يديعوت احرونوت: هذا ليس فقط إيران والضم، ببساطة ليس لدى إسرائيل استراتيجياً

Spread the love

“، 1/3/2021

تامير فردو – الرئيس السابق للموساد، وعضو في حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”

منذ سنوات تتصرف دولة إسرائيل من دون وجود عقيدة عليا للأمن القومي، وهذه الأمور لا تنطبق فقط على بلورة سياسة إزاء إدارة بايدن في المسألة الإيرانية التي نشرت وجهة نظر إسرائيل باسم رئيس الحكومة حتى قبل اجتماع الطاقم الأمني للبحث فيها. يكفي أن نذكر الموافقة على أن تزود أطراف دول المنطقة بمنظومات سلاح استراتيجي (غواصات متطورة لمصر، أو طائرات أف-35 للإمارات)، وإعلان ضم مناطق واسعة في الضفة الغربية (وأيضاً إلغاء الضم)، القرار بتزويد دول غربية بلقاحات الكورونا، وخيار عرقلة تقديم اللقاح إلى الجار الفلسطيني، على الرغم من أن الفيروس لا يتوقف عند الحواجز في طريقه إلينا.
جميع هذه القرارت اتخذت بمعزل عن سياقها الواسع، وبطريقة لا تتطابق مع أهميتها بالنسبة إلى أمن إسرائيل. بداية هذا النهج الفاسد يعود إلى واقع آخر في فترة استند فيها زعماء إسرائيل إلى افتراضين لايبرران تجاهل حقائق واسعة، لكنهما كانا صحيحين حينها: الافتراض الأول كان الإحساس بأن العالم مدين لنا بعد المحرقة؛ الثاني أننا جزيرة معزولة محاطة بالأعداء.
من السمات الإضافية للفترة الأولى لقيام الدولة كان إرث سلوك الغيتو اليهودي في الشتات. كما لو أن الشعب اليهودي ليس سيد نفسه.
عشرات السنوات مرت والعالم يديره جيل يدفعه إحساس أهله بالذنب. إسرائيل أصبحت دولة مستقلة، قوة إقليمية أقوى من كل التحديات – تعيش بسلام منذ 40 عاماً مع أقوى الدول العربية مصر، و25 عاماً من السلام مع الأردن، والآن مع اتفاقات التطبيع على مستويات متعددة مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب. كل ذلك من دون أن نذكر علاقات أقل علنية، لكنها لا تقل أهمية، مع دول مركزية أُخرى في المنطقة.
يفرض هذا الواقع ملاءمة سلوك إسرائيل مع شروط الساحة واستراتيجيا تكشف مقاربة واسعة حيال المنطقة، يجري تنسيقها وملاءمتها مع تغير الظروف. بهذه الطريقة فقط يمكن التأكد من أن القرارات التي تُتخذ على مستوى معين لا تخرب مصلحة وطنية أُخرى، وبهذه الطريقة فقط يمكن بلورة خطوات تكتيكية مستمدة من المقاربة العامة.
أفضل دليل على المخاطر الناجمة عن التوجه الارتجالي الحالي، التهديدان المركزيان اللذان تواجههما إسرائيل: الانزلاق المستمر إلى واقع دولة واحدة بين نهر الأردن والبحر، والقضية الإيرانية.
فيما يتعلق بالمسألة الأولى، منذ سنة 1967، وباستثناء خروقات متفرقة (مثل مبادرة إيهود باراك في قمة كامب ديفيد، أو نقاشات أولمرت مع أبو مازن) كل الحكومات تهربت من حسم مسألة ما الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل: ضم ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب منا أو الانفصال عنهم؟ بعضهم برر عدم الاستعداد لاتخاذ قرار حاسم صعب بحجة عدم وجود شريك، وسواء كان هذا صحيحاً أم مبالغاً فيه فإن معناه وضع مستقبلنا بين يدي نوعية الزعامة لدى الطرف الثاني.
هذا الإعلان عن العجز لاتخاذ قرار مستقل، سواء بالضم (المدمر، في رأيي) أو بالانفصال المدني من خلال استمرار السيطرة الأمنية حتى إيجاد شريك، أثمر طوال 50 عاماً انزلاقاً مستمراً إلى واقع دولة ثنائية القومية. وهذا آخذ بالتبلور من دون أن تقوم المنظومة الأمنية بتحليل تداعياته على أمن إسرائيل، واقتصادها، ومكانتها الدولية، أو استقرار علاقات السلام مع جيرانها.
مؤيدو هذه النظرة قفزوا على اتفاقات التطبيع الجديدة كتأكيد لادعائهم أن في الإمكان تجاهل ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة. وكأن هذه الاتفاقات تقضي على مجمل التهديدات الناجمة عن الضم الزاحف على مستقبل وهوية إسرائيل كوطن قومي آمن وديمقراطي للشعب اليهودي.
أيضاً في السياق الإيراني عدم وجود مقاربة شاملة يؤدي إلى وجود معالجات منفصلة كأن لا علاقة بينها. القرارات في هذا السياق المثير للقلق تُتخذ بمعزل عن أهميتها في سياق آخر مثير للقلق. بهذه الطريقة تجري المعالجة الضرورية للمغامرات الإيرانية على طول الحدود في الشمال بصورة منفصلة عن معالجة التحدي المركزي – جهودها للتسلح بسلاح نووي وبوسائل إطلاقه؛ وبمعزل عن فحص الفوائد التي تجنيها إسرائيل من قيادة كبح هذا التسلح بواسطة الولايات المتحدة وحلفائها؛ وبمعزل عن مركزية الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في معادلة أمننا القومي؛ وبمعزل عن تداعيات السلوك في الموضوع الفلسطيني على قوة هذا الحلف.
حان الوقت لوضع حد لسلوك كله ردات فعل، وبلورة استراتيجيا أمنية والمبادرة من خلالها إلى خطوات تكشف وتحدد القيود والقدرات والفرص. يمكن الافتراض أن مقاربة مسؤولة كهذه ستثمر سلوكاً مختلفاً عن موقف إدارة بايدن من المسألة النووية الإيرانية، مثل المقاربة التي تبلورت على يدي طاقم بحثي موسع من حركة قادة من أجل أمن إسرائيل.
لقد أوصى الطاقم الحكومة بتأييد استنفاذ المخطط الدبلوماسي قبل البحث عن بدائل؛ وتأييد عودة إيران إلى الالتزام بكامل تعهداتها في إطار الاتفاق النووي الأصلي والتزامها الكامل بقرارات مجلس الأمن، واشتراط تخفيف العقوبات بالالتزام الكامل بهذه التعهدات. وإلى حين قيام بنية تحتية لهذه القيود، يجب إجراء مفاوضات على اتفاق موقت يسد الفجوات التي برزت في الاتفاق الأصلي، ويمدد بصورة كبيرة مدته، ويطرح على الطاولة المسألتين اللتين لم تُبحثا: تطوير القدرة على إطلاق سلاح نووي، والسلوك العنيف حول حدودنا وفي المنطقة.
في إطار هذا التوجه يمكن أيضاً أن نتوقع مبادرة إسرائيلية مستقلة لكبح الانزلاق إلى واقع دولة ثنائية القومية وبدء الانزلاق في الاتجاه المعاكس، حتى تنضج ظروف اتفاق دولتين لشعبين.
مع بلوغها الـ73 عاماً، مع قدرة لا مثيل لها في منطقتنا في معظم المجالات، وفي رأسها المجال الأمني، يتعين على دولة إسرائيل التصرف بصورة تكشف نضجاً وقوة، وأن تتحمل مسؤولية المستقبل وتبادر إلى خطوات تبلور الواقع، كل ذلك انطلاقاً من نظرة واعية إلى ظروف المنطقة والفرص والمخاطر التي تنطوي عليها. حان الوقت لصوغ استراتيجيا عليا للأمن القومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.