فواز جرجس لـ”شجون عربية”: أخشى من انفجار الوضع في لبنان ونخبته السياسية الفاسدة لن تنقذه

Spread the love

خاص “شجون عربية” – حوار: كارمن جرجي |

البروفسور الأميركي اللبناني فواز جرجس باحث ومؤرخ في سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن.
وهو أستاذ جامعي في كلية لندن للإقتصاد وفي جامعة سان لورانس وجامعة هارفرد سابقاً.
حلّ د. جرجس ضيفاً في محطات إخبارية عالمية وعربية كثيرة بينها سي.أن.أن، أن بي سي نيوز، بي.بي.سي، الجزيرة، سكاي نيوز، وغيرها.
هو مؤلف لعدد من الكتب حول أصول الحركات الإجتماعية في الشرق الأوسط والحرب الأهلية اللبنانية وآفاق التغيير الإجتماعي البنّاء وشؤون الوطن العربي وقضايا الجهاد العالمي، وحائز على جائزة
“Independent Publisher Book Award for Current Affairs”.
وأجرت الزميلة كارمن جرجي حواراً مع البروفسور جرجس حول السياسة الخارجية الأميركية في ظل الإدارة الجديدة للرئيس جو بايدن، هذا نصه:

سياسة الولايات المتحدة إزاء منطقة الشرق الأوسط:
قال البروفسور فواز جرجس إن هناك نقطة معرفية ومفاهمية في غاية الأهمية وهي أنّ ملف الشرق الأوسط ليس من الملفات التي تعتبر من الأولويات في استراتيجية جو بايدن. إن الملفات الداخلية هي التي تحتل أعلى القائمة وأهمها:
– محاولة التخلص من جائحة كورونا
– نمو الإقتصاد الأمريكي
– ردم الهوّة الثقافية الهائلة في الداخل الأميركي بين محور المحافظين ومحور اللبراليين لأن ما يجري اليوم هو نوع من الحرب الأهلية الصامتة التي أخذت أبعاداً خطيرة للغاية.
أما بخصوص الملفات الخارجية، هناك إجماع من قبل وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع والبيت الأبيض أن الصين تشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة على المدى الطويل. ويرى بايدن أن ملف روسيا يأتي في المرتبة الثانية من حيث أهميته، من ثم تليهما الملفات الأخرى .
وأوضح جرجس أن الشرق الأوسط مهم بالنسبة للإدارة الأميركية لأن التطورات في المنطقة دائماً ما تفاجئ السياسيين الأميركيين والخوف دائماً من أن تقوم حرباً في الشرق الأوسط يمكن أن تؤدي الى تداعيات خطيرة على المصالح الأميركية. ويعتبر الملف الإيراني مهماً جداً لما له من تداعيات خطيرة على الأمن والسلم الإقليمي والدولي. فالإدارة الأميركية تعتبر أن حصول إيران على قنبلة نووية يؤدي الى حرب في الشرق الأوسط يمكن أن تمتد لهبها الى أوروبا والى العلاقات الأميركية الشرق أوسطية.
وأضاف: أيضاً هناك تركيز ملفت على الملف السعودي لا سيما وأنه لم يتم التركيز بشكل مماثل على الملف التركي أو المصري أو الإسرائيلي، وفي هذا تغيير عن الإدارة الماضية، إذ هناك لهجة وسلوك ووجهة نظر جديدة تجاه المملكة العربية السعودية، فهناك محاولة لضبط هذه العلاقة والضغط من أجل وقف الحرب في اليمن، وتجميد صفقات الذخيرة الحيّة للسعودية، والتعامل مباشرة مع الملك سلمان وليس مع نجله ولي العهد محمد بن سلمان، ونشر تقرير الاستخبارات الأميركية الذي يتهم ولي العهد السعودي بالموافقة على قتل جمال خاشقجي.

إدارة جو بايدن والملف الإيراني النووي:
وبشأن الملف النووي الإيراني، قال جرجس: تعتبر أميركا أن الملف الإيراني له تداعيات على الأمن الإقليمي في الخليج وعلى مصادر النفط، وهناك دائماً تخوف من حرب إسرائلية – إيرانية تجرّ الولايات المتحدة إليها. وحتى الآن فرص تحقيق تقدّم لا تتخطى الـ55%، فإيران تمضي قدماً في محاولة الحصول على قدرات لتخصيب اليورانيوم بطريقة عالية تمكنها من بناء قنبلة نووية.
وأضاف: ما تحاول أميركا فعله هو الضغط على إيران، والتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين من أجل توحيد محور الولايات المتحدة والعرب ضد إيران، هم يريدون لإيران أن تعود إلى إلتزاماتها مقابل رفع العقوبات عنها ولكن بشكل تدريجي وليس بالكامل.
حتى الآن، هناك شدّ عضلات بين الطرفين الأميركي والإيراني، كل منهما يريد أن يقوم الآخر بالخطوة الأولى، ورغم ذلك هناك نوع من شبه الإجماع أن مصلحة الإثنين تقضي بالعودة الى الإتفاق النووي، واتخاذ خطوات تبادلية تقوم على تقديم البعض من التنازلات.
ورأى أن المعضلة الرئيسية التي تواجه جو بايدن هي أنه يتعرّض لضغوط قوية جداً من داخل الحزب الجمهوري المعارض ومن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولا سيما إسرائيل وبعض الدول العربية، لذلك يحاول التفاهم معهما لإيجاد أرضية لعودة إيران الى الملف النووي. وحتى الآن هناك عقبات صعبة للغاية، وبقراءة متأنية، أعتقد أنه سيتم إيجاد إتفاق بين الطرفين وهذا يعني تجميد ملف إيران النووي لأكثر من 10 سنوات، إستناداً الى أن إتفاقية 2015 جمدت برنامج إيران النووي لمدة 15 سنة. ولكن الإتفاق الجديد ممكن أن يُجمده لحوالي 20 الى 30 سنة، وأعتقد أيضاً أن ملفات أخرى سيتم إعادة فتحها بين الإدارة الأميركية والإيرانية كملف الصواريخ البالستية.
وتابع أن من المؤكد أن هناك مصلحة مشتركة بن الطرفين للعودة الى الاتفاق النووي، لكن السؤال المهم: هو كيف ومتى وما هي الشروط الجديدة؟ وكل هذه الأسئلة لم تتم معالجتها. إن هامش الحركة يتقلص عند كلا الطرفين لأن هناك انتخابات رئاسية في إيران في حزيران / يونيو المقبل، ويبدو أن تيار الصقور المعارض سوف يفوز، بالإضافة الى أن إدارة بايدن لديها معارضة قوية من قبل الحزب الجمهوري أي حزب دونال ترامب.

إستراتيجية بايدن الشرق أوسطية والقضية الفلسطينية:
وحول ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وعملية السلام قال جرجس إن الملف ليست بذات أهمية لإدارة بايدن، لأنه ملف معقد ويتطلب رصيداً سياسياً، وهناك إجماع داخل نخبة السياسة الأميركية الخارجية بأن الإدارة الأميركية غير مستعدة أن تستثمر استراتيجياً فيه، ولا تختلف بذلك عن الإدارة السابقة. وهي تعتقد أن الحل الأمثل هو بحلّ الدولتين وأكّد ذلك وزير الخارجية أنتوني بلينكن خلال مرافعته أمام الكونغرس الأميركي. وهذا يعني أنه تغيير عن سياسة إدارة ترامب التي أهدت اسرائيل كل ما تبقى من فلسطين. لكن على الرغم من ذلك، قال بلينكن إن هذا الحل بعيد المنال حالياً وهذا يعني أن عملية السلام غير ممكنة في الأربع السنوات القادمة، وليس هناك من محلل سياسي أميركي يعتقد أن الولايات المتحدة سوف تضغط على إسرائيل في هذه المرحلة. فهي لن تدخل في مواجهة مع حكومة إسرائيل بل وأن هناك دعماً كاملاً لإسرائيل التي تملك معظم الأوراق بوقت لا تملك فلسطين أيّ منها. وهذا كله يؤدي الى تجميد الملف الى وقت غير محدود لأن ليس هناك أرضية مشتركة لعملية السلام.
وأضاف: ستبقي الولايات المتحدة على السفارة الأميركية في القدس ولن تضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو لعدم بناء مستوطنات في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية، لذلك لن نشهد تغييراً جزرياً في هذا الملف.

لبنان وإدارة بايدن:
واعتبر جرجس أنه حتى هذه اللحظة، فإن لبنان ليس موجوداً عالى أجندة الرئيس الأميركي، وإدارة بايدن لن ترفع العقوبات عن حزب الله ولن تغيّر سياستها تجاهه، لذلك لن نشهد تغييراً عن إدارة ترامب، الّا أن الإختلاف الوحيد هو أن الإدارة الحالية لا تريد أن تنفجر الأوضاع ولا تريد للبنان أن ينهار أكثر.
ومن الإقتراحات التي قدمت لجو بايدن بشأن للبنان هي أن يحافظوا على العقوبات على حزب الله وأن يساعدوا الحكومة لكي تضبط الوضع.
وأضاف: أنا أعتقد أن الوصول الى أي نوع من الإتفاق مع إيران يمكن أن يؤدي الى حلحلة الوضع مع حزب الله لأن كل هذه الملفات مرتبطة ببعضها البعض: الحرب في اليمن، ملف إيران في لبنان وسوريا. ودون التوصل الى إتفاق، هناك إمكانية حصول إنفجار أو صراع ليس مفتوحاً ولكنه خطير بين إسرائيل وحلفائها من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى. لكن يجب أن نأخذ بعين الإعتبار أن هذه هي الأيام الأولى لإدارة بايدن ومن الصعب وضع النقاط على الحروف ولا يجب التسرّع في بناء فرضيات ومقولات على أرض صلبة لأن هذه الملفات لا تزال قيد الدرس ولا نعرف تماماً ما هي نتائج مراجعتها ولا نعرف ما سياسات بايدن في الأشهر والسنتين القادمتين.

الإغتيالات في لبنان:
وقال جرجس إن النخبة السياسية في لبنان غالباً ما تعتقد أن كل ما يحصل في لبنان هو جزء لا يتجزأ من مؤامرة خارجية أو حروب الآخرين على الساحة اللبنانية، لكن لبنان ليس مهماً بالنسبة للأسرة الدولية ولا يأخذ حيزاً كبيراً من قضايا واهتمامات العالم. وما يجري هو محلّي أولاً وأخيراً وله أسباب داخلية، طبعاً هناك تدخلات خارجية لكنها تأتي من أطراف داخلية. فهي التي تحاول ترغيب الخارج فس التدخل في الملفات اللبنانية، وليس العكس، لما هناك من علاقة عضوية بين الداخل والخارج.
وأوضح أن الوضع في لبنان معقد وخطير للغاية، والسلم الأهلي على المحك، والإقتصاد اللبناني منهار، والدولة اللبنانية لا تملك القدرات للتعامل مع التحديات الإقتصادية والإجتماعية والأمنية، وهناك شرخ كبير بين النخب اللبنانية. ومن هنا أنا أتخوّف أن تؤدي هذه الأسباب بالإضافة الى تجويع اللبنانيين والأزمة البنيوية داخل النخبة السياسية والفقر المدقع، الى صراعات واغتيالات تؤدي في نهاية المطاف الى زعزعة السلم الأهلي والأمن، على أمل أن يكون اللبنانييون قد تعلّموا درساً من الحرب اللبنانية، وأن يعلموا أن السلم الأهلي خطّ أحمر وأن في الحروب الجميع خاسر. لكن في هذه المرحلة المفصلية في لبنان، ما هو أخطر من ذلك هو ما نشهده من أزمة دستورية بين المؤسسات الرئيسية وخاصة بين الرئاستين الأولى والثالثة، فلم يعد هناك من خطوط حمر، والتخوّف الآن هو أن تؤدي هذه الأزمة المتعددة الأوجه الى تفجير السلم الأهلي.
وأضاف: لا أعتقد أن المجتمع الدولي مستعد لمساعدة لبنان ما لم تساعد النخبة السياسية نفسها، وهذه النقطة قالها الرئيس الفرنسي وتقولها معظم القيادات الخارجية. وتاريخياً عندما يتأزم الوضع في لبنان إلى هذا الحدّ غالباً ما يتفجر الوضع أمنياً. فهل نشهد الآن محطة أخرى من الحروب اللبنانية؟ هل يمكن إنقاذ لبنان من إنفجار آخر؟ هل دخلنا في نفق الإحتراب الداخلي؟
وقال إن النقطة الأساسية هي أن لبنان هو بحاجة الى ميثاق إجتماعي وسياسي جديد، فهل باستطاعة النخبة اللبنانية أن تتواضع وتجلس على الطاولة من أجل صياغته لإحياء الجسد السياسي اللبناني؟ أنا أعتقد أن النخبة وبكافة أطيافها فاشلة وفاسدة سياسياً واقتصادياً والأهم أنها فاسدة أخلاقياً.
وتابع: يبقى السؤال الرئيسي أين المواطن اللبناني الذي تقع عليه المسؤولية الرئيسية؟ فمن دون ضغط من الشعب اللبناني، فإن النخبة قادرة وبسبب تعنّتها الطائفي والقبلي، على بيع لبنان وشعبه بأرخص الأثمان، وهي لن تخرج من هذا النفق حتى ولو من أجل حماية لبنان من الإنفجار، لذلك فإنّ لبنان لن يتلقّى أي مساعدة خارجية وأنا لست متفائلاً. فلبنان بحاجة الى معجزة سياسية ونحن لسنا في زمن المعجزات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.