الثقافة العربيّة.. اصطلاحاً، مفهوماً ووظيفةً

الثقافة العربيّة.. اصطلاحاً، مفهوماً ووظيفةً

شجون عربية _

د. مُحسن التليلي/

يتأسَّس النَّظر في المسألة الثقافيّة العربيّة وتحدّياتها على مُقاربتَيْن استفهاميّتَيْن، مُقارَبة السؤال بخصوص منظومة المُصطلح والمَفهوم والمَنهج التي عليها يتأسَّس ضبْط المداخِل النظريّة والعَمليّة والفنّيّة للنظر في مفهوم الثقافة ومَجالاتها ورِهاناتها ووظائفها، ومُقارَبة السؤال عن أصناف التعبير الإبداعيّ ومَدارسه واتّجاهاته ومَضامين بَرامجه وخُطط إسناده.

المُقارَبة الأولى تَطرَح إشكاليّة الضبْط الاصطلاحي والمَنهجي لدلالات الثقافة وأشكالها ورموزها وآليّات تثمينها. أمّا المقارَبة الثانية فتَطرحُ إشكاليّة تصنيف الإبداع ومَجالاته وقضاياه واختبار مدى قدرته على المُواكَبة والتجدُّد، ومنها مجالات التراث والآثار وفنون المَسرح والرَّسْم والسينما والطَّرَب والفِرجة والتبادُل الثقافيّ والتواصُل الرقميّ.

ومن الأسئلة التي قد تبدو الإجابة عنها سهلة للناس سؤالُ الثقافة، بخاصّة إذا كان مَصدر إجابتهم ما ألِفوه منها في تقاليد عَيشهم، لكنّ مفهوم الثقافة – وإنْ في حدّه الأدنى – يتجاوز المألوف ليشمل مسائل استراتيجيّة في حياة الشعوب وهويّة مُجتمعاتها، وهو مفهوم يتّسع مجاله ويضيق تبعاً لصنف المنتوج الثقافي ووظائفه العمليّة والفنّيّة ودرجات جودته وإشعاعه، وبعض وظائفه ينحى منحىً فنيّاً رمزيّاً يعسُر تثمينه مادّيّاً، ومنه وظائف مُتّصلة بالتراث والآثار والمنحوتات والرسوم والأساطير والرموز والفنون التشكيليّة، وبعضها الآخر ينحى منحىً عمليّاً، ومنه وظائف متّصلة بالحِرَف والصناعات اليدويّة وفنون الفرجة والسماع والاحتفال، وهذه وتلك من الوظائف والأدوار، مهما اختلفت، هي في جوهرها حمّالةُ قِيَم فنيّة ومادّيّة ورمزيّة لا غنىً عنها في حياة الشعوب وهويّتها.

الثقافة..المدنيّة.. التقدُّم

وإنّ ما يعبّر عنه مفهوم الثقافة من تشابُك إلى حدّ اللَّبس في الاصطلاح اللّغوي العربي نُلاحظه أيضاً في اصطلاح بعض اللّغات الأخرى، فكلمة Culture في الفرنسيّة مثلاً تُعبِّر عن اللَّبس المفهوميّ نفسه، على خلاف المدرسة الألمانيّة التي يبدو أنّها توسّعت أكثر في شحْن اصطلاح ثقافة Kultur، إذ جَعَلَتْهُ اصطلاحاً جامِعاً بين المَدنيّة والتقدُّم، على اعتبار أنّ المدنيّة تعبيرٌ عمّا آل إليه السلوك الاجتماعي للإنسان في التاريخ من تنظُّمٍ بفضل ما ابتكره من أنماط وفنون رتّبت عَيشه، وهو تنظُّم ثقافي ازدهر في علاقة جدليّة مع التقدّم الاجتماعي، وهذا التقدّم في التصوّر الثقافي الألماني مفهوم تقويمي ذو أبعاد فلسفيّة تأسّست وازدهرت في سياق الحركة الفكريّة للنهضة الأوروبيّة، وقد أسهمتْ تلك الحركة في ترسيخ المدنيّة وتطوير الأنشطة الصناعيّة والتحوّلات الاجتماعيّة والمؤسّسات والتنظيمات، بما فيها مؤسّسة الدولة وتنظيماتها، وقد كان لهذا التطوير أثرٌ كبيرٌ في ازدهار الإبداع الثقافي.

ونُلاحظ في الاصطلاحَيْن الألماني والأميركي، توافقاً يكاد يؤول إلى ترادُفٍ في استخدام مُصطَلَحَيْ ثقافة وحضارة – على غير معنى الاصطلاح الفرنسيّ – بدمْج البُعد الفلسفي في تثقيف العقل بالبُعد العَمليّ في المُنجزات العِلميّة والتقنيّة، أي بتثمين كلّ ما يَستخدمه الناس في أحوالهم الاجتماعيّة من مُكتسبات تحصل بالتقليد والتناقُل أو بالتعلُّم والتخصُّص. وما يشدّ الانتباه في هذا السياق المفهومي أنّ الاصطلاح العربي مالَ إلى التمييز بين الحضارة – التي اصطُلِح بها على جملة المُنجزات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والعلميّة – والثقافة التي اصطُلِح بها معجميّاً عن الحذق والفطنة في استخدام الآلة (العقل العمليّ) وحُسن التدبير، حتّى أنّ الثقافة في أصل اشتقاقها اللّغوي العربي تعود إلى ثَقِفَ ثُقوفَةً بمعنى حَذَق وشَحَذ، وقد أَورد ابن منظور في لسان العرب في مادّة ث/ق/ف أنّ الرجُلَ الثَقْفَ هو رجلٌ بيّنُ الثقافة واللّقافة، وثَقِفٌ أي فطين وذكيّ، بمعنى أنّه واثق من معرفته لِما يفعل أو لما يحتاج إليه، وهو مُثقَّفٌ إذا كان ضابطاً لما يحويه قائماً به فطِناً حاذِقاً خفيفاً.

ولكنْ لا يجب أن نغفل عن أنّ كلّاً من الثقافة والحضارة مُحدِّدٌ للهويّات الجماعيّة، على الرّغم من اختلاف مفهومَيهما وآليّات اشتغالهما، فكأنّ اتّجاه الحضارة أغلب ما يكون نحو التجميع، في حين أنّ الثقافة ميلُها يكون نحو مجموعتها الثقافيّة بقصد تمتين لحمة عناصرها والمُحافَظة على خصوصيّتها، ومن هذا طبيعتها الانطوائيّة المُميِّزة لمجموعتها على عكس الحضارة التي تبدو ذات طبيعة متّسعة وانفتاحيّة وجامِعة، وتسعى بحيويّتها وامتدادها لاستيعاب المُميَّز من محصول الثقافات، ولعلّ أكثر ما يكون حراك هذا المسعى مُربِكاً لمفهوم الثقافة، هو عندما تتحوّل الثقافة نفسها إلى حضارة تستوعبها.

وفي كلّ مراحل التاريخ الإنساني ظلّت الشعوب والأُمم مُتحفّزة للدفاع عن ثقافاتها، حتّى لا تنصهر أو تذوب في ثقافات أخرى، حفظاً لهويّتها وتعبيراً عن ذاتيّتها، بخاصّة في مَراحِل التهديد بالانقسام أو الخوف من التراجُع والوهَن المؤدّيَين إلى الاندثار، وغالباً ما تنشُب بسبب هذه الدواعي الثقافيّة صراعاتٌ وحروبٌ تؤدّي في التاريخ إلى اندثارِ ثقافات، وما زالت مظاهر التهديد بالغزو الثقافي وأخطار التغيير الثقافيّ وفرْض التبعيّة الثقافيّة والحضاريّة قائمة، بخاصّة تحت ضغط القوّة الاقتصاديّة والتقنيّة والإعلاميّة، وحتّى العسكريّة للقوى الكبرى، وهذه من أهمّ التحدّيات التي تُواجِهها ثقافاتُ بعض المُجتمعات.

لكنّ الثقافة – في ما هو مُشتَرَك من مفهومها ويرقى بها عن كلّ الخصوصيّات – إبداعٌ مُطلَق للإنسان به يعبّر عن مهارات فِكره وساعِده وحَركته وتنظيمه ومُعتقده ورَمزه، وعن كلّ ما يُحصّله في اجتماعه من مَظاهِر اللِّباس والسلوك والذوق وغيرها من أشكال التفاعُل مع بيئته ومُحيطه، حتّى أنّ الثقافة في موضوع عِلم الأعراق والإثنولوجيا هي جِماع الأنشطة المُميّزة لمُجتمعٍ إنساني ما، من أكثر المُجتمعات بساطةً وتمرْكُزاً إلى أشدّها تعقيداً وتفرُّعاً وامتداداً.

وتَبرز خصوصيّة كلّ ثقافة من خلال الأعراف والعادات والتقاليد المُستخدَمة في الغذاء والسكن وآداب التعامُل والتعلُّم، ومن كيفيّة التنظُّم وبناء العلاقات والاحتفال وأشكال التعبير عن الحزن والفرح، وهي بالتالي قادرة على خزْنِ ترسُّبات الأنشطة المادّيّة والفكريّة والفنّيّة لمجموعةٍ ما وإظهارها، وما تُبدعه من طُرُقٍ وأساليب وأدوات ووسائل يَرثها الإنسان عن أسلافه ويُطوِّرها ويُضيف إليها ويُورِّثها لأخلَافه، وبهذا المعنى تكون الثقافة تعبيراً عن كلّ عمل حَافَظَ أو خَالَفَ أو أَضافَ أو تَجاوَزَ، وفي صلة بكلّ الأنشطة التي يأتيها الإنسان في كلّ ميدان. وكلّما زادَ تنوّعُ الأنشطةِ واتَّسع وتعقّدَ، انعكس في مضامين الإنتاج الثقافي وأشكاله، وكيَّفَها ضمن صِيَغٍ ورموز تظلّ تُغذّي واقع المُجتمع وذاكرته وتدفعه نحو التقدُّم المؤدّي إلى الازدهار الحضاريّ.

واعتباراً إلى أنّ الثقافة وجهٌ مُهمٌّ من وجوه صناعة الحياة والإبداع فيها، وسبيلٌ من سُبُل التواصُل الاجتماعي والتبادُل الإنساني، فإنّه يجوز القول إنْ لا وجود لإنسان بلا ثقافة؛ فالإنسان بطبعه كائنٌ ثقافيّ بامتياز، سواء أكانت هذه الثقافة في مجال الفِكر أو العمل اليَدوي أو التقنيّة، أو في المجال الافتراضي في حقول الاتّصال والتواصُل والعمل عن بُعد عبر المُبتكرات والوسائط غير المألوفة. ومن المُفارقات التي يجب التنبيه إليها أنّ التواصُل بين “المُثقَّفين” – باعتبارهم ممثّلين للنخبة الفكريّة في بعض التصوّرات السائدة – قد لا يكون أحسن حالاً من التواصل بين مَن يعتقد البعض أنّهم “غير مُثَقَّفين”، على اعتبار أنّهم خارج دائرة النُّخبة، وينتج عن هذه المفارقة أنّ ادّعاء التثقُّف – في معنى الانتماء إلى “النُّخبة” – قد يكون سلبيّاً على الثقافة، بل حتّى ضارّاً بها، وقد يُشكّل في بعض مراحلها التاريخيّة وجهاً من وجوه أزمتها.

باتت الثقافةُ، اصطلاحاً ومَفهوماً ووظيفةً، مسألةً للتفكُّر وإعادة النَّظر في مَوضوعها ونشاطها وحيويّتها، ولعلّها في وضع المُجتمعات العربيّة وتحدّياتها من أمّهات المَسائل، لأنّها في الواقع كَشْفٌ لمحصولِ القضايا والأزمات والمشروعات التي على محكّها تظهر قدرتها على تحفيز مُجتمعاتها على التفكير والإبداع والتجاوُز ورفْع التحدّي من أجل بِناء مُستقبلٍ أفضل، وهو كَشْفٌ وُجِب تفحّصه بمُقاربات موضوعيّة تدرس إشكاليّات المسألة الثقافيّة العربيّة وتنظر فيها بمُراعاة أثر التحوّلات التقنيّة والاقتصاديّة فيها، وحتّى أثر التحوّلات الصحّيّة التي باتت تهزّ المنطقة والإقليم والعالَم إيذاناً بمَرحلة إنسانيّة جديدة يجتهد الكلُّ في مُواكبتها، على الرّغم من جهله بحقيقة دواعيها وخلفيّاتها ومخبّآتها بعدما خلخلَ انتشارُ جائحة كوفيد 19 وتفاقُمُه أركانَ الحقل الثقافي ونشاطه الإبداعي، ومَنَحَ السبقَ فيه للوسائط السمعيّة والرقميّة والمَرئيّة التي زادت في نَسَقِ تدفُّق الكمّ الهائل من المُعطيات والمعارِف، ومن تداخُلِها وتشبيكها، ومن زرْع الحيرة وسلوك الحيطة والحَذَرِ والتباعُد بين الناس، وتغيير مَسالِك إنتاجهم واستهلاكهم عن بُعد نَوعاً وكمّاً، بما أسَّس لصنفٍ جديدٍ من الاستثمار في برمجيّات المَواقِع والإشهار والتواصُل واقتصاد الخدمات والتعليم والصحّة وغيرها وتسويقها افتراضيّاً، وهي لعمري مَظاهر باتت مُنتِجة لثقافةٍ إنسانيّة جديدة مدعومة استراتيجيّاً وتقنيّاً بسياساتٍ وآليّاتٍ عابِرة للحدود ونافِذة لكلّ بَيت، ولا شكّ في أنّها ستكون مؤثِّرة في تغيير المَشهد الإنساني ومُغرِية بكلّ ما يُحرِج الأنظمة الثقافيّة التقليديّة، فإلى أيّ حدّ ستَقدر الثقافةُ العربيّة بمُختلف فنونها وإبداعاتها على مُجاراة هذا الواقع الجديد؟

*كاتب وأكاديمي من تونس