“واشنطن بوست”: الانهيار الاقتصادي يتسارع بوتيرة مخيفة في لبنان

Spread the love

قالت صحيفة “واشنطن بوست” إن الانهيار الاقتصادي في لبنان يتسارع بوتيرة مخيفة، مع نفاد صناديق الحكومة والبنوك وجيوب المواطنين من العملة الأجنبية في آن واحد.

وسردت الصحيفة في تقرير لمراسلتها في بيروت، ليز سلاي، وترجمته “عربي21″، أبرز علامات االانهيار الاقتصادي في لبنان، ومنها انقطاع الكهرباء في معظم أنحاء لبنان لأكثر من 20 ساعة في اليوم.

وقالت إن طائرة قادمة إلى بيروت اضطرت أن تلغي عملية الهبوط هذا الشهر لأن أضواء المدرج انطفأت. وتوقفت الإشارات الضوئية عن العمل ما زاد من الزحمة في شوارع بيروت المزدحمة أصلا.

وأرجعت الصحيفة الانهيار إلى سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإنفاق الزائد على مدار عقود، مضيفة: “أي أمل بالإنقاذ يتلاشى لأن النخبة الحاكمة تعيق أي شكل من أشكال الإصلاح وأي تدقيق خارجي يساعد في فتح المساعدات الخارجية”.

وتعطلت مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي لتحصيل قرض بقيمة 10 مليارات دولار.

وكان لبنان يعتبر واحة من الازدهار والاستقرار النسبي خلال العقد الأخير الذي شهد فوضى في الشرق الأوسط، ولكنه اليوم ينزلق إلى الفقر واليأس والفوضى المحتملة، بحسب الصحيفة.

ويتوقع الاقتصاديون الآن انهيارا شبيها بانهيار فنزويلا، التي تعاني نقصا حادا في السلع والخدمات الأساسية وتضخما خارجا عن السيطرة وفوضى عارمة.

وخسرت الليرة اللبنانية أكثر من 60% من قيمتها خلال الشهر الماضي فقط و80% من قيمتها منذ شهر تشرين أول/ أكتوبر. وارتفعت أسعار السلع بشكل جنوني والبضائع تختفي.

وهناك نقص في الخبز لأن الحكومة لا تستطيع تمويل واردات القمح. كما أن الأدوية الضرورية تختفي من الصيدليات. والمستشفيات تستغني عن العاملين فيها لأن الحكومة لا تدفع حصتها وتلغي العمليات لأنها ليس لديها كهرباء ولا وقود لتشغيل مولدات.

ويلجأ الناس الذين أصابهم الفقر حديثا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان عن بيع بعض أدوات وعفش منازلهم مقابل الحليب. وتزداد الجريمة. وفي فيديو تم تداوله على نطاق واسع يدخل رجل على صيدلية وهو يلبس كمامة ويرفع مسدسا طالبا من صاحب المحل أن يعطيه حفاظات.

وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن سكول أوف إيكونوميكس: “لم يعد لبنان على شفير الانهيار. ولكن الاقتصاد في لبنان انهار. لقد فشل النموذج الذي تم إنشاؤه في نهاية الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي. لقد كان بيتا من الزجاج وانكسر ولا أمل لإصلاحه”.

وأكد أن التداعيات مخيفة، مضيفا: “لبنان يعيش في حالة حرب مع أحد جاراتها (إسرائيل) وتعيش بجوار حرب أخرى (في سوريا) وفي الهدف في الحرب الدائرة بين أمريكا وإيران”.

واستخدم البلد في الماضي كساحة للصراعات الاقليمية والدولية، كما حصل خلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما وعام 2006 عندما دخلت إسرائيل في حرب قصيرة مع حزب الله، المليشيا المدعومة من إيران والتي تلعب الآن دورا مهما في السياسة في لبنان. وأصبحت المنطقة في خطر الآن حيث تتهم إيران إسرائيل بعدة انفجارات غامضة في مواقع حساسة داخل إيران وحيث زادت إدارة ترامب من عقوباتها على إيران وحزب الله وسوريا.

كما أن التوتر الطائفي الذي غذى الحرب الأهلية يتزايد بينما يتبادل أتباعها الاتهامات بالمسؤولية عن الأزمة.

فسياسيو اليوم هم من شاركوا في الحرب الأهلية وحولوا مليشياتهم إلى أحزاب سياسية بعد انتهائها. ومنهم قيادات من المسيحيين والسنة والشيعة والدروز تولوا مناصب حكومية واشتروا أسهما في البنوك والتي قامت بإقراض أموال لمشاريع عامة قامت بها شركات يملكها المسؤولون أو أصدقاؤهم أو أقاربهم. وأثرت النخبة على حساب الفقراء وتم وضع أساسات الانهيار الحالي.

وقال جرجس إنه لا أحد يتوقع حربا جديدة في المستقبل القريب، ولكن يتوقع زيادة في الاضطرابات السياسية والاجتماعية وتزيد من خطر صراع قد يجر القوى الإقليمية كما حصل حديثا في سوريا وليبيا واليمن – وفي لبنان في الماضي.

وقال مايك عازر، المحلل المالي المقيم في بيروت: “ليس هذا انهيار بلد صغير عادي”.
فمن بين 6.8 مليون شخص يعيشون في البلد هناك 1 من كل خمسة أشخاص لاجئ، معظمهم سوريون، ما يجعل لبنان أكثر البلدان استضافة للاجئين بالنسبة لعدد سكانها بحسب إحصاءات الأمم المتحدة والبنك الدولي. وسوف يكونون الأكثر تأثرا حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات لا يطيقونها بإمكانياتهم الهزيلة مع جفاف العمل في القطاع غير الرسمي، بحسب نيكولاس أوبرلين، نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.

وأضاف أن هناك مئات الآلاف من اللبنانيين الذين يتوقع أن ينضموا إليهم في الفقر. وينفق برنامج الغذاء العالمي على 750 ألف لاجئ سوري في لبنان. والآن ولأول مرة منذ حرب 2006 مع إسرائيل، تخطط المنظمة لتوزيع الطعام على اللبنانيين الجائعين متوقعة أن يكون عددهم شبيها مع نهاية العام.

ويمكن للبنانيين أنفسهم أن يصبحوا لاجئين حيث يسعى من يستطيعون إلى مغادرة البلد، بحسب ناصر سعيدي، وزير الاقتصاد اللبناني السابق ويعمل الآن مستشارا ماليا في دبي. وقال: “يمكن أن يكون هناك أزمة لاجئين.. فهل هذا ما يريده لبنان وبقية العالم؟ هل يريدون دولة فاشلة أخرى على البحر الأبيض؟”.

وليس هناك أي مؤشر بأن العالم مستعد للمساعدة. فستة أسابيع من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي انتهت إلى طريق مسدود حيث عرقلها أعضاء من الوفد اللبناني بخلافاتهم عن حجم الأموال التي تمت خسارتها وكيف توزع الخسائر بحسب ثلاثة أشخاص على اطلاع على المفاوضات.

وقالت كريستالينا جيورجيفا، المديرة العامة للصندوق للمراسلين أواخر الشهر الماضي: “لقد كانت [المفاوضات] صعبة في الحقيقة.. ولب المشكلة هي إن كان يمكن أن يكون هناك وحدة حول الهدف في البلد”.

وأوضح حلفاء لبنان من الدول الغربية أنهم غير مستعدين للمساعدة حتى تقوم الحكومة بجهود إصلاحات في القطاع العام الفاسد والمتضخم. وكانت هناك حزمة قيمتها 11 مليار دولار على شكل قروض معروضة منذ عام 2018 – بشرط أن تقوم الحكومة بتغييرات محدودة ولكنها لم تفعل.

أما دول الخليج الثرية والتي ساعدت في إعادة البناء في لبنان بعد حرب 2006 فقالت إنها لن تقدم المزيد من المساعدات إلى بلد يشكل فيه حزب الله، المدعوم من إيران، القوة المهيمنة.

وإن كانت النخبة السياسية القوية في لبنان ستوافق على الاصلاحات التي تفتح باب المساعدات الدولية هو السؤال الأكبر الآن، فهم المستفيدون الأساسيون للنظام الذي جعل البلد يفلس وهناك ظن بأن معظم الأموال المفقودة انتهت في جيوب وحسابات أجنبية، بحسب دان عزي، المحلل المالي المقيم في بيروت.

وقال عزي إن جائحة كورونا ساعدت في تراجع الاقتصاد ولكنها ليست السبب في الثغرة الكبيرة التي برزت العام الماضي في مالية البلد. فلبنان لا ينتج شيئا تقريبا ويعتمد لسنوات على الدولارات التي يرسلها اللبنانيون الذين يعملون في الخارج.

ويقول عزي وغيره من المحللين إن تلك الدولارات غذت ترتيبا يشبه مخطط بونزي، فكانت البنوك تقدم فوائد عالية لتشجع الإيداعات بالدولار ثم تقوم بتقديم الديون للحكومة – حتى انتهت الأموال المودعة.

وهناك مبالغ كبيرة اختفت من النظام البنكي – ربما حوالي 100 مليار دولار بحسب أرقام الحكومة.

وقال جاد شعبان، عالم الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت إن ثلاثة أرباع الإيداعات كانت بالدولار الأمريكي وقد يكون الكثير من اللبنانيين العاديين خسروا أغلب أو جميع مدخراتهم.

وأضاف أن النخبة الآن تضامنت لتقاوم الإجراءات المقترحة من الحكومة والتي ستفتح باب المساعدات ولكنها تقوض النظام الذي كانوا يستفيدون منه. فهناك حوالي 1% من الشعب يسيطرون على 80% من الإيداعات. والأثرياء مترددون في تأييد أي مقترحات ستفرض تقليصا لأرصدتهم.

وقال المحلل المالي هنري شاوول إن أحد الإجراءات الضرورية والذي يطلبه صندوق النقد الدولي هو قانون سيطرة على رؤوس الأموال يمنع هروب الأموال من البلد. ومع ذلك فإن السياسيين يقاومون مثل هذا القانون وسط مؤشرات بأن الأثرياء استمروا في تحويل أموالهم إلى خارج البلاد بحسب شاوول الذي استقال الشهر الماضي من عمله كمستشار لفريق التفاوض مع صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى تردد الحكومة. وفي نفس الوقت يواجه الناس العاديون قيودا على سحب الأموال من بنوكهم.

وطلب آخر لصندوق النقد الدولي، وافق عليه برنامج الإنعاش الاقتصادي، هو التدقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي لتحديد أين ذهبت الأموال المفقودة. وعارض السياسيون ذلك أيضا، بحسب مطلعين على المفاوضات.

وقال سايمون نعيمي، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت إن تدقيقا جنائيا قد يكشف تورط المؤسسة السياسية. وقال: “الله يعلم إلى أين نحن ذاهبون وما الذي سوف يحصل، ولكنني أخشى الأسوأ.. فنحن متجهون نحو الانهيار الكامل وليس هناك إرادة بين المتنفذين لإصلاح الوضع لأنهم مشاركون”.
المصدر: عربي21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.