التاريخ وفكرة التقدم عند فولتير

التاريخ وفكرة التقدم عند فولتير

شجون عربية – بقلم: أحمد أبو الخير _ باحث من مصر _ فولتير 1778-1694 مفكر وفيلسوف فرنسي كتب في مجالات كثيرة منها الشعر والمسرح والرواية والتاريخ، من أكبر كتاب عصر الأنوار، حارب الجهل والطغيان ودافع عن الحقوق المدنية وحرية العقيدة. سلك فولتير منهجا فريدا في تتبع تطور حضارات العالم عن طريق التركيز على التاريخ الاجتماعي والفنون.
بدأ فولتير مشروعه التأريخي في التاريخ على قلب النظرة التي كان يراها قصيرة على إبراز دور العقل الإنساني وقدرة عقله في التقدم وصناعة الحضارة البشرية، إذ يقول “يمكننا الاعتقاد أن العقل والصناعة سوف يتقدمان دائما أكثر فأكثر وأن الفنون المفيدة ستتحسن، وأن المفاسد التي حلت بالإنسان ستختفي بالتدرج.” يحيل مدلول هذا القول، أن تاريخ البشر يتجسد في وجهه الناصع في نور العقل، بمعنى تاريخ العقل لا الأشخاص، تاريخ الفكر لا المعارك، تاريخ التطور والتقدم لا تاريخ الحروب والقتل والغزو والدمار، إن فولتير لم يسقط الأهمية التاريخية لكل الأحداث التي حدثت في تاريخ الإنسان، بحجة أن العقل والفكر لا ينتهيا على خلاف الأمور والوقائع والأحداث، فهي مشروطة بالزمان والمكان، لكن هنا تأتي فكرة التقدم في التاريخ من خلال العقل والفكر.
بالعقـل يرى فولتير أن الإنسان يرتقي ويسمو، “إن الإنسان يتقدم من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية بفضل ما يمتلكه من عقل طبيعي وأن الإنسان خير بطبعه، وهناك أمل في ارتقاءه وبلوغه حد الكمال في حالة المدنية المنظمة تنظيما عقليا”. يحيل هذا القول على أن مسيرة التاريخ الحقيقة الموضوعية هي تلك التي تصور مراحل تطور العقل والفكر الإنسانيين، وتتبع مراحله في التاريخ التي خطاها منذ الخطوة الأولى؛ بمعنى من نقطته الأولى حالة الهمجية التي كان عليها إلى حالة المدنية التي ينعم في عصر فولتير، فهي تطهير عملي لتغيرات وتعاقدات فكرية. ويضع الأصل في كل الأحداث التاريخية هو العقل والتقدم الفكري.
مادام العقل هو صانع التاريخ، فإن فلسفة التاريخ عند فولتير تدعو إلى توسيع دائرة التاريخ فلا تكون محصورة فقط في تاريخ منطقة معينة، بل يجب أن تشمل كل الشعوب والحضارات التي كانت منسية من لدن المؤرخين. فهذه النقطة انتقدها فولتير وبقسوة، فقال “هناك حضارات وشعوب قامت بشروخ حضارية كثيرة لا يمكن إغفالها أو القفز من فوقها كحضارة الشرق القديم التي يصفها بالمجيدة، ويراها كانت هي الأساس لقيام صرح الحضارة الإنسانية كمثل حضارة بابل والحضارة العربية القديمة، وكذلك حضارة الصين والهند وغيرها من حضارات الشعوب المختلفة”. من هنا كان نقد فولتير اللاذع لمؤرخي التاريخ الذين كانوا يدعوا بأن كتبهم التاريخية هي كتب عالمية أو كتب تشمل تاريخ العلم، فاعتبرهم في أسوء الأحوال هم مزورون للتاريخ وفي أحسن الأحوال هم مقصرون، ليس لنا أن نفهم التقدم مسألة أساسية أخرى يثيرها فولتير في التاريخ، بأنه يسير بشكل تقدمي تصاعدي دائما في حركة مستمرة إلى الأمام بفضل العقل، إذ يقول “التقدم هو السيطرة على الفوضى بالعقل والغاية، وعلى المادة بالصورة والإرادة.” واستشراف المستقبل بأنه مسيرة العقل والعلم والفكر وحتى الصناعة لن تتوقف بل ستتقدم إلى أماكن بعيدة. وأيضا أن الفنون والآداب ستتطور وتكون مفيدة أكثر للوعي وللنفس والعقل في المستقبل. ومن خلال كل هذه الأمور ستصل البشرية إلى حضارة متقدمة على الصعيدين الفكري والعلمي، وستنعكس على مجمل حياتهم السياسية والاجتماعية والإنسانية.
يفضي هذا القول، أن التاريخ حسب فولتير هو حركة نمائية تقدمية. ولكن أن حالة التاريخ المتقدمة ليست دائما حركة منتظمة التقدم، بل كانت العكس، لأنها تتعرض لهجمات من قوة الظلام والتعصب فتعرقلها عن التقدم وتجبرها أحيانا على الارتداد إلى الخلف. يضرب مثال، كما حصل للإمبراطورية الرومانية التي كانت تشهد ازدهار وتقدم فكري وأدبي وفني…. لكن شاهدنا أن بعد الامبراطورية الرومانية ارتدت أوربا إلى ما يعرف بفترة عصور الظلام، الفترة التي تسيدت فيها الدوغمائية.
إذا نظرنا بمقياس المقارنة بين حياتنا الحديثة على الرغم مما فيها من نقص وفوضى، وبين جهل البدائيين وما عندهم من خرافات وقوة وتوحش وأمراض، ارتاحت أنفسنا بعض الشيء. بمعنى أننا قطعنا أشواطا طويلة في التقدم والسمو في مختلف مناحي الحياة.
ج- فكرة التقدم
سننتقل في هذا المقام من نقد التاريخ إلى بروز فكرة التقدم في التاريخ، وكيف تبلورت في نسق الأنوار عامة ونسق فولتير خاصة. ساهم عصر الأنوار في ظهور نظرية التقدم ظهورا تدريجيا، وهذه النظرية سالفة في مجال الدراسات التاريخية، ومن ناحية المصطلح فإن هذا المفهوم يأخذ معاني متعددة نذكر منها: معنى فلسفي مذهبي، أخذ مفهوم التقدم طابع نظرية شاملة، وفي فلسفة التاريخ، ويندرج فولتير ضمن هذه النظرية.
“معنى حضاري يقوم على استغلال العلم وتقدمه بهدف السيطرة على قوى الطبيعة.”
إن هذا اللفظ الجديد يدل عن الوعي، بمعنى يقوم على أساس رد الاعتبار للإنسان بما هو فاعل في التاريخ، وله طبيعة قابلة للتشكل باستمرار، فيتحرر من الزلة التي تلاحقه نتيجة الخطيئة الأولى كما تتصورها المسيحية. “مفهوم التقدم يتضمن نظرة إلى الزمان يستقطبها المستقبل، زمان تتراكم فيه تجارب الإنسان الذي يتطور دائما نحو الأفضلية بعقله ووجدانه وتحكمه في الأشياء، كذلك يتضمن رؤية للتاريخ تقيسه بالحاضر، وليس حاضر أية حضارة بل حاضر الحضارة الغربية.”
نستشف من هذا الطرح، أنه ردا على الفكرة اليهودية التي دعمتها المسيحية، بأن كمال الإنسان كان في ماضيه، وأنه لا خير له في مستقبله، كذلك الحال بالنسبة للمسيحيين الذين رأوا بأنه “ليس للإنسان أن يتوقع دولة مثالية على هذه الأرض، وأن حالة النقاء والطهرانية الكاملين لن يصلا إليها الإنسان إلا في العالم الأخر.”
خاتمة
وعليه فمقصد فولتير يتمثل بشكل صريح في الارتفاع بالتاريخ عما هو إنساني جدا، وعرضي وفردي، فهو لم يسع إلى وصف الخاص والفريد من نوعه، وإنما سعى إلى إبراز روح العصر وروح الأمم. لم يكن يعنيه تتابع الوقائع، بل أطوار الثقافة والارتباط الداخلي بين مكوناتها الفردية. وأن العقل هو المجال الأكبر الذي يشمل كل الأحداث الداخلية، وكامل التحولات التي على البشرية أن تمر بها قبل أن تتمكن من الوصول إلى معرفة حقيقة بذاتها. بهذا يعد فولتير الرائد المتحمس لفكرة التقدم، وهذه الفكرة بالذات هي ما منحه ذلك التأثير القوي في عصره.