الدوريّات البحثيّة والنَّشْر ذو الوصول المفتوح

الدوريّات البحثيّة والنَّشْر ذو الوصول المفتوح

شجون عربية _ بقلم: د. عماد بشير /

تعتمدُ هذه المقالةُ مُصطلحَ “الوصول المفتوح” مُقابل مجموعة أخرى من المُصطلحات العربيّة المُتداوَلة في المجال. ومن هذه المُصطلحات يُشار إلى “الوصول الحرّ”، “البلوغ الحرّ”، “الإتاحة الحرّة”، “الولوج الحرّ”، “النَّفاذ الحرّ” و”الاتّصال الحرّ”… إلخ. والسبب يعود إلى أنّها الترجمة الأقرب إلى الدقّة للمُصطلَح المُستخدَم في اللّغة الإنكليزيّة. لأنّ كلمة “الحرّ” المُشترَكة بين المُصطلَحات المُتداوَلة ترتبط باستراتيجيّات البحث عن المعلومات وليس بنَشْرها والوصول إليها، ولأنّ تعبير الوصول الحرّ (Open Access) المجّاني يُقابله مُصطلَح الوصول المُغلَق (Closed Access) المُرسّم.

يسمح “النَّشْر ذو الوصول المفتوح” (Open Access Publishing) بالولوج إلى محتوى الدوريّات البحثيّة المُحكّمة من الأقران أو النظراء (Peer reviewed Journals) من دون تكلفة ماليّة أو أيّة التزامات ماديّة كما يقتضي الاشتراك في قواعد البيانات المُرسَّمة (Subscription Databases). يروق هذا الأمر للباحثين عن المعرفة والمُساهمين في النَّشْر العِلمي والأكاديميّين والمَكتبات ومَراكِز البحوث عموماً. ولكنّه في الوقت نفسه يؤرِق غالبيّة الناشرين التجاريّين المُتربّعين على عرش صناعة النَّشْر العِلمي والأكاديمي والقائمين على إدارة قواعد البيانات العِلميّة والبحثيّة. ويمتلك هؤلاء، عادةً، حقّ النَّشْر لجميع الدوريّات التي يقومون بنشْرها من خلال مؤسّساتهم ودُور النَّشْر التّابعة لهم، ولا يسمحون بتخزينها جزئيّاً وكليّاً في البيئة الرقميّة لا من خلال أذون مُسبقة وتماشياً مع سياسات إعادة النَّشْر التي يعتمدونها. لذلك، يفرضون تكلفة ماليّة لقاء الوصول إلى منشوراتهم الجارية (Current) والرّاجِعة (Retrospective) من خلال قواعد البيانات التجاريّة. وتدفع المَكتبات الجامعيّة ومَراكِز البحوث وكلّ المؤسّسات التي توفِّر الوصول إلى قواعد البيانات التجاريّة للمُستفيدين من خدماتها رسومَ اشتراكاتٍ سنويّة باهظة لقاء ذلك. علماً أنّ صناعة النَّشْر وسوق العمل الخاصّ بالدوريّات الأكاديميّة العِلميّة والتقنيّة وحدهما من دون باقي أوعية المعلومات، من كُتب وتقارير عِلميّة وأطروحات جامعيّة ووقائع مؤتمرات، يتجاوز العشرة بلايين دولار أميركي سنويّاً، على ما تذكره التقارير المُهتمَّة بالموضوع (https://www.enago.com/academy/open-access-publishing).

يُشير الإنتاج الفكري الخاصّ بالنَّشْر ذي الوصول المفتوح إلى مجموعة كبيرة من المُبادرات والنداءات الغربيّة والعربيّة في هذا الصدد. غربيّاً، انطلقت أولى هذه المُبادرات في العام 2002 في بودابست (Budapest) الهنغاريّة (المجريّة؟) وتلتها مُبادرَتا بيتيسدا (Bethesda) في ولاية ميريلاند الأميركيّة وبرلين (Berlin) الألمانيّة في العام 2003. بينما جاءت انطلاقة المُبادرات والنداءات العربيّة من المَملكة العربيّة السعوديّة في “نداء الرياض” في العام 2006.

بعض المُتخصّصين يُعيد جذور حركة الوصول المفتوح وأُسس هذه المُبادرات إلى الفيزيائي الأميركي بول غينسبرغ (Paul Ginsburg) عام 1991 حين وفّر للعُلماء والباحثين مُشارَكة أفكارهم وآرائهم قبل عمليّة النَّشْر، وذلك عن طريق إنشاء أوّل قاعدة بيانات لبحوث ما قبل النَّشْر (Preprint) على إنترنت في مجال الفيزياء. بعدها، أثار العالِم البريطاني ستيفن هارند (Steven Harnad) عام 1994 أهميّة أن يقوم العُلماء والباحثون بـ “الأرْشفة الذاتيّة” لمنشوراتهم وإتاحتها على الخطّ المُباشر (Online) للجميع من خلال الإنترنت. ولكنْ تبقى الإشارة إلى أنّ الفيلسوف الأميركي بيتر سوبر (Peter Suber) يُعتبر على نِطاق واسع الزعيم الفعلي لحركة الوصول المفتوح في جميع أنحاء العالَم. وهو مدير مشروع هارفرد للوصول المفتوح (Harvard Open Access Project) وصاحب كِتاب “الوصول المفتوح” المُتوافِر مجّاناً على الإنترنت بلغاتٍ عدّة.

منذ انطلاقة حركة الوصول المفتوح (Open Access Movement)، تعدَّدت المُبادرات وتزايَدت أعداد البلدان ودُور النَّشْر الرّاغبة بانتهاج سياسة النَّشْر ذات الوصول المفتوح وتطوَّرت معها السياسات والبرمجيّات والتطبيقات المَعنيَّة بتوفير النَّشْر المفتوح والوصول المجّاني إليه وخدمات المعلومات ووسائل حفْظها الرقمي بما يتوافق مع حقوق النَّشْر والمؤلِّف والملكيّة الفكريّة. فنشأت الأدلّة الخاصّة بدوريّات الوصول المفتوح مثل دليل دوريّات الوصول المفتوح “Directory of Open Access Journals (DOAJ)” والأدلّة الخاصّة بقواعد البيانات السائدة في هذا المضمار مثل لائحة قواعد بيانات الوصول المفتوح “List of Open Access Databases (LOADB)”. كما توافَرت الأدلّة الخاصّة بتقييم هذه الدوريّات ومقدار مَعامِل التأثير “Impact Factor” العائد لها ضمن اختصاصها مثل “مَوقِع مَعامِل تأثير دوريّات الوصول المفتوح (omicsonline.org)” والأدلّة والمَواقِع الإلكترونيّة التي تُساعِد الباحثين والاختصاصيّين في مجال المعلومات على تحديد مستوى الوصول المفتوح للناشرين من خلال جداول تقيس مستوى هذا الوصول في الدوريّة لناحية حقّ المؤلِّف في إعادة الاستخدام لما هو منشور سابقاً مثل (SPARK) و (SHERPA/ROMEO). والأخيرة، عبارة عن لائحة تضمّ أسماء جميع النّاشرين المُلتزِمين كليّاً سياسة النَّشْر ذات الوصول المفتوح والناشرين التجاريّين الذين يتعاملون جزئيّاً معه، فضلاً عن شروط الإتاحة والحفْظ.

المُستودعات الرقميّة

من الخدمات التي تعزَّزت مع تطوُّر حركة الوصول المفتوح، نشير إلى التطبيقات والبرمجيّات المَعنيَّة بإنشاء المُستودعات الرقميّة (Digital repositories) مثل (DSPACE) و (EPRINTS) وغيرها، وهي تطبيقات مفتوحة المَصدر ساعدت في تطوير حركة إنشاء المُستودعات الرقميّة المؤسّسيّة والموضوعيّة والحكوميّة والمُتخصّصة. ومعها ظهرت الأدلّة الخاصّة بالتعريف بالمُستودعات الرقميّة وتصنيفها مثل سِجِلّ مُستودعات الوصول المفتوح “Registry of Open Access Repositories (ROAR)”، ودليل مُستودعات الوصول المفتوح “Directory of Open Access Repositories (OPENDOAR)”، ومُحرّكات البحث الخاصّة بالمُستودعات الرقميّة مثل (CORE).

للتخلّي عن حقّ النَّشْر لدى الناشرين وضمان الوصول المفتوح للبحوث المنشورة لديهم، شرعوا في “تغريم” المؤلِّفين الذين يرغبون في توصيل بحوثهم إلى المُستفيدين ضمن سياسة الوصول المفتوح، وابتكروا سياسة “الدفع مُقابل النَّشْر” (Article Publishing Charge). وبذلك، يضمن المؤلِّف إتاحة بحوثه إلى فئات واسعة من المُهتمّين ويُعزِّز إمكانيّة الاعتماد عليها والاستشهاد المَرجعي بها في البحوث الجديدة الأخرى.

راهناً، يتمّ التداوُل بثلاثة أنواع من طُرق النَّشْر المؤدّية إلى الوصول المفتوح للمعلومات من خلال الخدمات الرقميّة المُتوافِرة على الإنترنت:

– الوصول المفتوح الأخضر (Green OA): ويتوافر من خلال مجموع البحوث والدراسات المحفوظة في المُستودعات المؤسّسيّة (IR) الرقميّة والمُستودعات الموضوعيّة والمُتخصِّصة المُتاحة للمُستخدِمين. كما يتوافر من خلال اعتماد المؤلِّفين لما يُعرف بـ “الأرشفة الذاتيّة” في المَواقِع الإلكترونيّة الشخصيّة (Website) ومَواقِع المدوّنات (Blogs) وفي المُستودَع المؤسّسي (IR) الرقمي التّابِع للمؤسّسة التي يعمل فيها الباحث أو التي كان يعمل فيها عند نشْره أعماله وبحوثه. وتسري مفاعيل الأرشفة الذاتيّة والإتاحة على الدوريّات (Journals) ذات الوصول المفتوح الكليّة والجزئيّة، بما يتوافَق مع القوانين والقواعد المرعيّة الإجراء في هذا المجال. وتشير لائحة شربا/ روميو (Sherpa/Romeo) إلى وجود 1058 ناشِراً يتيحون للمؤلّفين أرْشَفة بحوثهم بصيغة “قبل النَّشْر” (Preprint) وبعد النَّشْر (Postprint). كما تشير إلى وجود 847 ناشِراً يتيحون أرْشفتها بصيغة “بعد النَّشْر” فقط، وأنّ 174 ناشِراً يتيحون ذلك “قبل النَّشْر”. في حين تُظهر اللّائحة أنّ هناك 487 ناشِراً لا يسمحون مُطلقاً بأرشفة منشوراتهم من غيرهم. علماً أنّ هذا العدد يتناقص مع مرور الزمن فيما يتزايد عدد الناشرين في إطار الوصول المفتوح للبحوث قبل النَّشْر وبعده وهو يشكِّل النسبة الأكبر بين الفئات المُعتمَدة من “شربا/ روميو” (Sherpa/Romeo)؛ وبشكلٍ عامّ، فإنّ 81% من الناشرين المُسجَّلين في هذه اللّائحة وعددهم 2566 يتيحون الأرشفة الذاتيّة بشكلٍ أو بآخر (http://www.sherpa.ac.uk/romeo/statistics):

– الوصول المفتوح الذهبيّ (Gold OA): ويتوافر من خلال النَّشْر في الدوريّات ذات الوصول المفتوح الكلّي، والتي هي خارج إطار الاشتراكات السنويّة (Not Subscription based) للدوريّات، ولكنّها تفرُض كلفة ماليّة لقاء النَّشْر فيها. وذلك من ضمن مُقتضيات مبدأ النَّشْر في الوصول المفتوح وهو الدَّفْع للنشر “Article Publication Charge (APC)”. نذكر في هذا المجال الدوريّات الصادرة عن دار نشر هنداوي (Hnidawi)، وهي دار نشر متخصِّصة فقط في نشْر الدوريّات العِلميّة ذات الوصول المفتوح باللّغة الإنكليزيّة في مُختلف الاختصاصات العِلميّة والتقنيّة. ويتضمَّن دليل دوريّات الوصول المفتوح المُشار إليه أعلاه (DOAJ) 12,479 دَوريّة في هذا الإطار موزَّعة على 129 دولة، وذلك حتّى كانون الثاني (يناير) 2019. في المُقابل، يتوافر هذا الوصول أيضاً من خلال دوريّات الوصول المفتوح التي لا تَعتمد سياسة “الدفع مُقابل النَّشْر”، بل يكون النَّشْر فيها من دون تكلفة على المؤلِّف، كما الوصول اليها واسترجاع محتواها لاحقاً.

– الوصول المفتوح الذهبيّ الهجين (Gold-Hybrid OA): ويتوافر من خلال النَّشْر في دوريّات عِلميّة وبحثيّة تجاريّة مع تخصيصٍ أو تحديدٍ لأحد البحوث فيها ووضْعه في إطار الوصول المفتوح، وذلك من خلال دفْع بَدَلٍ ماليّ (APC) للناشر التجاري لقاء ذلك. وعادةً ما تكون هذه الدوريّات من ضمن إطار الاشتراكات السنويّة (Subscription Based)، وبالتالي فإنّ البحث المُحدَّد فقط، من دون البحوث الأخرى في الدوريّة، يتوافر للمُستخدِمين ضمن سياسة الوصول المفتوح بينما يتمّ التعامل مع البحوث الأخرى ضمن سياسة الوصول المُرسّم. يُشار في هذا الصدد إلى أنّ النّاشر التجاري إلسفير (Elsevier) والناشر التجاري تايلور أند فرنسيس (Taylor & Francis) يتيحان هذا الخيار أمام الباحثين وأمام المؤسّسات الأكاديميّة والبحثيّة، ومعهم مجموعة كبيرة من الناشرين التجاريّين المعروفين.

جدير بالتوضيح أنّ النَّشْر في دوريّات الوصول المفتوح يُرتِّب على المؤلِّف أن يقوم بدفْع التكلفة مقابل ذلك في غالبيّة الحالات وعلى وجه الخصوص في الدوريّات البحثيّة والعِلميّة المحكّمة الصادرة عن الناشرين التجاريّين الرائدين في مجالات تخصّصهم. وتتحدَّد التكلفة بناءً على اسم الناشر وعلى مَعامِل التأثير (IF) الخاصّ بالدوريّة. وهي تتراوح بين صفر تكلفة و5200 دولارٍ أميركيّ كمُقابلٍ للبحث الواحد، وتدخل فيها عناصر تلعب دَوراً في تحديد الكلفة مُرتبِطة بوجود تعاوُن أو اتّفاقيّات مُسبقة بين المؤسّسة الأكاديميّة التي ينتمي إليها المؤلِّف والباحث ودار النَّشْر. بعض الجامعات الهادفة إلى تعزيز حركة النَّشْر العِلمي لديها وتوسيع مرئيّتها (visibility) تتوافق مع روّاد النَّشْر من النّاشرين المرموقين والمعروفين على شراء حصّة مُسبقة من النَّشْر في دوريّاته على أساس الوصول المفتوح (Open Access Journals) وتعمد إلى حفْظ ما تنشره من بحوث وإتاحته من خلال أعضاء هيئة التدريس والباحثين فيها إلى حفْظها في المُستودَع الرقمي العائد لها وإتاحتها من خلال البحث في الوصول المفتوح على الإنترنت. تقوم معظم الجامعات والمؤسّسات الأكاديميّة الدّاعمة لحركة النَّشْر ذات الوصول المفتوح والسائرة في سياساته بتغطية تكلفة البحوث ونفقات النَّشْر التي تترتّب على أعضاء هيئاتهم التدريسيّة والبحثيّة خلال عمليّة نشْرهم لبحوثهم. كما تقوم مؤسّسات عدّة مَعنيَّة بالنَّشْر العِلمي ودعْمه في بعض التخصُّصات، وهي في تزايُد، بدعْم الباحثين في مجالات اهتمامها. فضلاً عن عددٍ من المَكتبات الوطنيّة والأكاديميّة التي دخلت على هذا الخطّ في دعْم النَّشْر في دوريّات الوصول المفتوح واعتبرته من ضمن خدماتها العامّة لروّادها ومُستخدِميها.

يَتوافَق المُتخصِّصون على أنّ حركة الوصول المفتوح للمعلومات في تطوّرٍ وأنّ أعداد الدوريّات العِلميّة والأكاديميّة المنضوية في هذه المَسيرة يكبر من عامٍ إلى عام. ولكنْ على الرّغم من هذا التنامي، إلّا أنّ الطريق إلى الوقت الذي تُهيمِن فيه الدوريّات ذات الوصول المفتوح على صناعة النَّشْر العِلمي والبحثي المرموق ما زال بعيداً. ومردّ ذلك إلى تحدّيَيْن اثنَيْن أمام النَّشْر ذي الوصول المفتوح. أوّل هذه التحدّيات يتمثّل في النَّشْر في دوريّات ذات وصول مفتوح لا توفِّر خدمات التحرير ولا تَعتمد “تقييم الأقران” للمخطوطة الأولى للمؤلِّف، بل تسعى إلى اصطياد المؤلِّف والتكلفة التي تجنيها منه لقاء النَّشْر. وهي بذلك تُهدِّد النَّشْر العِلمي المُحكّم مُقابل النَّشْر في دوريّات وَهميّة “Predatory Journals”. وتصدر هذه الدوريّات وعددها بالمئات عن دُور نشْر وهميّة أو عن أفراد من دون وجود لدار نشْر. وعادةً ما تتمّ الإشارة إلى مثل هذه الدوريّات من خلال لوائح تصدر دوريّاً عن مُتخصّصين للتعريف بهذه الدوريّات الوهميّة. ويكمن التحدّي الثاني في سعي المؤلِّفين والباحثين الى النَّشْر في دوريّات عِلميّة تمتلك مَعامِل تأثير عالية (IF) وهو ما توفِّره الدوريّات التي تتطلّب اشتراكاً سنويّاً وتصدر عن الناشرين التجاريّين بغالبيّتها. عِلماً أنّ خدمات رصْد الإسناد المَرجعيّ (Citations) المَعنيّة بتقييم الدوريّات العِلميّة وتعيين مَعامِل التأثير لها بدأت تأخذ ضمن لوائح مَصادرها دوريّاتٍ ذات وصول مفتوح. يُشار في هذا الصدد إلى خدمة “شبكة العِلم” (Web of Science) التي تُديرها شركة كلاريفيت أناليتكس (Clarivate Analytics).