مصطلحا الانسجام والاتساق وتحليل الأدب

Spread the love

بقلم: د. ريما الدياب |

يعد مصطلحا الانسجامِ والاتساقِ بوصفهما من أدوات الناقد في مُدارسةِ النصوص الأدبية من أهمِّ المكوناتِ اللُّغويةِ والفنية والجمالية التي تسهم في تكوين البنيةِ النّصيةِ، والتي ترتكز على العناصر المتمثلة بالوحدات اللغوية، وأنظمتِها وسياقاتِها ووسائلِ تشكيلها وترابطِها على نحوٍ يبرزُ وحدتَها ويبينُ أثرَها في تشكيلات النصوصِ من الناحيةِ الجمالية .
جرت كثيرٌ من الدراساتِ الأدبيةِ في معالجةِ بنيةِ النصوصِ الأدبيةِ وفقَ نهجٍ يقومُ على إمعانِ النظرِ في لغةِ الشعرِ من جهةِ أنظمتِها وأنساقِها وعلاقةِ تلك الأنظمةِ والأنساقِ بما هو خارجُ البنى اللغويةِ لتلك النصوص ، بغيةَ التدليلِ على انفتاحِ تلك النصوص وحيويتها ، ومعلومٌ بأنَّ ذلك النهجَ مع أنه يُثري معرفةَ القارئ بوظائف الوحدات اللغوية ونظامِها كالترادف والتضاد وغيرهما ، إلا أنّه يُهمل الجانبيين الفني والجمالي اللذين تشفُّ عنهما نصوصُ الأدب عامة ، من أجل ذلك لابد من النظرِ إلى بنيةِ النصِ من حيثُ لغتُهُ ومن حيث أساليبُهُ المرتبطةُ بطبيعته الفنيةِ والجماليةِ ومراعاة الجوانب الثقافية والاجتماعية فيه ، فالنصوصُ الأدبيةُ ما هي في الحقيقة إلا جملةٌ من الأنظمة اللغوية والفنية والاجتماعية والثقافية .
إن اتساق الوحدات اللغوية وانسجامَها ، واستخدامَ كثيرٍ من الوسائل لإبراز تلك المسألة ، تُظهرُ الوظيفةَ الجماليةَ بأبهى صورها ، إضافة لوظيفة النص التواصلية ، ومن هنا يقوم النص على وسائل الربط المختلفة لرصِّ العبارات ضمن أنظمة لغوية كان من أبرز آثارها ظهورُ الوحدة الموضوعية والشعرية .
إنّ الحديث عن النّص والمناهج التي يستعان بها في التحليل متعددةٌ ومتنوعة ، وهي في تزايد مستمر ، إذ تحاول تلك المناهج إزالة الغموض عن النصوص وسبر أغوارها وكشف الحُجب عنها ، ويتألف النص من عناصرَ مختلفةٍ متماسكة ومتوازية من حيث الشكل والمحتوى ، إذ يتداخل فيه الشكلُ والمضمون على نحو لا يمكن تصورُ كل منهما على حدة.
لذا فإن تحليل النص يقتضي دراستَه من خلال التركيب والدلالة ، أي الشكل والمحتوى ، مع مراعاة مقاصد المنشئ وغاياته ، إذ إن الدارس يقوم بدراسة الأدوات اللغوية والدلالية التي تُفضي إلى تماسك النص وانسجامه، وفقا ًللسياق الذي ورد فيه ، ومن هنا كان مصطلح الانسجام وسيلة لتحليل النص ، وهو من ثم آليةٌ من آليات التحليل، لأن القارئ في تحليله للنص يحاول اكتشاف مدى انسجامه وقدرته على التبليغ والتأثير في المتلقي .
فالانسجام والاتساق عنصران متلازمان ، يتصلان بالنصّ ، وهما على اتصال وثيق بالسياق ، فعندما نتناول بعض الظواهر التركيبية ونبحث عن الدلالة الكامنة فيها فإنّنا لا شعورياً نربطها بعناصرَ سياقيةٍ متصلةٍ بدوافع المخاطب ومحاولته التأثير في القارئ، وهذا بدوره يزيد من طاقات النص على المستوى الفنيّ والدلاليّ .
ويعدّ التماسك شرطاً أساسياً لتكوين النصّ ، وعلاقاتُ التماسك تيسّر على المتلقي فهمَ دلالة النصّ ، كما أنّها تعينُه على التأويل ، فالتماسك يكون على المستويات النحوية والدلالية التي تساعد على فهم النص وضبط المعنى ، فكلّ نص نتاج مترابط ، بنيته مركبة ذات وحدة دلالية كلية شاملة تجسدها العلاقات النحوية التركيبية الكائنة بين جمله وقضاياه ، والانسجام وهو التماسك المعنويّ معيار يختصّ بالاستمرارية في باطن النصّ ، والانسجام النصيّ قائم على تحقيق تماسك النصّ على مستوى بنيته العميقة ، والذي يتضافر مع معيار الاتساق النصيّ ، وذلك بتحقيق التماسك الكليّ للنصّ على المستوى السطحي (اللغوي) وعلى المستوى العميق الدلالي .
يتمثّل الانسجام بمجموعة من الآليات العملية الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ النصّ قادراً على فهمه وتأويله ببساطة ، لذا فهو يرتبط بالغرض والسياق فيمثل البنية الكلية للنصّ ، وقد يدخل الانسجام في تحليل النص.
وتكمن أهمية الانسجام بتحديد المعاني المفترضة ، والوصولِ إلى الدلالات اللازمة، فيعدّ من أهم عناصر النصّ ؛ لأنّه يضمن التواصل والاستمرارية ويسهم في كشف القيم الجمالية والأدبية من خلال التركيز على أهمّ عناصره المتمثلة بالمنشئ والمتلقي والنصّ ، إذ يكشفها تفاعل القارئ مع النصّ بطريقة التحليل والتأويل واستنطاق العناصر ، ويجعل من النصّ أكثرَ ترابطاً وأكثر تماسكاً مما يحقق التواصلَ بين المتلقي والمنشئ ، فهو يتعلق بالجانب الدلاليّ بينما يتعلّق الاتساق بالجانب النحويّ ، ويستطيع الكاتب من خلال تطويعه المواد التي يستخدمها في عمله الفني إيجاد الانسجام النصيّ.
فغاية الانسجام تشكيلُ البنية العميقة للنصّ ، التي تحقّق الاستمرارية الدلالية ، على عكس الاتساق الذي يختصّ برصد الاستمرارية المتحقّقة في ظاهر النصّ ، وبمعنى آخر يهدف الاتساق إلى ربط العناصر النصية ، فيفضي ذلك الربط إلى ضرب من الانسجام ، وبذلك يكون الاتساق والانسجام عمليتين متلازمتين تفضي الواحدة منهما إلى الأخرى تلقائياً ، ذلك لأنّ الانسجام يتركّز على العلاقات الدلالية الموجودة بين أجزاء النصّ ، بعيداً عن العناصر الشكلية المختصّة بالاتساق، والانسجام هو الكيفية التي تمكّن القارئ من إدراك تدفق المعنى الناتج عن تنظيم النصّ ومعها يصبح النصّ وحدة اتصاليّة متجانسة .
ومعروف أن السياق عنصر دلالي يتعلّق بظروف إنتاج الخطاب، كما أنّ عملية فهم النصّ تحتاج إلى دراسة المستوى النحويّ للنصوص واللجوء إلى دراسة المستوى التركيبي والدلالي وذلك باستحضار السياق التداوليّ لهذا النص المفتوح للتأويل أساساً.
فعملية التحليل والفهم تتحدّد بتحقق الترابط النصيّ ، فلا يستقيم معنى الجمل إلّا بالرجوع إلى السابق والنظر إلى اللاحق، فهناك علاقات شكلية ودلالية تبني النصّ وتضمن استمراريته واستقراره .
أما الاتساق فيتمثل بالوسائل التي تسهم في تحقيق الترابط بين العناصر الشكلية للنصوص بصورة يؤدي فيها السابق إلى اللاحق ، ويتعلق فيها اللاحق بالسابق ممّا يسمح باستمرارية النص وتناميه .
ويقسم الاتساق إلى اتساق نحوي واتساق دلالي واتساق صوتي :
أما الاتساق النحوي فيقتصر على الوسائل اللغوية المتحققة في البنية السطحية مثل ، الوصل وأدواته كالواو التي تعد من أدوات الربط التي تفيد في اتساق النصّ وترابطه، فهي لا تسهم في تحقيق الاتساق من خلال العطف بين الكلمات فحسب ، بل تسهم أيضاً في رسم إيقاع متسارع للأحداث ، وتكسب النصّ نغمة متصاعدة تفضي إلى شدّ مختلف المتعاطفات إلى البؤرة المركزية الأولى .
في حين أن الاتساق الدلالي وهو ما يعرف بالإحالة يعد من الآليات التي تسهم في ترابط البنى النصّية ذلك لأنه علاقة موجودة في النصّ ، تقع بين العبارات والأحداث والمواقف، وذلك انطلاقاً من أنّ اللفظة لا تكون مستقلة بذاتها عن سائر المكونات المشكّلة للنصّ ، وإنّما تتمثّل بعودة بعض عناصر الملفوظ على عناصر لفظية أخرى يمكن أن نقدّرها داخل السياق أو في المقام ، والإحالة عامل يحكم النصّ كاملاً ويسهم في تركيبه وإبراز بنيته الجمالية ، إذ الإحالة تعمل على إثراء اللغة وذلك لاقتصادها ، وتختصر الوحدات الإحالية العناصر الإشارية وتجنبنا الوقوع في الإعادة والتكرار ، وهنا يبرز الدور الكبير الذي تقوم به الذاكرة البشرية التي يمكنها أن تختزن آثار الألفاظ السابقة وتقرن بينها وبين الإحالة بعدها.
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ الانسجام والاتساق مفهومان يكملان بعضهما من خلال اجتماع الآليات، فالإحالة تقوم على الاتساق ولكنّها لا تتحقق بدون السياق والتأويل اللذين هما من أهمّ آليات الانسجام وبذلك تكون الغاية الأساسية ترابط النصّ واتساقه لانسجامه بالاعتماد على كلّ الآليات المتاحة لنا، فمن أنواع الإحالة الدلاليّة المضاف إليه والصفة وهما عنصران لا يكتفيان بذاتهما ، وإنّما يحتاجان إلى عنصر آخر يستند عليه للتأويل والتحليل لذا فإنّ المضاف إليه بحاجة إلى المضاف والصفة بحاجة إلى الموصوف وهي من علاقات الإسناد المعنويّ ، والضمائر تمثل البنى الرئيسة في عنصر الإحالة ، فإذا نظرنا إلى الضمائر من زاوية الاتساق أمكن التمييز فيها بين وظائف الكلام التي تندرج تحتها جميع الضمائر الدالة على المتكلم والمخاطب ، واستخدام الضمائر يسهم في عملية الاتساق ، إذ إنّ الضمائر تعدّ وسيلة ربط بين عناصر النص ، ومنه أيضاً الالتفات الذي يعد شكلاً من أشكال الوحدة الخارجية للنص الأدبي ، والنصّ وحدة دلالية ، يتحقق بطريق ترابط الجمل.
والالتفات من الظواهر التي اهتمّ بها البلاغيون منذ القديم وأجمعوا على أنّ معناه ينحصر في الانتقال من أسلوب إلى آخر ، أو الانصراف عنه إلى آخر ، إلّا أنهم اختلفوا في تحديد مجالات هذا الانتقال أو الانصراف ، فبعضهم حدّده بين المتكلم والمخاطب والغائب ، ثم وضعوا اسماً لكل نقلة على حدة ، ومن أهم النقاد الذين اهتموا بالالتفات حازم القرطاجنيّ ، إذ قصره على الوجوه الثلاثة المعروفة : التكلّم والمخاطبة والغيبة،”، من أجل ذلك سماه نفر من الدارسين اعتماداً على الضمائر تلوين الخطاب1.
أما الاتساق الصوتي المتمثل بالتوازي فيمثل أهمَّ وظائف الشعريّة التي من شأنِها تكثيف اللغة ، إذ يتعدّى المعنى من خلالها حدود الشكل وصولاً إلى داخل النصّ ، وهذا ما يفضي إلى وحدة النصّ ، ويؤدي بدوره إلى الانسجام النابع من التكرار والتنويع في الوقت ذاته ، وللتوازي وظيفة مهمّة في إبراز الناحية الإيقاعية، وله قدرة على تأدية المعنى بصورة إيحائية متقابلة ، ولهذا ينهض وسيلة لتحليل النصّ لغوياً وصوتياً وجمالياً ، وللتوازي أشكال متعددة منها : التوازي الدلالي ، والتوازي الصوتي .
إن التوازي الدلالي يتيح لنا البحث عن دلالة التشابهات ، والتعارضات ؛ وذلك من خلال تحديد العناصر المتماثلة ومن ثمّ تحديد الطريقة التي بها ” تحقّق التشابهات في بعض المستويات بواسطة اختلافات دالة في مستويات أخرى”2 ، إذ إنّ التماسك على المستوى الدلالي لا يتحقّق إلّا عبر مستويات اللغة ، كالتضاد والاشتراك .
أما التوازي الصوتي فهو انسجام صوتي وتآلف يغني الطاقة التخيلية للشعر ، وهذا الانسجام يتجلّى بصور كان من أبرزها التكرار الذي حقّق التوازي على المستوى الصوتي وظهر بأوجه عديدة أهمّها: – التكرار اللفظيّ والجناس .
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن التوسل بمصطلحي الاتساق والانسجام في تحليل النصوص يوسع مجالات البحث الأدبي ، ولاسيما من الناحية الجمالية، ذلك لأن معظم الدراسات النقدية التي عالجت موضوعات الجمال في الأدب اقتصرت على إبراز المفهومات الجمالية العامة ، كالجميل والجليل وغيرهما ، وأهملت الظواهر الجمالية المتصلة ببنية الأدب ، ومن هنا يحوز مصطلحا الاتساق والانسجام أهمية بالغة في هذا الباب .

الهوامش :
1- شرف ، حنفي محمد : التصوير البياني – ط2 – القاهرة – 1972م – مكتبة الشباب – ص423.
2- جاكبسون ، رومان : قضايا الشعرية – تر : محمد الولي ومبارك حنون – ط1 – المغرب – دار توبقال – 1988م – ص 48.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.