بين الاستثمار المادي والمخرجات التعليمية.. تساؤلات عن تلبية سوق العمل في الجامعات الخاصة السورية

Spread the love

شجون عربية _ خاص _ دمشق _ بقلم: فاطمة الموسى/

التعليم في المجتمع هو أقوى سلاح يمكننا استخدامه لتغيير العالم، حيث تتنوع مجالات التعليم وأساليبه وطرقه، هذا لا يفصل المنظومة التعليمية بمجملها عن بعضها البعض ولا يؤثر في تنشئة أجيال متقدمة تبحث في تطور مجتمعها.
ولكن لكل منظومة تعليمية خاصية معينة تنفرد بها وربما تتميز بها، ولا بد لنا أن نتطرق بالحديث عن التعليم الخاص بمنظومته في الجامعات الخاصة.
تنوعت مجالات التعليم الخاص من حيث الكليات لتضم الطب والصيدلة وإدارة أعمال والهندسة وغيرها من الأفرع، وفق نظام تعليمي أقرته وزارة التعليم العالي في سوريا قياساً بالتعليم الحكومي والجامعات الحكومية.
وبالحديث مع د.محمد العموري أستاذ القانون العام بجامعة دمشق، عن واقع التعليم الخاص في وزارة التعليم العالي السورية.

د.محمد العموري:
حول هذا الموضوع يقول د.محمد، لا شك أن مشروع الجامعات الخاصة هو مشروع مهم وطنياً من كافة الجوانب، حيث أن طلابنا في السابق كانوا يذهبون إلى بلدان أخرى وحتى الأساتذة ويتكلفوا مبالغ كبيرة من أجل الدراسة في الجامعات بالإضافة إلى إضاعة الوقت في المسافات البعيدة.

و تجربة الجامعات الخاصة، التي لها جوانب سلبية وجوانب إيجابية أيضاً، منها مايتعلق بتكوين الجامعات، حيث أن علاقة الجامعات مع وزارة التعليم العالي بحكم أنها هي المشرفة على هذه الجامعات بالمستوى العلمي المطلوب وواقع الهيئة التدريسية في الجامعة، ومن حيث أن الجانب الاقتصادي نرى فيه تدخل كبير من وزارة التعليم العالي في هذا الجانب، كونها قيدت بشكل كبير الأقساط للجامعة لأن وزارة التعليم العالي ترى أن المواطن السوري لا يتحمل هذا العبء المالي في الجامعة، لكن تدخلها هنا جائر.
على سبيل المثال، كثير من الكليات في الجامعات الخاصة مقدار الأقساط التي تدفع فيها لا تساوي الأقساط التي تدفع لطلاب المدارس الخاصة للتعليم الابتدائي مثلاً.

وهذا يؤثر سلباً على الجامعات الخاصة، حيث أنه يجب أن يعطى لها حرية الإدارة من الجانب الاقتصادي وهذا رأيي الشخصي، ويجب أن توازن نفسها من حيث الأقساط ومقدرة الطلاب على التسديد هذا جانب، أما الجانب الآخر فإن علينا أن نعلم أن هذه االجامعة إذا لم تربح لن تتطور ولن ترتقي، لتنتج رؤى علمية لنخبة من طلابها، لكي تصل إلى مستوى جامعات العالم.
مثلاً الجامعة الأميركية الموجودة في بيروت هي جامعة مميزة عن كل الجامعات في المنطقة، لكن أقساطها مرتفعة، ومن هذا المنطلق أصبحت جامعة مميزة أنجزت مشفى مميز في كل الشرق الأوسط.

وفي جانب آخر تتدخل وزارة التعليم العالي بتفاصيل التفاصيل حتى تضمن سير قواعد العملية التعليمية بشكل جيد من ناحية أعداد الطلاب ونسبة أعضاء الهيئة التدريسية هذه جوانب عدة، أما عن كيفية الإدارة فلها جوانب إيجابية أيضاً لتضمن عدم تحول هذه الجامعات إلى متاجر لبيع الشهادات.

وعن الهيئات التدريسية نلاحظ شرخ واسع وكبير جداً مابين الأستاذ في الجامعة الحكومية والأستاذ في الجامعة الخاصة، حيث أن الأستاذ في الجامعة الحكومية يجب أن يعطى له رواتب عالية ليضمن المستوى المعيشي له، ومن هنا لا يحتاج الأستاذ ليعمل في الجامعة الخاصة.

وأضاف العموري، أما في مجال البحث العلمي هنا نسأل هل الجامعات الخاصة قادرة أن تنجز بحث علمي وأن لا يقل مستوى الخريجين في الجامعات الخاصة عن مستوى الخريجين في الجامعات الحكومية ؟
فمستوى الخريج يجب أن يكون له تقييم تجريه وزارة التعليم العالي لتحديد مستوى الخريج كالامتحان الوطني مثلاً، ففي الجامعات الخاصة يوجد نسبة حضور وأعداد مناسبة هذه عوامل ترفع من مستوى الطالب بالإضافة للوسائل التدريسية.
وبمحور البحث العلمي، أكمل د. العموري، الجامعات الخاصة تحرص دائماً على اسمها وتقييمها من حيث البحث العلمي والذي يحتاج إلى دعم مالي طبعاً.

وعن التصنيفات العالمية تابع، التصنيف يأتي بحسب عمر الجامعة، ونحن أول جامعة خاصة تأسست في عام 2003 حيث صدر المرسوم بعام 2001، هذا عمر زمني صغير، وطبعاً هذه نتيجة عوامل فالأزمة التي مرت على سوريا جعلت الحجر فيها يتأثر, وقد أثرت على الجامعات الخاصة، وأولها أنها انتقلت من موقع لموقع، هذا أثر سلباً عليها مرحلة صعبة جداً فتحولت من مراكز مناسبة وحدائق ومدرجات إلى مواقع مؤقتة.
د.مجد الجمالي:
أما د.مجد الجمالي، مدير عام الهيئة العليا للبحث العلمي تحدث عن دور الجامعات الخاصة في البحث العلمي، وقال:
الجامعات الخاصة هي قطاع خاص هذا عامل مهم، ويهم هيئة البحث العلمي من حيث أن الجامعات الخاصة تمول البحث العلمي، المعلومة المهمة التي أريد أن أنوه لها أننا نتعامل مع مؤشرات عالمية تعمل على قياس تطور الجامعة، وتطور البحث العلمي، وتطور الانفاق على البحث العلمي هذا يعطينا مؤشر نطلق عليه اسم الابتكار العالمي، أي أن كل الدول تسعى لتطوره لأنه يعكس التطور التعليمي والتكنولوجي، كما أن هذا المؤشر يعتمد تحديداً بموضوع الانفاق على البحث العلمي على القطاع الخاص، لأنه يعتبر أن القطاع العام أي الجامعات الحكومية عندما تنفق على البحث العلمي هذا يكون دور من أدوارها ووظيفتها لأن بطبيعة الحال وظيفتها هي التعليم والأبحاث العلمية، ولكن عندما تنفق جامعة خاصة على البحث العلمي هذا مؤشر عالمي يدل على مدى اهتمامها بالبحث العلمي، هذا توصيف لواقع عالمي، على سبيل المثال بالمقارنة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر من حيث الأبحاث العلمية نجد أن الإمارات تتفوق على مصر، ببساطة لأن الامارات تعتمد على الشركات الخاصة بالقطاع الخاص للانفاق على البحث العلمي أكثر من الدعم الحكومي، وبالمقارنة مع الدعم الحكومي للبحث العلمي في الامارات مع الدعم الحكومي للبحث العلمي في مصر نجد مصر متفوقة عليها.
هذا مؤشر مهم لتمويل الجامعات الخاصة ويرفع من المؤشر في الحقيقة نحن مؤشرنا ضعيف طبعاً بالأساس البحث العلمي حتى بالجامعات الحكومية هو ضعيف جداً، بحسب نقص التمويل.
وتابع د. مجد، الجامعات الخاصة حقيقة ليس لديها طلاب دراسات عليا ودكتوراه، ولم يسمح للجامعة الخاصة أن يكون لديها برامج ماجستير ودكتوراه، والسبب حقيقة هو سبب منطقي هي حاجتها للكادر التدريسي لم يكتفي تماماً، أي أن الغالبية من دكاترة وأساتذة في الجامعات الخاصة هم إعارة من الجامعة الحكومية.
وعدم الاستمرارية والاستقرار هذا يشكل مشكلة لإحداث البرامج العليا للجامعات الخاصة وأن وزارة التعليم العالي تخصص مقاعد عددها قليل لبرامج الدراسات العليا في الجامعات الحكومية.
فأنا أعتقد أن من المفروض زيادة عدد مقاعد الدراسات العليا من الجامعات الخاصة للجامعات الحكومية، هذا يعطي اكتفاء من الجامعات الخاصة ومن الممكن أن تنشئ برامج دراسات عليا.
د.لمى يوسف:
وأشارت د.لمى يوسف، أستاذ في كلية الصيدلة، وعميد كلية الصيدلة بالجامعة الدولية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا، إلى واقع الجامعات الخاصة حيث قالت:
بداية، التعليم في سورية هو حق يكفله الدستور لجميع المواطنين أي أنه حق من حقوق كل إنسان وفق شرعة حقوق الانسان.
وبالمبدأ، حديثنا يجب أن ينصب حول جودة التعليم، ولا يمكن التعميم ولا القول أن الجامعات الخاصة جميعها جيدة أو جميعها سيئة.
فكل جامعة من هذه الجامعات لها إدارتها ومجلس أمنائها ورسالتها وأهدافها ويمكن وصف بعضها بانه جيد بل وحتى ممتاز، مثل أي مفصل من مفاصل أي بلد.

ومن ناحية أخرى فنحن خريجو جامعات حكومية أي أن بناء القدرات في بلدنا هو ثمرة التعليم المجاني.
لكن حتى التعليم في الجامعات الحكومية شهد تغيرات في الخمس عشرة سنة الماضية أثرت في فلسفة التعليم، حيث تستوعب جامعاتنا الحكومية أعداداً كبيرة من حملة الشهادات الثانوية السورية وغير السورية وتقدم لهم تعليماً مجانياً ليسوا مطالبين أو ملزمين بعد حصولهم على إجازاتهم الجامعية بالعمل في القطاع الحكومي بل ونشهد سنوية هجرة آلاف الخريجين الذين كلفوا خزينة الدولة الكثير نتيجة ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع السوري، لكن هناك بالمقابلً تعليم مواز وتعليم مفتوح وبغض النظر عن الأقساط فهذا التعليم يعد حكومياً أيضاً.
من جهة اخرى، تقدم الجامعات الخاصة منحاً تعطى للمتفوقين تغطي كلياً أو جزئياً الأقساط والرسوم الجامعية، وبهذا فهناك شكل من أشكال التعليم المجاني أو شبه المجاني المشروط بالتفوق في المؤسسات التعليمية الخاصة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل طرحت الجامعات الخاصة نفسها عند الترخيص لها كجمعيات خيرية؟ لا أبداً، هي تعريفاً مؤسسات ربحية أو ريعية، هي مؤسسات تعليمية تاخذ بعين الاعتبار تكاليف التشغيل وتضمن لملاكها هوامش ربح.
وبالمقابل، من حق الطلاب فيها أن تحصل على تعليم ذي سوية عالية مقابل الأقساط.
وبالتفصيل أكثر أكملت د.لمى، صحيح أن الجامعات الخاصة في عدد من دول العالم وبالأخص في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أغلب الأحوال هي جامعات لاربحية، ولكن هذا لا يعني أنها لا تتقاضى أقساطاً ورسوماً، ولكنها تسخر جميع مواردها المالية لدفع رواتب أساتذها وللبحث العلمي والتطوير والتحديث والتوسع في البرامج وافتتاح برامج تستجيب لحاجات السوق وتطوره.
وعلى الصعيد المحلي، علينا أن ناخذ بالحسبان التكاليف الطائلة الناجمة عن النقل وتوليد الكهرباء وتوفير التجهيزات والمواد والرواتب في الجامعات الخاصة التي تقع على أوتستراد درعا، وعددها سبع جامعات خاصة، حيث ينتقل يومياً آلاف الأفراد طلاباً وأساتذة وإداريين وربما كان من الأفضل اختيار موقع أقرب لهذه الجامعات أو التفكير بتخديمها سككياً وتشغيل قطار يخدمها جميعاً.
وعن جودة التعليم تحدثت الدكتورة لمى، التعليم له مدخلات تدعى مدخلات العملية التعليمية، وهذا استعارة من الصناعة، ومن ثم عمليات تخضع لها هذه المدخلات وبعدها تأتي الثمار أو ما ندعوه بالمحصلات أو المخرجات.
وإذا قارنا بين مدخلات الجامعة الحكومية ومدخلات الجامعات الخاصة فالجامعة الحكومية لديها نخب الطلاب من حيث المعدلات العالية في الكليات الطبية، لكن الجامعات الخاصة آخذة برفع معدلات القبول وفق سياسة تضعها وزارة التعليم العالي وايضا من خلال استقطابها للأوائل وتقديم المنح.
المدخلات الأخرى للعملية التعليمية هي الأساتذة أو الكوادر التدربسية، وأساتذة الجامعات الحكومية هم في الأغلب من موفديها إلى جامعات عالمية مرموقة، وهؤلاء الأساتذة هم أيضاً من يدرسون في الجامعات الخاصة.

وعن مواصفات الخريج، السؤال الذي يواجه جميع المنظومات التعليمية في العالم هو “هل الخريج ملائم أو يتمتع بالمهارات أو الخبرات التي يتطلبها سوق العمل ويفترض أن تصوغها أو تشارك بوضعها المؤسسات المهنية ومجتمع المستفيدين من خريجي الجامعات”، وعلى سبيل المثال، انا أستاذة بكلية الصيدلة ولدينا كباقي الكليات منهاج صمم ليتضمن معارف يستذكرها الطالب، ولكن أضف للمعارف هناك المهارات سواء المهنية الخاصة بكل حقل معرفي وتلك القابلة للنقل والتي يفصلها هرم المحصلات التعليمية.
هناك بعض المهارات التي لا يتمتع بها معظم خريجنا في الجامعات الحكومية مثل اتقانهم للغات الأجنبية، وعلى هذا المنوال يفترض بالخريج الطبيب أو المهندس أن يمتلك مهارات مهنية خاصة بمهنته المستقبلية وقد وصفت هذه المهارات معايير أكاديمية وطنية صاغتها فرق نخبوية من أساتذة الجامعات السورية تحت رعاية وإشراف مباشر من وزارة التعليم العالي، وبالمقابل خريج الجامعة الخاصة قد يمتلك هذه المهارات إذا كان البرنامج أو إذا كانت هذه الجامعة حريصة على وجود هذه المهارات من خلال شراكات مع مؤسسات تمثل سوق العمل.
كما تجدر الإشارة إلى أهمية الفحص الوظني الذي يخضع له جميع خريجي الجامعات الحكومية والخاصة والذي أثبت جدارة خريجي الجامعات الخاصة وتفوق بعضهم على المستوى الوطني.
غير أنه للأسف لا يختبر المهارات التي يجب أن يتمتع بها خريج كليات الحقوق ليمارس عمله كمحامي على سبيل المثال. ولهذا أوجدت هذه المهن ما يدعى فترة التدريب وهناك أيضاً فترة التخصص.
تعاني جامعاتنا الحكومية من عزوف الطلاب عن حضور المحاصرات النظرية، في حين تفرض الجامعات الخاصة الحضور على طلابها في جميع الفروع، وأتحدث هنا من تجربتي كعميد لكلية الصيدلة في الجامعة الدولية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا، الطالب عندما يتجاوز غيابه ثلاث جلسات في اي فصل دراسي يحرم من التقدم لامتحان المقرر، فالحضور في الجامعات الخاصة إلزامي وهذا يصب في جودة التعليم. كذلك يحسب للجامعات الخاصة التزامها بعدد لا يتجاوز العشرين طالباً في جلسة المقررات العملية، بينما يعاني طلاب الجامعات الحكومية من الاكتظاظ في جلسات العملي (أحياناً 80 طالباً في الجلسة أو المخبر) وجميع الحلول التي توضع لمعالجة هذا الاكتظاظ ستكون قاصرة وستنقص من المحتوى العلمي.
الخلل موجود بأشكال مختلفة في الجامعات الخاصة وكذلك الحكومية، لكن تميز الطالب وتميز الأستاذ هما ركازتا الجودة، ويجدر التنويه إلى التعريف الجديد للاستاذ الجامعي والدور الذي يلعبه هو دور الميسر وهو في وقتنا الراهن ليس المصدر الوحيد للمعرفة وليس المرجعية التعليمية الوحيدة للطالب بل هو من ييسر للطالب النفاذ الى مصادر المعلومات الغزيرة والموثوقة والمتنوعة في ضوء الانفجار المعلوماتي الذي نقطف ثماره وفرة في المعلومات والمعارف على شبكة الانترنت. لكن، وللأسف الطالب نشأ منذ مرحلة ما قبل الجامعة على قاعدة أنه يدرس ليمتحن ويحصل على معدل عال في أحسن الاحوال، وسينجم عن هذا خريجون غير أكفاء لا يتمتعون بالقدرة على حل المشاكل المستجدة في حياتهم العملية المهنية أو حتى الخاصة.
ومن هنا نستنتج أن الطالب الجيد المجد الذي توفر له الجامعة الخاصة أو الحكومية العناية والرعاية سيكون بالمحصلة خريجاً جيداً فنحن بحاجة للارتقاء بالتعليم العالي بأشكاله المختلفة.
الجامعات الخاصة تفتقر لبرامج الدراسات العليا، واذا سمح للجامعات الخاصة الكفوءة التي تضم باحثين متميزين وتمتلك البنى التحتية بافتتاح برامج للدراسات العليا يشترط فيها الجودة،ً ومن بين جميع الجامعات الخاصة الموجودة حالياً على مساحة الوطن فقلة قليلة بإعتقادي يحق لها من حيث معايير الجودة والتجهيزات أن تفتتح برامج دراسات عليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.