التربية ما لها وما عليها.. العلم في الصغر كالنقش على الحجر

Spread the love

شجون عربية _ بقلم: رفيا عبود* |

التربية… هذا العنوان العريض الذي يدخل تحت عباءته مئات المجلدات التي كُتبت في سبيل وضع تعريف شاملٍ وواضح يفي بالغرض، ولكن هذا المصطلح تغير.. في كل زمان يطور نفسه لكي يناسب العصر الذي يعيش فيه .
قد يستغرب البعض هذا التساؤل ، ويجيب أنَّ التربية لا تتجزأ وهذا مفهومٌ متفقٌ عليه والاختلاف يقع في الأولوية ، ورغم صدق هذه الإجابة إلا أننا هنا لم نلتفت إلى المفهوم الثابت الذي ينتج عن التربية السليمة من قيم الخير والمحبة والاحترام ، هنا توجهت إلى التربية بمفهومها العام والخاص مع شرحٍ يتناسب مع كلِّ عنوان والتركيز الأساس هو على الطفل .

مفهوم التربية الصحية :
إن أردنا أن نصنع جيلاً واعياً ومثقفاً فلابدَّ أن نبدأ بالأسرة التي تعتبر الصمام الأمان والقاعدة الأولى لبناء لبنةٍ متينةٍ يشيد عليها كلّ أصناف البناء المختلف ، فكل أسرة تدرك مسؤولياتها العامة والخاصة تجاه بلدها تكون قد ساهمت بالنهوض في حضارةٍ أوطانها ، وهذا لا يتمُّ إلا بتنشئة آباء وأمهات يتحملون كامل المسؤولية في تربية الأبناء تربية سليمة منذ ولادتهم حتى رفدهم إلى معترك الحياة ، وتشمل هذه التربية من خلال التنمية المعرفية والجسدية واللغوية والفكرية والاجتماعية .
وهذا لا يمكن أن يحصل إن لم يهيئ بيئة مستقرة تبعدهم عن كل منغصات الحياة والتهديدات التي تصيب وتؤثر على هذه التربية .

التربية منذ الصغر تنتج شخصاً فعالاً في الكبر :
أول عقبة تصيب الآباء هي كيفية التعامل مع هذا المخلوق الجديد فلابدَّ أن يتعامل بهدوء ويقع التركيز هنا على إيصال المعلومة بشكل مبسط ومختصر دون اللجوء إلى رفع الصوت أثناء الكلام معه وأن تمنح نفسك الصمت عندما يتكلم وذلك بوضعه في جوٍ هادٍ حتى يعبر عن كافة مشاعره وعواطفه بالأسلوب الذي يحب ، حتى ولو كانت مشاعره فيها غضب يجب أن يخرجها دون خوفٍ أو تردد .
وتتجه الدراسات الحديثة إلى التركيز على أن حالة التوازن في التربية أيضاً من أهم العناصر التي يجب توافرها في الآباء ، بحيث لا يكون متسلطاً أو متصلب الرأي أو يحمل على وجهه ملامح الغضب كلما تكلم مع أطفاله ، فهذا يولد الكبت والكره في داخل الطفل ، وكذلك يجب أن لا يكون غير مبالٍ أو يغلب على شخصيته الهزل والاسترخاء مع الأطفال في حال تجاوزوا الحد المسموح لهم ، هذا يولد طفلاً عبثياً غير مدركٍ ولا يتحمل المسؤولية ، وهنا تكون المرونة مطلوبةً لكي يستطيع حلّ كل المشكلات التي ممكن أن تعترض التربية .
وكلما كنت قريباً للطفل كلما استطعت أن تبني شخصيته بطريقة جيدة ، فاستخدامك مثلاً الوسيلة المناسبة في إقناع الطفل عن طريق تعليمه كيفية إدارة وقته ، عن طريق تحديد ساعات الدراسة وتقسيم ساعات المطالعة واللعب وخلق فيه نوع من أنواع الشخصية المتوازنة حتى ولو اخطاً لا يهم فتدعه يعالج خطأه ويتحمل عاقبته ، وأيضاً التركيز على الموهبة التي يتمتع فيها وتوجيهه إلى تحقيق الإنجاز الذي يجب أن يحققه ، وغرز في عقله أنَّ كل هذا لم يكن سيتحقق لولا دعم الأسرة ككل له ، وهذا من فكرة التربية الصحيحة التي لابدَّ أن تزرع فيه ، فروح الجماعة هي أساس نجاح أي أمرٍ كان .

ثقافة المحبة والتسامح هي الأهم :
يجب علينا أن نترك له الحرية الكاملة في اختياره منذ الصغر للكثير من الأمور التي يقوم فيها ، ونكتفي بالمراقبة ولا نتدخل إلا عندما تقتضي الحاجة فعندما لا يصيب في قضايا تتعلق بالقوانين المنزلية أو المجتمعية هنا يجب علينا أن نظهر له أنَّه على خطأ ونوجهه إلى ثقافة الاعتذار وثقافة احترام الآخرين ، وهنا تتحول المعاملة من موجهٍ دائم إلى صديق مقرب حتى ولو تقمصت دور القريب ، وبذلك تدفعه إلى بناء الثقة الدائمة بحيث يطلعك على كافة أسراره ، ويجب أن تحيطه بكامل الحب والعطف ، وأن تغرس فيه قيم الأخلاق و المسؤولية عن طريق اسناد بعض الأعمال المنزلية له أو حتى خارج المنزل وتشجيعه على الاختلاط وعدم توجيه الملومة أو التقريع إن وقع في الخطأ ، طبعاً كذلك على الآباء أن لا ينصبوا إلى الاهتمام المفرط بالأبناء حتى لا ينشئوا جيلاً كسولاً غير قادرٍ على الاعتماد على ذاته .
حتى أنّه يجب على الآباء زرع فكرة التعليم بأسلوبٍ سلسٍ دون تعقيد ، فمثلاً إن حصل على علامة غير مرتفعة ، يجب أن يتجه الأهل إلى تشجيعه وأن يدفعوه إلى أنَّ الامتحان القادم ستتغير هذه العلامة فهذا يرفع من همته ويكون محرضاً لتحقيق أفضل النتائج في الامتحانات القادمة .
ويجب أن تزرع فيه حبّ مساعدة الآخرين فغالبية الأطفال تدخل الفرح إلى قلوبهم ونفوسهم عندما يقدمون خدمةً لغيرهم..
وبالمقابل يجب على الآباء عندما يطلقون الوعود لأبنائهم يجب ان يفوا بها هذا يكرس الثقة الدائمة بينهم .

النمو الفكري والاجتماعي ينطلق من التربية السليمة للأطفال :
إنَّ الترابط ورعاية العلاقات بين الأسرة الواحدة هي الأساس والركيزة المهمة في النمو الفكري والاجتماعي لدى الأبناء ، فالتربية السليمة التي لا تشوبها شائبة هي اللبنة الأولى في نجاح الأبناء في حياتهم في كافة الاتجاهات ، وهي الرسالة النقيّة التي يحملوها أينما يذهبون وفي أي مكان يضعون رحالهم ، فهذا دائماً يشعرهم بالأمان والطمأنينة والثقة بالنفس ، فهذا السلوك يجعل الطفل قادراً على تحمل الصعاب ومواجهة المشاكل التي قد تعترض طريقه وتدفعه إلى التعلم وإتقان فنون الحياة المختلفة بحيث يتزود بالمعرفة والعلم .

دراسات طبية يجب الوقوف عندها :
إنَّ الرعاية والتنشئة الصحيحة من قبل الآباء والأمهات هي الوسيلة الداعمة التي تؤدي إلى تحسين الصحة البدنية والعقلية لدى الأطفال ، كما بينت الدراسات أنّ تأثير التنشئة يمكن أن يكون أقوى عند الأطفال الأصغر سنًا ، لأنه من المحتمل أن يكون الدماغ أكثر حساسية للتغيير في وقت مبكر ، فيجب على الأهل تكثيف الرعاية والاهتمام والتركيز في المراحل الأولى من حياة الأبناء .

معلومات ونصائح :
ممكن القول أنَّ على عاتق الآباء تقع المسؤولية الكاملة حيث يجب على الأب أن يجلس مع أطفاله بشكلٍ دائم وأن يناقشهم ويوضح لهم الكثير من الأمور الحياتية مهما كانت بسيطة ، فكل الأمور سوف يواجهونها يوماً ما ، وكذلك الدور مناصفةً مع الأم لأنَّ الطفل يحتاج إلى الحنان والاهتمام وأن تزرع فيه عاطفة الألفة والمحبة وأن تربيه على القيم المثلى والأخلاق..
ففي عالمنا العربي احتكاك الأطفال مع أمهاتهم أكثر من آبائهم وهنا تقع المسؤولية مضاعفة عليها .


*رفيا عبود كاتبة وصحافية سورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.