ممارسة الجريمة الجنائية… مطلب معيشي جديد للسوريين!

المحامي بشار بقدونس
Spread the love

مجلة شجون عربية –دمشق –تحقيق بيان عزالدين /

نالت سنوات الأزمة السوريّة المأساويّة من المجتمع المحلي الذي غرق بالتهتك والتمزق حتى أصبح من الطبيعي له أن يفرز فئات كثيرةً تمارس الفعل الإجرامي بحق الانسان الذي ظل هو الهدف الأول والأخير لكن بحلة جديدة مغايرة عن الأحداث المتعلقة بالحرب، مع إبقاء مسرح الجريمة نفسه ألا وهو أرض الوطن ، اذ عاد مشهد القتل والخطف والسرقة يتصدر حياة السوريين اليوم ، لاشك أن لهذه الظاهرة أبعاداً مرتبطة بالحياة الخاصة والظروف المحيطة بالفرد منها ماهو اقتصادي واجتماعي، بالأخص ماهو أخلاقي لأننا عندما نتحدث عن الجريمة الجنائية هي غالبا ما تكون مرتبطة بعالم المدنيين الأبرياء هذا ما دفع بعضها يتحول إلى قضية رأي عام لاسيما تلك التي تبدأ بهدف السرقة وتنتهي بالقتل والاغتصاب ! على الرغم من إشارة لغة الأرقام إلى تفاقم نسبة الجرائم بشكل يثير القلق و الريبة لدى فئات الشعب كافة ،لكن يبقى أمر إحصائها،ومعرفة السر الكامن ورائها، وآلية ضبتها ليس بالهيّن .

“مجلة شجون عربيّة” حاولت التطرق للظاهرة المنتشرة عبر هذا التحقيق.
*الحديث عن التعرض للجريمة ناقوس خطر يهدد قلوب المواطنين *
تحولت أم أحمد بصمت من سيدة منزل تعنى بتربية أطفالها إلىى مدبرة شؤون منازل جوارها ، بعد اختفاء زوجها منذ عدّة أشهر خلال قيامه بممارسة عمله كسائق شاحنة تنقل الخضروات بين محافظات البلاد، بينما أجبرت سماح على ترك وظيفتها التي تعمتد عليها كمصدر رزق يعيل عائلتها المهجرة نتيجة تعرضها لحادثة تحرش خلال عودتها من دوامها الليلي كونها تعمل ممرضة، وهذه المهنة تتطلب ظروفاً استثنائيّة لا تتناسب مع طقوس عائلتها وعادات حيّها !، أما ابتسام فكتب لها عمراً جديداً ليس لأنها معجزة سماويّة بل لقدرتها على البوح بما حدث معها عندما تعرضت لمحاولة قتل وسرقة لسيارتها الخاصة التي كانت تقودها منذُ الصباح متوجهةً إلى مقر إحدى الجامعات الخاصة التي تتابع تحصيلها العلمي بها ،على يد عصابة إجرامية تمّ إلقاء القبض عليهم بعد ما تجرأت الفتاة وذويها بتقديم الشكوى ضدهم للجهات المختصة، وهناك مئات من السوريين الذين تكبدوا خسائر بالأرواح والأموال إثر تزايد معدل الجريمة في الآونة الأخيرة .

الرادع القانوني للمجرمين لا يخفف من شدة وطأة الظاهرة المتفشية !
لتوصيف هذا النوع من الجرائم قانونياًّ أخبرنا الأستاذ المحامي بشار بقدونس قائلاً: لا يمكن توصيف الجريمة إلا حسبما صنفها القانون السوري،وما اعتمده المشرّع الذي يتوقف على حجم العقوبة المفروضة، بدوره أقرّ المشرع السوري هذا المعيار في المادة (178) من قانون العقوبات التي تنص بأن (( الجريمة تكون جناية أو جنحة أو مخالفة حسبما يعاقب عليها بعقوبة جنائية أو جنحية أو تكديرية، وتصنف العقوبات الجنائية العادية بدءاًبالإعتقال المؤقت وتنتهي بالإعدام ،و يشدد المشرّع عقوبة بعض الجرائم لما لها من أثر على السلامة العامة كتشديد عقوبة الخطف .وتابع بقدونس ذاكراً : ” أيضاً نص المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 على ما يلي: المادة (1) كل من خطف شخصاً حارماً إياه من حريته بقصد تحقيق مأرب سياسي أو مادي أو بقصد
الثأر أو الانتقام أو لأسباب طائفية، أو بقصد طلب الفدية يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة ، أما المادة (2) (الظروف المشددة)، بدوره وضح بقدونس لنا ما يخص عقوبة الإعدام شارحاً : “أما إذا نجم عن جريمة الخطف وفاة أحد الأشخاص، وحدثت عاهة دائمة بالمجني عليه. و قام الفاعل بالإعتداء جنسياً على المجني عليه والسرقة فقد يتشدد المشرع في عقوبتها تبعا لظروف ارتكابها.
نرى بالإجمال يبقى التعريف العام لها رغم اختلاف المشرعون والفقهاء عليه من بينهم المشرّع السوري الذي اكتفى بتحديد الأفعال والأركان وما يوازيها أو يساويها من العقوبة المفروضة ، ليتبين تعريفها بإيجاز حسب قول بقدونس : “هي كل عمل أو امتناع يرتب القانون على ارتكابه عقوبة، وتابع : “عرفها الفقيه جان جاك روسو “(( الفعل الذي يفصم عرى العقد الاجتماعي )) “.
حول أساليب التصنيف حدد بقدونس ذاكراً :” كل الجرائم كالقتل والخطف والسرقة المذكورة تعد جرائم جنائية التي يمكن أن تتراوح عقوبتها من 3سنوات إلى الإعدام ،غالبا ما يحكم بها بالإعدام!”
أما عند استفسارنا عن المسبب الفعلي لها”لاسيما بعد ذكر موقع “نمبيو” (NUMBEO) المتخصص بالإحصائيات حول العالم أن سوريا تحتل المركز العاشر عالميًا من حيث ارتكاب الجريمة،.” برهن بقدونس شارحاً بالقول :” تفسير الأمر يدخل ضمن حلقات كثيرة ومتشابكة، أهمها غياب الرادع الذاتي للشخص، وتدهور الحالة المعيشية والاقتصادية كالفقر والجهل الذين يعتبران من العوامل الأساسية المهيئة لارتكاب أي جريمة هما يتناسبان طرداً معها. ” من جهته نوّه بقدونس لأخطر الأسباب المتجسد عبر :” العنف المحيط بالمجتمع بشكل عام والتهيئة النفسيّة لدى الأشخاص دافعاً لارتكاب مثل هذه الأفعال لاسيما بالحروب ، لأن مرتكب الجريمة يظن باستطاعته الهروب من العقوبة. ” وتابع بقدونس متطرقاً بالذكر: ” هناك دور سلبي للدراما وأفلام السينما، حيث يرجع أطباء نفسيون سبب تفشي الجريمة وتزايد معدلاتها إلى انتشار ثقافة العنف في المجتمع عبر بعض وسائل الإعلام ،وعند تجميل بعض الشخصيات الخارجين عن القانون إلى أبطال يحتذى بهم ،وللعنف الأسري نصيب أيضاً.”حين طرحنا تساؤل حول نسبة الشكاوي المسجلة إزاء هذه الفعلة، فيما اذا كانت توازي حجم الأخبار المنتشرة ؟ أم أنها مازالت ضمن المحتمل وما يتداول يتخلله بعض التهويل ؟ أخبرنا بقدونس منصفاً :” بالنسبة إلى الإحصائيات الراصدة للأمر هي غالبة ما تكون ناقصة لعدم وجود آليات لحصر عدد الجرائم “، تابع مفسراً :” هناك مئات الجرائم والأفعال التي تعد انتهاك لحقوق الأفراد لا يتم معرفتها أو الإبلاغ عنها،”من منصبه استحضر لنا مثالاً واقعياً بالقول :” في مجتمعاتنا أغلب الانتهاكات تدور داخل الأسر من عنف وسرقة وتحرش لا يتم الابلاغ عنها لأسباب اجتماعية ،!”
حول رأيه كرجل قانون عن الضبط الفعلي المعتبر كعامل يحد من انتشار الجريمة ، عبّر بقدونس :”
“منذ أن وجدت الجريمة والفقيه التقليدي اعتاد على استخدام العقوبة للحد منها، تابع واصفاً :” هكذا تتجلى النظرة التقليدية إزاء الظاهرة المذكورة، لكن هناك ثمة احصائيات أثبتت شدة العقوبة لم تؤثر ،” وشدّد بقدونس :” بل تبيّن فهم الظاهرة هو العنصر الأساسي للحد من انتشار الجريمة وليس العقوبة بحد ذاتها، هذا خير رادع .”
عند تطرقنا لبقدونس عن مدى صعوبة امتلاك المؤسسات المسؤولة عن حماية المواطنين وتأهيل المجرمين الوعي الكافي لاتباع أساليب تساهم بالحد من الجريمة، واقفنا الرؤية قائلاً باختصار :” ليس لدى الأشخاص المعنيون بالتعاطي مع هذا النوع من الجرائم الثقافة الكافية .”
المنظومة الإرشادية للذات والتأهيلية للمجتمع غائبة !
بالبحث حول تفاصيل تفاقم الظاهرة تبيّن أنها نتاج متوقع لعوامل إنسانيّة ،والتوسع بأسبابها بيّنت أخصائية الإرشاد النفسي نسرين وطفة قائلة :” من المعلوم الجريمة هي ظاهرة مجتمعية تنتجها بيئة ونفسيات مشوهة، من وجهة نظري أبرز أسباب ارتكابها تبدأ من التنشئة الاجتماعية وتنتهي بالبيئة التي يعيش فيها الشخص المتجسدة بأساليب معاملة الأب،و رقابة الأم، غيرها من ظروف إجتماعيّة عاشها الفرد، ربما يكون الشخص نفسه سبب لإرتكاب الجريمة لما يعاني من مشاكل نفسيّة وسلوكيّة.
عند افتراضنا أن مخلفات الحرب المسبب الرئيسي للحالة،شاطرتنا وطفة الفرضية مبرهنة:” مما لا شك فيه أن الحياة الاقتصادية الصعبة تلعب دوراً كبيراً في ارتكاب الجرائم مؤخراً ،وما تشهده البلد من ارتفاع وغلاء الأسعار يخلف الضغط والتوتر النفسي.” وتابعت :” الحرب لها تأثير كبير للعديد من المشاكل التي حصلت في المجتمع السوري لما خلفته من مشاكل نفسية واقتصادية واجتماعية أيضاً.
أما حول اذا ما تم اعتبار البعد النفسي والسلوكي للفرد ومدى اضطرابه ،هو البيئة الحاضنة للقضية أرفقت وطفة الفرق

موضحة القول :” الصحة العقلية هي حالة تسمح للإنسان بتحقيق ذاته وتحمل الصعوبات الطبيعية للحياة والمساهمة في الحياة الاجتماعية، وتابعت :” نستطيع التكلم عن مرض نفسي عندما يكون هناك سلوكيات غير ملائمة ومثيرة للقلق للمحيط.” ونوّهت :” أظهرت دراسات أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية على السجناء أنهم كانوا يعانون من مشاكل وأمراض نفسية قبل ذلك يجب أن لا ننسى مقولة “ليس كل مريض مجرم وليس كل مجرم مريض،” اذاً أولئك الذين يرتكبون جرائم بسبب اضطراباتهم هم مهمشين من مجتمعهم وعائلاتهم وفشلوا بكل شئ ولم تتم معالجتهم ومتابعتهم من قبل مختصين.”
نلاحظ استناد الكثير من الناس إلى مقولة ” الغاية تبرر الوسيلة !”، عند تساؤلنا لوطفة هل من الممكن اسقاط ذلك التبرير على مرتبكي الجرائم أجابتنا مفسرة :” معرفة العلاقة بين المجرم والضحية وظروف الجريمة تساهم في وضع المعايير للحد من الأفعال الإجرامية وليس من تبرئة المذنب،
وأكدّت :” الجريمة جريمة غير الممكن تبرئة صاحبها، لكن هناك دراسة لحالة مرتكب الجريمة اذا ثبت أنه مريضا نفسياً ‘يعامل بطريقة تختلف عن التعامل مع إنسان طبيعي لا أكثر.”
الحقيقة الجليّة التي يعيشها الشعب هي أنهم يعانون من حالات قلق وتوتر جاءت نتيجة انتشار الظاهرة المذكورة، حول خطورة الموقف شرحت وطفة :” بالطبع تسبب تصدع الثقة والطمأنينة في نفوس المواطنين وزعزعة الأمن، بالإطارت ذاته حذرّت :” انتشار الجرائم يؤدي الى فساد الأخلاق وتحويل الشباب إلى عناصر غير فعّالة بالمجتمع وتهديد للقيم السائدة فيه “.
من مكانها لم ‘تخف وطفة التصريح عن مدى صعوبة التغلب على انتشار هذا النوع من الجرائم ومكافحتها بجديّة لأن الأمر يتطلب تعاون أسري وأمني وبيئي ومجتمعي بالنسبة لما ذكرت ، ونادت بتطبيق الدور التثقيفي القائم على غرس مشاعر الاحترام للقوانين والأنظمة في نفوس الناشئة، وتعليمهم أكاديمياً على كيفية التخلص من مشكلاتهم .
تفاعل المنصات الكترونية مع ضحايا الجرائم الجنائية يتأرجح بين كفتي التشهير أم المناصرة ؟
لاحظنا تداول مئات الوسائل الإعلامية والمنصات الكترونية أخبار الجرائم المحليّة والمرفقة بصور إيضاحية ستفزة للضمير البشري مما أدى إلى زيادة اشتعال فتيل القضية بين صفوف الأفراد الذين انقسموا بين مستنكر لانتشارها أو مبرر لفعلة أصحابها ،هذا ما دفع الكثير إلى المطالبة بضرورة إيجاد حل لمعالجة الحالة الذي استوجب ضبتها .
حول آلية التعاطي المتبعة عبّر المحامي بشار بقدونس القول : دور الإعلام مهم جداً لما يخلقه من تحفيز لدى الأشخاص المعنيين للعمل بشكل أكثر سرعة واحترافية ، وتابع بنظرة إيجابية طرحها : ” تعد هذه المنصات أحد العومل التي يمكن للضحايا أو ذويهم التعويل عليها للوصول إلى القصاص من المجرمين، لكن بعد الإشراف على مدى مصداقيتها من قبل الجهات المختصة.”
وقدم بقدونس نصيحة قانونيّة تخص الفعل المتوجب إتخاذه ذاكراً:” الموضوع يبدأ من الأبويين تحديداً لما يوفراه من رقابة وتوجيه للأبناء ومروراً بالأنظمة التعليمة لما لها من دور مباشر على الأفراد وصولاً الى الأذرع الأمنية والعدلية للحفاظ على الأمن العام .”
من المنظور النفسي لهذا الجانب أثنت أخصائية الإرشاد النفسي نسرين وطفة على حديث بقدونس بما يتعلق بأهمية دور السوشل ميديا في حياتنا وإمكانية استخدامها للتوعية من القضية دون اعتماد الإثارة ، وذكرت وطفة ضرورة وجود رقابة في طرق التوعية الإعلاميّة ، تفادياً لحدوث أثر سلبي لها يؤدي للوقع بنوع جرائمي خطير متجسد بالشق الكتروني منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.