“تحية إلى بيروت”

Spread the love

ليس ما حدث في بيروت مجرد انفجار، مهما بلغت قوّته، بل إنه على المستوى الاستراتيجي بمثابة إعلان عن انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة، شاء قدر الفساد المستشري في تفاصيل هذا البلد، أن يحدث فيما تتغير معالم الخريطة السياسية الاستراتيجية في المنطقة: توتر في البحر المتوسط مع تمدد تركيا باتجاه ليبيا، معلنة نفسها طرفاً في الصراع هناك (بعدما ظهرت علناً أطماعها بضم أجزاء من سورية، مباشرة أو بشكل غير مباشر)، طمعاً بحصة وازنة من ثروات الغاز المكتشفة في شرق هذه البحيرة الكبيرة، وهو توتر كاد أن يؤدي لصدام فرنسي (أوروبي) مع تركيا؛ انكشاف عربي أمام إسرائيل عبر عنه التطبيع المتسع معها، من الإمارات إلى البحرين واحتمالات توسعه نحو دول أخرى، وسط سكوت عربي يعكس قبولاً غير مشروط بسيادة إسرائيل على المنطقة، وربما كان فشل مشروع قرار فلسطيني في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية لإدانة التطبيع، أبرز مثل على ذلك؛ أما في سورية، فالمشهد يتغير يوماً بعد يوم، فحزب الله بادر إلى انسحاب متدرج من هناك بعد سنوات من التورط في حرب (نتج عنها مقتلة هائلة للشعب السوري لمجرد الحفاظ على نظام سفّاح)، كدلالة على تدني التأثير الإيراني هناك، لمصلحة روسيا التي تنسق الكثير من خطواتها مع إسرائيل.

للمرة الثالثة، تجد هيئة تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية نفسها أمام حدث جلل، يغير خطة العدد كله ويبعثرها، ففي العدد (122) فرض إعلان صفقة ترامب نفسه وتغيرت خطة العدد، وفي العدد (123)، فرض توسع انتشار جائحة كورونا نفسه، فكان عدداً خاصاً عن الأوبئة، وفي العدد الحالي (124)، جاء انفجار بيروت ثقيلاً ومدمراً للإنسان، حيث سقط الآلاف بين قتيل وجريح، وللأمكنة حيث انهارت آلاف الوحدات السكنية، وكادت العاصمة أن تتلاشى بعصف انفجار هو واحد من الأكبر في تاريخ الانفجارات التي يسببها الإنسان، ليُفرض تغييراً شاملاً في خطة العدد، ويتم انتاج عدد خاص في وقت قياسي.

إذاً، نحن أمام عدد خاص من حيث الحدث الذي فرض نفسه، ومن حيث المواد التي يتضمنها، إذ شارك في الكتابة عن الانفجار وعن بيروت 29 كاتباً، تناولوا تاريخ بيروت (“مدينة الغرباء” كما وصفها الياس خوري في مقالته) ومرفئها الذي دمره الانفجار، والمتغيرات السياسية والاستراتيجية المفترضة، فضلاً عن شهادات وتجارب شخصية في بيروت وعنها. وقد شارك في الكتابة، فضلاً عن استعادة لسمير قصير من فصل من كتابه “تاريخ بيروت”، كل من:

جاد تابت؛ إيلي جورج حداد؛ روجيه عساف؛ زياد ماجد؛ جلبير الأشقر؛ ميشال نوفل؛ فوّاز طرابلسي؛ ديمة الشكر؛ فرح عريضي؛ شوقي بزيع؛ فيصل سلطان؛ أحمد قعبور؛ محمد بنّيس؛ قاسم حداد؛ محمد سويد؛ فؤاد فؤاد؛ محمد علي الأتاسي؛ خالد زيادة؛ معين الطاهر؛ ليانة بدر؛ غسان زقطان؛ كريم مروّة؛ محمد برّادة؛ أمين صالح؛ أنيس محسن؛ إلياس خوري. أما الغلاف فكان بدوره خاصاً بالحدث، وهو بريشة الفنان حسين ماجد.

وتصدر العدد 6 مداخل عن صفقة القرن (إيلان بابِهْ)، ومخططات الضم (جدعون ليفي)، والهوية الفلسطينية (رجائي بُصيلة) ، وتركيا وشرق المتوسط (جنكيز تشاندار)، وتركيا وليبيا (ميشال نوفل)، فضلاً عن جائحة كورونا (ساري حنفي).

وتناولت الافتتاحية التي كتبها الياس خوري، التطورات المتعلقة بالتطبيع العربي، أو “التتبيع” كما وصفه خوري، وانفجار بيروت، الذي هو محاولة قتل للمدينة وناسها ودورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.