بيروت.. انفجار الميناء وتحدّيات دَورها العربيّ

Spread the love

د. يوسف محمّد الصوّاني _ باحث وأكاديمي من ليبيا/

كان لبنان حاضراً دائماً في كلّ ما عرفه العرب من تطوّرات، ولطالما مثَّلت بيروت رمزيّة خاصّة في العالَم العربيّ والثقافة العربيّة، وهي رمزيّة عبّرت عن مكانة هذه المدينة التي وإنْ أوغلت عميقاً وضربت جذوراً راسخة في التاريخ منذ زمن الفينيقيّين وما لعبوه من أدوار في المنطقة على امتداد شواطىء البحر المتوسّط حتّى شمال افريقيا، فهي مكانة ورمزيّة اتَّخذت فيها بيروت ومارَست دَورَ مَركز الإشعاع والجذْب الفكريّ والثقافيّ منذ تولَّت نخبتها العروبيّة مهمّة الدفاع عن العروبة هويّة ولساناً وآداباً وكيانا ًمن خلال الجمعيّات الثقافيّة العربيّة، ومن خلال نشْر الطباعة العربيّة والتعليم الحديث والإسهام في التحرُّر الفكريّ والثقافيّ الذي شمل أيضاً العمل على فكّ إسار قيود المرأة العربيّة.

وبقدر ما استحوذت بيروت على مكانة مركزيّة في العالَم العربي على مستويات الأدب والثقافة والتعليم، فقد مثَّلت أيضاً أنموذجاً كان يُنظر إليه بعيون التقدير والإعجاب لما حقَّقته من قدرة على الربْط بين الماضي والحاضر، وأن تكون أيضاً جسراً بين الشرق والغرب عبر الموسيقى والمسرح والسينما، وأيضاً عبر مركزيّة أنشطة اقتصاديّة في قطاعات السياحة والمال والبنوك والعُمران أيضاً.

أمّا مَدارس بيروت وجامعاتها، فقد جذبت الطلّاب العرب الذين وجدوا في بيروت المكان الأفضل للتعلُّم، ونهْل الثقافة والتحرُّر. هكذا مثلاً، كانت الجامعات ملاذاً ومَركزاً للإشعاع الفكري والعمل السياسي والنشاط الطلّابي والحزبي الذي كان مَصدرَ توجيهٍ للعالَم العربي كلّه.

وعلى الرّغم ممّا شهدته العقود القليلة الماضية من تطوّرات أَثَّرت سلباً على مكانتها، لَم تغب بيروت عن أيّ صورة بانوراميّة للحياة الثقافيّة والفكر العربي إطلاقاً، بل سعت لتأمين مَكانتها المعنويّة والفكريّة ساحةً وأُفقاً للحريّة والتعبير والعمل الفكري الجادّ وعاصمة للنشر العربي. لكنّ الواقع المادّي كان يتّجه صوب خسارة بيروت لمقوّمات مَكانتها السابقة، فقد هاجَرت الصحفُ العربيّة من بيروت وأغلقت أهمّ صُحفها أبوابَها، وتراجعت الصحافة وقِطاع النشر والإنتاج المسرحي والسينمائي في ظلّ هَيمنةٍ رأسماليّة مشوِّهة إدارة قطاع الأعمال والإنشاءات العقاريّة والسياحة من ضمن نظام سياسي لا يُلائم الأوضاع المُستجدّة ومن ضمن قيود السياق الطائفي وصراع القوى المحليّة والإقليميّة والدوليّة. هذه الهَيمنة لم تتمكّن من شطْب مَكانة بيروت المعنويّة، لكنّها سلبتها الكثير من عناصر التميُّز والقوّة التي كانت مُقوِّمَ استمرارٍ وصمود.

كما دَفعت بيروت كثيراً، ودَفَعَ كلّ لبنان ثمناً للخلافات والفشل والانقسام العربي وسعي مُختلف القوى العربيّة التأثير والتحكُّم بالمدينة نفسها وبالبلد الذي صار لعقودٍ ساحةً لتصفية حسابات الأنظمة العربيّة وحربها الباردة من ضمن سياق دولي وإقليمي تنوَّعت مَساراته وقضايا الصراع فيه، وانطلاق العَولمة ونظامها وغرْق الدولة في الوحل، ما أنهكَ مساعي هذه المدينة التي تحاول دائماً النهوض من تحت الأنقاض وأدّى مع عوامل أخرى إلى تراجُع مكانتها.

جاء الانفجار الذي جرى في شهر آب (أغسطس) الفائت ليخلِّف مئات القتلى والآف الجرحى ودماراً هائلاً للبنى التحتيّة والعقاريّة، بينما تمثَّل الضرر الأكثر جسامة في الدمار الذي حلّ بالمرفأ الذي هو عمليّاً، وعبر عقود طويلة، شكَّل جانباً أساسيّاً ومقوّماً أصيلاً في شخصيّة بيروت ومَوقعها ومَكانتها.

التدمير الذي طاول المرفأ يأتي أيضاً في وقتٍ يحدث فيه صراعٌ وتنافُسٌ كبير يرتكز على الموانىء ودَورها. فعلى الرّغم من العَولمة والتقنيّات الحديثة، فإنّ الموانىء لم تفقد مَكانتها وأهمّيتها التي هي في الحقيقة مرشّحة للتصاعُد. هذا يتّضح تماماً في مخطّط الصين عبر طريق الحرير والحِزام، مثلما يتّضح في الصراع في الخليج، وفي اليمن وفي ليبيا وفي الصومال وجيبوتي وغيرها، حيث لا يُمكننا فهْم صورة الحروب والتنافُس وتفحّصها، إلّا من ضمن الدور الذي يتحدّد للموانىء. وبصرف النظر عن كون الانفجار يعود لسنوات من الإهمال والتقصير في أداء الواجب وعدم الكفاءة، ناهيك بتكلفته الباهظة، إلّا أنّه عزَّز مرحلةً جديدة أعادت الاعتبار للمُطالبات بتغيير النظام وإرساء دولة المُواطَنة والحقوق. لذا يتساءل المرءُ اليوم، هل ستكون بيروت مجدّداً كطائر الفينيق، فتتجاوز عقبات النهوض وتنجح في مُواجَهة ما صار يشبه موتاً متحقّقاً؟

التفاوُض الاجتماعيّ المُتواصِل

لقد عشتُ منذ مطلع العقد الماضي تقريباً في بيروت، وقد ملكت هذه المدينة وجداني وسيطرت على مشاعري، فصارت بالنسبة إليّ أكثر من مدينة تؤويني في زمن الخراب والتراجُع العربي. صارت بيروت بالنسبة إليّ رئة أتنفّس بها لأعبّر بحريّة عن آرائي وتوجّهاتي وما أؤمِن به من قيَم.

كما مثّلت بيروت لي أكثر من مدينة تحفل بالتنوّع، وربّما بالعوامل أو العناصر الكامنة لنهوضها في المستقبل. أيقنتُ أنّ بيروت لم تكُن يوماً ما قادرة على صنْع ذاتها أو تجاوُز محدوديّة المساحة والحجْم لتُصبح فاعلاً مهمّاً في المنطقة إلّا عندما حمل رحمها المنطقة وعبَّر عن انشغالات أهلها وطموحاتهم. لم تكُن بيروت بقادرة على تحقيق ما أنجزته بفعل تميُّز النظام المصرفي أو انفتاحها على المُستثمرين والسوّاح فحسب، بل بما خرجَ من مَطابعها ودُور النشر بها وجامعاتها من إنتاج فكري ومفكّرين وصحافيّين كِبار وزخم تحرّري ونقدي شغل العرب جميعاً كونه لامسَ مَشاعرهم وشملَ كلّ مناحي حياتهم بعذاباتها وآلامها وآمالها أيضاً. بدت بيروت على الرّغم من اتّصافها بطابع كوزموبوليتاني، وكأنّها عبر تلك التجربة والتأثير القويّ مُجتمعٌ مصغّرٌ أو كروموزوم عربيّ يحمل خصائص المُجتمع الأكبر والأشمل.

شدّتني تجربة الحرب اللّبنانيّة، وتتراءى اليوم مَشاهدها أمام ناظري كلّما مررتُ بما كان يُعرف بخطوط التماس لأكتشف كيف شدّتنا حينها تفاصيلٌ تبيَّن لي بعدما عشتُ في المدينة أنّها لم تكُن سوى الشجرة التي أخفت عنّا الغابة. بيروت تسكنها روح لم تنجح في قتلها أحداث الحرب وسرديّاتها ولا الصورة التي رسمها المراسلون الأجانب. إنّها روح التنوّع وذلك القدر العالي ممّا يسمّيه عالِم اجتماع لبناني صديق “التفاوُض الاجتماعي المُتواصل” الذي فشل النظام السياسي والاقتصادي في جعْله مقوِّماً لمؤسّسات تمثّل الناس وتخدمهم، لا أن تقوم بكلّ ما يُخالف ذلك لتفرض سرديّتها وسرديّة مَن يقودونها. تلك الحرب اللّعينة لم تكُن في الواقع حرباً أهليّة وإنّ اللّبنانيّين في تقديري موقنون اليوم بأنّها تجد تفسيرها في تفاعُلات الإقليم والخارج أكثر ممّا هي في طبيعة تنوُّع المُجتمع اللّبناني.

تلك الحرب وما تلاها لم تكُن سوى تأكيد على أنّ التنوّع صفة طبيعيّة للخلق، لكنّها يُمكن أن تكون مصدراً للصراع ما لم يتمّ تصميم نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي يستوعبه ليصوغه بشكلٍ متكامل، حيث الوحدة في التنوّع وليس في الدمج أو الصهر. هكذا اتّضحت لي إحدى عوامل تراجُع بيروت، وربّما لبنان، عن مكانته وغَوْصه في ما جعلَ من التنوُّع ضعفاً بدل القوّة، ومن عائدات التكامُل والارتباط بالمحيط خصماً من رصيد الحاضر والمُستقبل ليفسح المجال أمام أطماع لا نهاية لها.

هكذا يكون السؤال والمصير المُحتمل لبيروت عقب الانفجار محكوماً بهذا المستوى من الفهْم لبيروت ليس بما تُعانيه البلاد من أزمات في ظلّ مشروعات تذويب الهويّة لمصلحة الطائفيّة، ولكنْ أيضاً مشروعات إلغاء المنطقة ككيان وهويّة وثقافة لمصلحة مشروعات ذات طبيعة استعماريّة لا تخفى أهدافها.

أُقارن انطباعاتي واستخلاصات تجربة الحياة في بيروت بما كنتُ أعرفه عنها وعن لبنان عقوداً سابقة لقدومي للحياة والعمل بهذه المدينة، فأعود لما قرأته من كُتب وما طالعته من صحف ومجلّات ومَن شدّني من المفكّرين والمثقّفين، وكلّ ما أسهم بدرجة كبيرة في تشكيلي فكريّاً وثقافيّاً، وأحاول تلمُّس وتبيان الفارق بين التصوُّر والواقع. لكنّ المُقارَنة تبدو غير مشجعّة، بل ومحبطة، فبيروت التي عرفتها عن بُعد ليست تماماً بيروت التي أرى واقعها اليوم. اعتقد أنّ المدينة، ومن دون إغفال عوامل أخرى، خسرت الكثير بفعل التركيز على الاستثمار العقاري والسياحة والخدمات الماليّة أو المصرفيّة، وهو ما كان حتماً سيقود إلى نتائج اقتصاديّة غير مُستدامة، ليس فقط كون تلك التوجّهات عبّرت عن ليبراليّة خادعة وخدمت طبقة وكيلة للرأسمال العالَمي، بل لكونها جَعلت دَور بيروت ولبنان يقتصر عمليّاً على دَور الوكالة التي انتهت أهميّتها لمجرّد بروز المُنافسين، وبخاصّة في مُدن الخليج المركزيّة وفي مقدّمتها دبي. كما صارت ميزات الميناء تتراجع أمام موانىء أخرى صارت قادرة على المُنافَسة والتطوُّر بشكلٍ قياسي لم يعُد مُمكناً لبيروت مُجاراته.

تبقى العلامة الفارقة الأهمّ للتراجُع في إهمال أهمّ مقوّمات المكانة التي حظيت بها المدينة في الماضي القريب، ألا وهي المكانة الفكريّة والثقافيّة والتعليميّة. لقد خسرت بيروت مكانتها كعاصمة للثقافة والفكر والأدب والفنّ العربي، وأهملت سياساتُ الدولة هذه المقوّمات الأساسيّة للنجاح والاستدامة. وبينما هجرها الإعلام العربي وفشل الإعلام المحلّي في تجاوُز حدود المدينة، فشل التعليم الجامعي في الحفاظ على مكانته ودَوره ولم يعُد قبلة الطلّاب العرب، وفقدَ مقوّمات المُنافَسة وسيطرت عليه عقليّة تجاريّة سوقيّة فجّة. هكذا صارت بيروت تحتضن عشرات الجامعات من دون أن تتمكّن غالبيّتها الساحقة من تحقيق معدّلات كفاءة أو نجاح وتميّز على أيّ مستوى.

يُمكن أن تفقد بيروت المزيد من مقوّمات مكانتها العربيّة، بينما ينشغل الساسة بالصراع المجنون وينفّذون بوعي أو من دونه مخطّطات ويخدمون مصالح قوى أجنبيّة لا همّ لها سوى إثارة العنف والاحتقان وإشعال حريق الطائفيّة والعنصريّة خدمةً لمشروعات أكبر خطراً. ومع أهميّة عبقريّة المكان، وما يفرزه اجتماع ساكِنيه من فاعليّة، فإنّ حِكمة التجربة وسياقات المُنافَسة اليوم تفسح باباً للأمل أن لا فرصة أن تعود بيروت لمكانتها وتأثيرها لتُصبح مثلاً “سنغافورة الشرق” عبر إعادة إنتاج الآليّات والبنى ذاتها وتكريس الدور التجاري والمالي. لقد بانَ عوار هذه الخيارات وفشلها، علاوة على ضآلة فُرص النجاح أمام ما يحدث من مُنافَسة إقليميّة وعالَميّة، وأمام ما حقَّقته عواصم ومرافىء ومطارات أخرى من تفوّق لا يُمكن مُجاراته.

بيروت بحاجة إلى نموذج للاقتصاد السياسي يستند إلى ما يُمكنها أن تقدّمه من ميزة تنافسيّة، ويُمكن لجهود الإحياء أن تستند إليها مجدّداً، وهي الصناعة والمَكانة الفكريّة والثقافيّة والتلعيميّة مع تقييد كبير وصارم للنموّ العقاري في سائر البلد وبخاصّة في بيروت، مع النظر في تعزيز أنماط من التنمية المُستدامة وبخاصّة في مجال البيئة والطاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.