بورخيس: أنا طاغيةُ الأدبِ والشعر

Spread the love

شجون عربية_ أحمد فرحات*

هذه هي الحلقة الرّابعة، وليست الأخيرة، من حوارٍ بانوراميّ كنتُ أَجريته شخصيّاً، مع كبير أدباء أميركا اللّاتينيّة، الأرجنتينيّ خورخي لويس بورخيس (1899 – 1986). كان ذلك في باريس في العام 1981، وتحديداً في منزل الصديقة ليونور غونزاليس، النّاشطة الثقافيّة الفرنسيّة من أصل أرجنتينيّ، والتي إليها يعود الفضل في وصلي ببورخيس، وجعْله يَمنحني أكثر من أربع ساعات ونصف الساعة من وقته الثمين، كان خلالها مُتجاوِباً بحماسة مع جدلِ الأسئلة والأجوبة والمُناقشات، شجَّعه على ذلك أيضاً، أنّني كنتُ بالنسبة إليه “الشاب العربيّ الأكثر قراءة واستيعاباً لأعماله الإبداعيّة، ولبؤرة شخصه المُتَمحْوِر فيها”، حسبما أخطرتني بذلك في ما بعد الصديقة غونزاليس. وهذا الأمر، على الأرجح، هو الذي فَتَحَ لي باب الصداقة معه، والالتقاء به لاحقاً في باريس وفي جنيف، المدينة الأحبّ على قلبه، والتي مات ودُفن في “مقبرة الملوك” فيها.

سألتُ بورخيس: كيف تُقوِّم تجربتكَ أنتَ كشاعر، انطلاقاً من مقولة ألكسندر بوشكين كبير شعراء الروس: “أيّها الشاعر أنتَ المَحكمة العليا لذاتك”؟
– أجاب: شعري يُدوّي في كياني دائماً. إنّه يملك عليّ العقل والقلب والمَشاعر والمخيال، وعلى نحو لا يبور أو ينطفىء أبداً. فقصيدتي التي كَتبتها، مثلاً، منذ 50 سنةً، تبقى مسكونة فيّ، وبشكلٍ ساخِنٍ إلى اليوم، وغداً، وبعد غد وهكذا… إلى ما لا نهاية. نعم، لا تبرد فيّ قصيدتي بحكم التباعُد الزمني؛ كما لا أراها تتراجَع أيضاً عن وهْجها، شكلاً ومضموناً، على كرّ الأعوام والعقود، حتّى ولو أَسكنها بعضهم بطونَ الكُتبِ المُتعاظلة والمتجهّمة.

ولكنّ الشعر يتطوّر بحُكم الزَّمن والعصور والأجيال.. فكيف تُعايِن تطوّر قصيدتكَ بين الأمس واليوم؟.. وقبل أن أكمل شرح سؤالي قاطَعني بورخيس قائلاً:
– كلّ نصّ أكتبه هو مُتطوِّر شكلاً ومضموناً بحُكم الزّمن. شِعري هو لكلّ العصور والأزمنة والأجيال. عندما أكتب نصّاً شعريّاً أو قصصيّاً أو حتّى سرديّاً انطباعيّاً، فأنا لا أفكّر إلّا بقارىءٍ ذهنه مفتوح على كلّ ما مضى، وكلّ ما هو راهِن، وكلّ ما هو آت. أنا لا أريد قارئاً سريعاً، مُتحذْلِقاً، محدود الأفق والرؤية. كما لا أريد ناقداً يقرأ الأشياء وفق معايير وأقيسة مُتبدِّلة، مُتغايِرة بشكلٍ سطحي، وذلك مهما ادّعى عمق التناوُل واتّساع فَهْم العلاقات المُركَّبة داخل نصّي، ورَسَمَ لها أبعاداً شتّى. نعم، كلّ ما يخطّه أو يقرّره هذا الناقد أو ذاك بشأن نصّي يبقى دون ما كَتبْت.

كأنّك لا تؤمِن بالنقد ودَور النقّاد.. كأنّك تُمارِس اضطّهاداً أدبيّاً سلطويّاً، أين منه أشكال الاضطّهادات السلطويّة الأخرى، وبخاصّة السياسيّة منها؟
– نعم، أنا سلطوي، بل طاغية أدب وشعر، وسلطتي في نصّي الإبداعي يجب أن تعمّ الأمكنة كلّها والأزمنة كلّها. ولا يهمّني ما يُعلِّق به الآخرون حول ذلك.. وها أنا أمامكَ أُعلن ذلك، وبالفمِ الملآن، وبلا خجل أو تواضُع.

هذا شأنكَ سيّد بورخيس. أنتَ حرٌّ في ما تقول، وفي ما تُصنِّف نفسكَ وتجربتكَ الإبداعيّة. لكنْ، وبكلّ جرأة وموضوعيّة أقول لك، إنّ نصّك الأدبيّ بعامّة، والشعريّ منه بخاصّة، لا يحتمل كلّ ما تقوله وكلّ ما تذهب إليه.
– يبدو أنّك لم تقرأ نصوصي كما يجب. أنصحكَ بأن تَقرأني جيّداً يا عزيزي.

ومَن سبقَ له وقَرأكَ جيّداً سيّد بورخيس.. من وجهة نظرك؟
– كثيرون قرأوني، وقراءتهم لي – مع نصوصي أوّلاً وآخراً – هي التي أوصلتني إلى ما أنا عليه.

أنا لا أنكر فرادتك الأدبيّة، وقمّة ابتكارك المعاني، واتّكالك على نفسكَ فيها بحدود كبيرة، لكنّني أدّعي في الوقت عَينه بأنّني قادر على انتقاد مَعانيك في الصميم، ما كان منها مَوطوءاً وما كان منها مُبتَكَراً.. ما تعليقك؟
– أتمنّى ذلك، لك ولغَيرك على السواء. وأنا في المناسبة أؤمن بأنّ القراءة الأدبيّة الخلّاقة، يُمكن أن تُشكِّل بذاتها وحدةً إبداعيّة مُتنامِية ومُتكامِلة، لها هذا الابتداء الواثق، والذروة الواثقة تسمو بها في الذاكرة، ذاكرة قارئي الخلّاق، حتّى وإن ابتعدَ عن مقروئيّته لنصّي لاحقاً ولسنواتٍ طويلة. فالشعر يظلّ ينتقل إلى الآخر، ويتفاعل معه، يكشف له أصقاعاً غير محسوبة من المعاني والرموز والحقائق والمَظاهر والاحتمالات الوجوديّة التي لا تنضب.

باختصار، تظلّ القراءة الأدبيّة الخلّاقة هكذا تُدِرّ نفسها بنفْسها في القارىء، مُجدّدة فيه الحياة وعناصرها وأسرار كلّ ما يلتحق بها من تجاذُبات الأشياء والكَون.

حسناً، شكراً لكَ سيّدي على هذا الجواب. لكنْ لو عُدنا إلى بدايات الازدهار الشعريّ في التاريخ، أي إلى زمن هوميروس وهسيودوس وبنداروس، فبإمكاننا أن نُطبِّق ما تقوله بشأن تجربتكَ على نصوص هؤلاء الشعراء المَلحميّين الكِبار، وليس على نصوصكَ أنتَ، المجزوءة والمُبتسرة.. ماذا تقول؟
– أنا واحد من هؤلاء الكِبار، شعراء الأزمنة كلّها والأمكنة كلّها، ولكن بنصوص جِدّ مُختزَلَة ومُكثَّفَة، مُقارَنةً بنصوصهم المَلحميّة الجرّارة والجبّارة. لكنْ يظلّ لي ولهم هذا اللّمعان الواحد والدائم عبر الزَّمن.

يبدو لي أنَّكَ ابتعدتَ عن جوهر سؤالي: هل تحتمل قصيدتكَ، على أهميّتها وتجاوزها، ما تُحمّلها أنتَ من خلاصات تقييميّة مُوازية للتقييمات الإبداعيّة الخاصّة بشعريّة المَلاحِم الدائمة التألُّق؟
– سبقَ لي وأجبتكَ من قَبل بأنّني لا أؤمن بالأساليب الكتابيّة، كما هي متوضّعة في بياناتِ النقّاد والأكاديميّين ومُعلّمي الأدب ودارسيه ومَناهِجهم. أنا أكتب نصوصاً وكفى. سمِّها أنتَ ما شئت: شعر، قصّة، حكاية، رواية… إلخ. هذه نصوصي.. نصوص بورخيس، وما أودّ أن أفصِلَ فيه ههنا، هو أن شعريّتي موجودة في كلّ ما كَتبته وأكتبه من نصوص.. ثمّ مَن قال لكَ إنّ السرديّات النثريّة لا تتجلّى فيها المَلاحِم على غرار تجلّيها في الشعر؟!

مَلاحِم “الساغات”

يُذكّرني كلامكَ هذا سيّد بورخيس، بمَلاحم “الساغا” الخاصّة بالشعب الآيسلنديّ، فجلّها، وبخاصّة منها “ساغا نيَال”، و “ساغا آيريكس” و “ساغا غرونلندينغ”، مرويّاتٌ مَلحميّةٌ نثريّةٌ ذات ضخٍّ شعريّ عالي النّبْرة وعميق الحفْر في عقول القرّاء وأفئدتهم.. ما تعليقك؟ (الساغا باللّغة النورديّة القديمة تعني “الملحمة” باللّغة العربيّة؛ ونيَال، وما يليها من أسماء، هي مجرّد أسماءعَلَم لأفرادٍ وجماعاتٍ بعَيْنها. وتدور أحداث وصراعات “الساغات” أو المَلاحِم الآيسلنديّة، حول فترة مبكّرة من تاريخ جزيرة آيسلندا (ابتداءً من القرن التاسع الميلاديّ) وهجرات الفايكينغ إليها، وكذلك هجرات أخرى تنتمي إلى شعوب الغال، فضلاً عن تدفُّق قبائل وعائلاتٍ جرمانيّة وجماعاتٍ مُتوالية أخرى من سائر الدول الاسكندنافيّة إلى الجزيرة الصغيرة).
– صحيح ما تقوله، فالمرويّات النثريّة الآيسلنديّة (الساغات) نافَست المَلاحِم الشعريّة الكلاسيكيّة لدى الإغريق والرومان والفُرس والهنود، لكنّها ظلّت غير معروفة على نِطاقٍ واسع، اللّهم إلّا في آيسلندا والنرويج والدانمارك وباقي الدول الإسكندنافيّة (كانت آيسلندا، ولقرونٍ، جزءاً من مَملكتَيْ النرويج والدانمرك).

وأهمّية “الساغات”، ليست في شعريّتها فقط، كما قلتَ أنتَ أيضاً، بل في دفْعِها لنا صَوب الفضاءات الوثنيّة القديمة لشعوب الشمال الأوروبي، وهي “وثنيّات أنيقة” كان يترسَّخُ فيها الإيمان بالقضاء والقدر، والاعتقاد بأنّ “قدر الثلج” هو مَصدر الحياة في الدنيا والآخرة معاً، وهو الذي يَحفظ كلّ شيء، بما في ذلك النار، وكذلك يحفظ الموتى ويُعيد إحياءهم وقتما يريد.

وأخذتنا الوثنيّة الآيسلنديّة إلى تحليقاتٍ خياليّة سحريّة وجماليّاتٍ تتّصل بالجماليّات التي ترفدها “الطبيعة السماويّة” في تلك البلاد، والمملوء لَيلها بالنجوم والشُّهب القريبة التي تنبجس فجأة، حتّى من بين أكمام الضباب اللّيلي أو النهاري الكثيف.. لا فَرق.

وأهل بلاد الثلج يعيشون طقوسهم الحياتيّة مُباشرةً، ولا يبقون على ضفافها. وعليه فتأمّلاتهم الحميمة بمُستسرّات الكَون ومَجرّاته ونجومه وشُهُبه، لم تَعُد مسألةً مَشهديّة مفصولة عن حسيّة تلاقيهم العميق مع مَظاهر الكون. بكلماتٍ أخرى، السماء أقرب في الشمال الثلجي إلى البشر، منها من أيّ جهة أخرى من جهات هذا العالَم.. ألا ترى معي ذلك وأنت قارىء الساغات؟

وفي الصحراء أيضاً تبدو السماء قريبة ومُباشرة، سيّد بورخيس. عندما زار الشاعر والأديب الداغستانيّ الكبير رسول حمزاتوف بيروت في أوائل السبعينيّات، التقيته بمعيّة صديقه الأديب اللّبناني أحمد أبو سعد، وسافرنا نحن الثلاثة إلى تدمر “عروس الصحراء السوريّة”؛ وقبل أقلّ من ساعة من لحظة الوصول إليها ليلاً عن طريق حمص، طلبَ حمزاتوف فجأةً إيقاف السيّارة، وترجَّل منها، وشَخَصَ ببصره نحو السماء المرصَّعة بالنجوم والشُّهبِ المُتداخِلة، وصاح على الفور: ما هذا؟! أإلى هذا الحدّ تبدو السماء اللّيليّة بكنوزها المُشعشعة هنا قريبة ومباشرة؟! سأقطف نجمة يا أصدقاء وأضعها في جيبي.. شكراً لكما.. شكراً، لقد أتحتما لي أن أقطفَ نجمة من ليل هذي الصحراء العربيّة العجيبة..
– يبتسم بورخيس معلِّقاً: ليتني كنتُ معكم. وعلى كلّ حال، في عُمق أعماق الصحراء، كما في عُمق أعماق المسطّحات الجليديّة، يَشعر المرءُ بتناغُمٍ حقيقي ومُطلَق مع الطبيعة. يشعر بالانفصال عن الزَّمن، وهو انفصالٌ ضروريّ لإعادة قراءة الذّات والعالَم، بعيداً من أيّ فلسفات أو نظريّات فكريّة وإيديولوجيّة ومَعرفيّة أخرى.

هكذا يُمكنني أن أُعرِّف العزلة الصحيّة المطلوبة، وأفصلها عن تلك العزلة العزلاء الصفراء المريضة. إنّها العزلة التي تأخذك إلى عالَمٍ آخر، عالَم أكثر جمالاً ودعةً وطمأنينةً ورجاءً.. عالَم يُحرِّركَ من قيود الضرورة، وحتّى من قيود الحريّة نفسها.

أعجبتني جدّاً عبارتكَ “التحرُّر حتّى من قيود الحريّة نفسها”. هل تحوَّل التمتُّع بالحريّة إلى عبء لديك؟
– الحريّة مسؤوليّة أيضاً، وكلّ مسؤوليّة لها تَعبها الخاصّ والدفين في هذا العالَم الذي لا يستحقّ منّا أن نعرفه، فكيف بنا ونحن نعيشه ونزاوله ويزاولنا بدَوره، وعلى طريقته؟!!.

كم تُذكّرني هنا سيّد بورخيس بتشاؤم الفيلسوف الفرنسيّ من أصلٍ رومانيّ إميل سيوران الذي قال ذات يوم: “حقّاً إنّ هذا العالَم لا يستحقّ أن نعرفه”..
– قرأتُ لسيوران أشياء مهمّة، لكنّه لم يَعرف كيف يتعامل مع نفسه في المُجابَهة الأدبيّة والفلسفيّة للعالَم، فلا يكفيه، مثلاً، كِتابة النصوص الفلسفيّة الضاربة، ولا تَشبّثه بالانزواء والغموض واللّايقين ليُرسّخ تجربته المُلفِتة. كان عليه أن يقتحم ذاته والآخر كلّ يوم، وكلّ ساعة وكلّ دقيقة. كان عليه ألّا يرتعب أبداً، لا من نفسه، ولا من الآخرين.. كلّ الآخرين.

*مؤسّسة الفكر العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.