راية الإسلام بشجاعة.

– جذب جماعات الإخوان المسلمين كحامل أيديولوجي – اجتماعي ديني وتوظيفهم لدعم وتنفيذ سياسات ومشاريع أردوغان و حزب العدالة والتنمية باعتباره راس الإخوان المسلمين. يضاف لذلك استغلال عصبية الأقليات والجماعات ذات الأصول التركمانية المنتشرة في : سورية، لبنان، العراق، مصر، ليبيا، تونس، الصومال، وجيبوتي.

– توظيف كل ما تقدم من أجل دعم أهداف تركيا وتبرير تدخلاتها المتزايدة في أكثر من ساحة: ضرب الأكراد في تركيا، احتلال اجزاء من شمال وغرب سورية وشمال العراق ، غرب ليبيا، التمركز في قطر، محاولات التدخل الأخيرة في لبنان وخاصة في طرابلس، الحضور في بعض أجزاء من مأرب وحضرموت في اليمن. وبالنتيجة جعل تركيا قوة مهيمنة في المتوسط بما يعنيه من ثروات وجغرافيا سياسية. ( د. وفيق إبراهيم – البناء اللبنانية 15 تموز 2020).
تأسيسا على ما تقدم ، فإن قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى جامع يتجاوز في أهدافه النقاشات المباشرة، فهو لا يستهدف الكنائس والمسيحيين فقط بل يستهدف الهيمنة والسيطرة على المحيط وعلى العالم العربي بمسيحييه ومسلميه. إنه يتجاوز نحو مشروع تركي طوراني يجعل من تركيا سيدة المنطقة، وما الأيديولوجية الدينية وإثارة الاشتباكات الغريزية إلا مجرد أدوات لذلك لا أكثر.
ولمن ينسى ذلك نذكر: أن تركيا هي ثاني أكبر جيش بري في حلف شمال الأطلسي (المعادي لغالبية المسلمين إذا شئتم)، والعلاقة التركية الأمريكية الحميمة فوق أي اعتبار، رغم كل ما تقوم به أمريكا من حروب وحصار ضد الشعوب العربية . و تركيا أيضا هي الصديق المقرب لدولة الاحتلال الإسرائيلي بما لها من علاقات اقتصادية وتعاون عسكري. وركض تركيا للانضمام إلى الأتحاد الأوروبي (النادي المسيحي كما يقال) لا يتوقف.
إذن الإسلام بالنسبة لتركيا العثمانية المعاصرة هو مجرد وسيلة لفرض هيمنة تركيا كقوة مقررة في الإقليم خدمة لمصالحها القومية أولا وعاشرا.
لكل هذا جاء قرار أردوغان بشأن آيا صوفيا. إنه قرار للتحشيد وشد العصبيات وتفجير الغرائز وتوظيف كل ذلك لمشارع السيطرة والهيمنة التركية.
وبكلمة: يجب العودة بالنقاش لإصوله وسياقاته وعدم الوقوع في مصيدة اردوغان وكأن مسألة آيا صوفيا هي صراع بين مسيحيين ومسلمين. بين مؤمنين وكفرة. كفى!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.