الإكتئاب اللبناني: عندما يضحك أصحاب السلطة ويسعد الحمقى

Spread the love

بقلم: كارمن جرجي* |

البشر ثلاثة أنواع: الفرديون وهم الأشخاص الذين يعطون الأولوية لمصلحتهم الخاصة ويعملون على تحقيق النجاح لإرضاء الذات، والإجتماعيون وهم من تسيطر عليهم العاطفة الإجتماعية بدرجة كبيرة وتطغى على طريقة أدائهم للأمور الحياتية، فهم غالباً يفكرون بغيرهم ويتعاطفون معهم ويحاولون التوفيق بين مصالحم الخاصة ومصلحة المحيطين بهم. أما الصّنف الثالث والأخير فهم التنافسيون الذين يحبون المنافسة والتفوّق على الآخر.
في مقالة نشرت في مجلة (Scientific American) في إحدى المقالات عن الإكتئاب، جاء أن هناك دراسات يابانية قد بيّنت أن أكثر الأشخاص معاناةً في الحياة هم الذين يتمتّعون بالقيم الإجتماعية، فيسيطر عليهم الإنزعاج الذي قد يصل الى مستوى الإضطراب النفسي والإكتئاب إذا ما عايشوا حالة ظلم إجتماعي مفرط سواء كان تجاهم شخصيّاً أو تجاه الآخرين.
من هنا تقتضي الحياة أن نبتعد قدر الإمكان عن التفكير بالأمور بفلسفة ترتكز على العدالة والمساواة والإنصاف والظلم لأنّ خيبة الأمل تصبح أمراً واقعاً في أغلب الحالات.
وقد أشارت دراسة عن طبيعة السلوك البشري (Nature Human Behavior) أنّ الإنسان لدى تعرّضه للشعور بالظلم ولا سيّما الإقتصادي منه، وعند خضوعه للرنين المغناطيسي، يظهر ردّ فعل في منطقتين من الدماغ “اللوزة الدماغية” و”الحَصين” وهما نقطتان مرتبطتان بكيفية التفاعل مع المشاعر. ومن الطبيعي أن ترتفع ردّة الفعل هذه عند الأشخاص الّذين عندهم إستعداد بيولوجي أو وراثي لذلك. أمّا الأشخاص الذين لديهم تفاعل معقّد بين المقومات الداخلية والخارجية، فهم يصابون بمشاعر تفوق الوعكة الصحيّة وتصل الى حدّ الحزن الشديد والإكتئاب، الذي بدوره يفقدهم الشعور بالسلام الداخلي ويؤثر على رؤيتهم للأمور بطريقة صائبة. فعلى الصعيد الجسدي، يشعر الشخص الذي يعاني من الإكتئاب بفقدان الشهية أو الرغبة المفرطة في الأكل، والإرهاق والأرق.
أمّا عل الصعيد النفسي، فيسيطر عليه الشعور بالملل، وعدم القدرة على التذكّر والعمل والإنتاج، والإحباط، والعصبية الدائمة، والتشاؤم، وفقدان القدرة على الفرح وهذا يؤدّي الى اتّخاذ القرارات الخاطئة والتفكير بالموت.
وباعتماد مؤشّر “بيك” الذي هو كناية عن مجموعة أسئلة تبلغ 21 سؤالاً، يتم الإجابة عنها ومن خلال مجموع النقاط المُستحصل عليها، يمكن قياس درجة الإكتئاب عند الشخص.
ومن جانب آخر، تطرق علم النفس التنموي الى حاجات الإنسان الأكثر أهمية الى أقلّها. وقد أدرج عالم النفس الإجتماعي “ماسلو” هذه الإحتياجات في هرم حمل إسمه، وقد جاء في قاعدته، من ضمن الإحتياجات الأساسية الخمس، حاجة الإنسان للإحساس بالأمن الإجتماعي والأُسري والحاجة للمأكل والملبس والمشرب، وهذا ما يفسّر الإكتئاب الحادّ الذي يصاب به من يعجز عن تلبية حاجاته وإعالة عائلته وعند تعرّضه لضغوط إقتصادية كبيرة وافتقاره للعدالة الإجتماعية.
وهذا هو تحديداً ما يعاني منه اللبنانيون حالياً، مضافاً اليه فقدان الإحساس بالأمان والإستقرار بسبب ما حصل ويحصل أخيراً من تعذّر تشكيل حكومة الى انفجار مرفأ بيروت الى الحرائق التي تندلع هنا وهناك وتشير الى الإهمال وقلة المسؤولية، والإشكالات المتنقلة التي إن لم تؤد الى حرب أهلية الّا أنها تثير مشاعر الخوف والقلق، إضافة إلى البطالة وتراخي القيم الأخلاقية والضوابط الإجتماعية الحضرية كالرصاص الطائش الذي أودى بحياة العديد من الأطفال والنساء والرجال والرياضيين…وأيضاً الأزمات السكانيّة والمعيشية والمالية وانهيار قيمة الليرة اللبنانية وفقدان الدولار من السوق.
وفي هذا السياق، يُذكَر أن الإكتفاء المادي هو أمر بالغ الأهمية وأساسيّ في حياة المرء، إذ أنّ هذا الشعور يؤدي الى إفراز مادة “الدوبامين” التي تجعل الشخص يحسّ بالغبطة والسعادة. مع الأخذ بعين الإعتبار أن هناك فئة قليلة من الأشخاص تعتبر أن المادّة أمراً ثانوياً.
وبما أنّ هذا العامل الأخير مفقود عند نحو 55% من الشعب اللبناني بعد أن كانت النسبة 28% سابقاً. وبناءً على دراسة أجرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، أصبح الإحباط والإكتئاب مرض العصر واجتاح صفوف اللبنانيّين من كافة الأعمار وبخاصة الفئة العمرية بين 25 و45 عاماً. وأصبح بالتالي السبب الرئيسي للإنتحار الذي ينتج عن اليأس، وقد شهدنا حالات عدة محزنة في الآونة الأخيرة.
إنّ الوضع الذي يعيشه اللبناني ما زال ضاغطاً منذ عام 1973، والنكسات التي يتعرّض لها لم تتغيّر، بل على العكس فقد ساءت أكثر، وقد جاء في تقرير أعدّته مؤخراً
“غالوب” Gallup وهي جمعية لم يسبق لها أن اهتمّت سابقاً بتأثير الأوضاع القاسية على نفسية اللبنانيّين، أنّ لبنان حلّ في المركز العاشر عالمياً من حيث إرتفاع نسبة الكآبة التي بلغت 70% من اللبنانيين الذين يشعرون بتوتر نفسي دائم ويتناولون الأدوية والعقاقير المهدّئة للأعصاب برغم صعوبة شرائها من دون وصفة طبيّة، إذ بلغت 13 مليون و600 ألف علبة خلال عام واحد فقط. وللأسف فقد أدمن عليها أغلبيتهم، ومن الملاحظ أن عدد النساء الذين يصابون بالكآبة يبلغ ضعفي عدد الرجال.
وبعملية حسابية بسيطة، يمكن الإشارة الى أن الـ30% الباقين الذين لا يعانون من أية ضغوط نفسية هم السياسيون وأصحاب رؤوس الأموال، الذين لا يشاطرون اللبناني مشاكله الحياتية ولا يدركون ماهية هذه المشكلات، ولا ولن يصبحوا على دراية بأعبائه وضائقته المعيشية.

لقد أنجز الإكتئاب ما لم ينجزه أحدٌ باللبنانيين، ففراخ الفينيق المعروفة بالصمود والقدرة على التأقلم والنهوض والتحمّل والتفاؤل، لم تعد قادرة على الخروج من هذا النفق المظلم، وخاصة حالياً. إذ أنّ طائر التجدد لا يكاد يخرج من مصيدة إلّا ويدخل بأخرى أسوأ من سابقتها. فأخذت هذه الطيور الصغيرة تترنّح في حطام العيدان، تارّة بين الغضب الشعبي واليأس والإستسلام، وتارّة بين الأمل والحلم، ثم ما تلبس أن تُنَكّس مناسرها الخائبة وتجلس على أفنان الشجر تنتظر فجراً جديداً علّه يحمل أشعة الشمس من جديد، وطيورٌ أخرى هدمت وُكُناتها وهاجرت الى بلاد أكثر دفئاً تاركة وراءها قشّاتها وشجرتها وحقلها وسماءها وماءها…
أو ليس هذا مصير الطيور، فإمّا أن يصيبها خرطوش الصيّاد فتسقط أرضاً بعد أن تتلوّى من الوجع، وإمّا أن تصفق بأجنحتها وتُحلّق بعيداً، أو تعيش طوال حياتها في قفص أسيرة جشع وقسوة وظلم سجّانها الذي يصبح المتفرّد الوحيد بالقرار والمسؤول عن حياتها وطريقة عيشها؟.

*كاتبة وتربوية لبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.