“الفنّ وسحره في أزمنة العواصف”

“الفنّ وسحره في أزمنة العواصف”

بقلم: د. عبد العظيم محمود حنفي _ كاتب وباحث أكاديمي من مصر/

إذا كانت عصور الهدوء والاستقرار صالحة للأدب والفنّ، مُنشِّطة لسَير الفكر، فهل أوقات الثورات الدامية والانقلابات العاصِفة مُعرقلة للفنّ؟ وهل هي حقيقةً تسلب رجالَ الفكرِ ونوابغَ الفنون الهدوء الفكريّ والرزانة والاتّزان، وتحول بينهم وبين متعة الفراغ الكافي لنماء آيات الفنّ العظيمة؟ لسنا نجد في التاريخ أدلّة كثيرة تثبت ذلك؛ ففي أوقات الحروب والشدائد تُستَفزّ المَشاعر، وتُهَزّ النفوس هزّاً عنيفاً، وتُحرَّك أوتار القلوب، وتُنبَّه روافد العزائم، وتستجيش هوائد الهِمم، فتقوى الخواطر وتتفتّح العقول وتُشحذ الأحاسيس، ويتبع ذلك ظهور نَوع من الأدب الحرّ والعتيد.

كثيراً ما كانت الحروب سبباً لجلائل المُبتكرات ونضج ثمرات العقول، وقد كان القرن السادس عشر مثالاً عن القرون الغاصّة بالثورات وضروب الحروب المذهبيّة الدينيّة والمَعارك السياسيّة الاجتماعيّة، والمُجادلات العِلميّة الأدبيّة، وكان في الوقت نفسه عصر نهضة فاض معينها، ناهيك بقرن يحتشد فيهِ من أعيان الإنسانيّة وأقطاب الفكر أمثال لوثر المصلح ورافائيل وأنجلو والشاعر أريستو والكاتِب مونتين والعلّامة إراسموس، ومن العلماء أمثال جاليليو وكوبرنيكس والفيلسوف فانيني وغيرهم من أساطين الفكر وجبابرة العقول. وقد انتعشت في ذلك القرن فروع الحياة الفكريّة جميعها، ووجَد كلّ فنّ مُعبِّراً عنه ومُمثِّلاً له، وكانت إيطاليا حينذاك بخاصّة، من بين دول أوروبا ممزَّقة الأوصال مصدوعة الوحدة ومسرحاً للفوضى والجرائم المنكرة وأفاعيل القسوة ولكنّها كانت في الوقت عينه أستاذة أوروبا وحاملة لواء الحركة الفكريّة. كما يرى محلِّلون أنّها نهضت نهضتها الأدبيّة العظيمة، في أوائل القرن التاسع عشر، وهي في ظروف عصيبة وعهود عاصفة، وأنّها كانت مُبعثرة الشمل مُتناثرة الأجزاء، مجروحة العزّة القوميّة. وأتمّ فيلسوف ألمانيا الكبير هيغل كِتابه “ظاهرة العقل” حينما كانت مَدافع الجيوش النابليونيّة تدوّي في أذنيه. وتمنّى الفيلسوف فيخته نحبه وهو يذود عن وطنه ويثير حميّة تلاميذه وأتباعه، وقد قويت في ذلك الوقت النهضة الفكريّة في إلمانيا بولادة مذاهب فلسفيّة عظيمة، كأروع ما عرفت الفلسفة، وآراء طريفة في التاريخ والنقد إلى نظريّات أصيلة في اللّغة والعلوم. وقد كان عجيباً ظهور تلك النهضة الرائعة في ألمانيا التي صرعتها الحوادث وأساء إليها الدهر، ولكنّ أوقات الاضطرابات والثورات من شأنها أن تثير القلب وتحرِّك رواكده وتبتعث كوامنه، فيظهر من النّفس كلّ خفيّ وينكشف كلّ كنز دفين وتفتح أزاهير الروح الداخليّة وتخرج منها المبتكرات العظيمة والمنشآت الفنيّة الخالدة، وكأنّ الحركة العامّة الشاملة والاضطراب السائد والقلق المستحوذ يرهف الخواطر ويفضّ إغلاق النفوس، فتسخو بقوّتها الموفورة وتجود بثرائها الجمّ المدّخر.

الفنّ في عصور الاستقرار

أمّا في عصور الاستقرار، فيسود نوعٌ خاصّ من الفكر. وفي العهود العاصفة ينبعث نوعٌ آخر مغاير له؛ فأدب عصور الاستقرار يمتاز بجودة الصناعة وحسن الصقل وبراعة الاتّزان وانسجام التأليف، ولكنّه خالٍ من الحيويّة القويّة والروح المتوثِّبة. وأدب العهود العاصفة يمتاز بقوّته وشدّة أمره وعمقه وغزارته ويُعيد ابتكاراته وطريف مخترعاته. وفي أزمنة الاستقرار، يتصوَّر الناس أنّ الفن ّحليّة على جيد الحياة، وأنّ الأدب تسلية تقطع بها ساعات الفراغ ويزجي بها السأم. أمّا أزمنة العواصف، فيغلب على أدبها روح الجدّ والبُعد عن الزخارف وعدم تكلُّف الصنعة. وفي أوقات الاستقرار، تسود أفكارٌ مُعتدلة لا شذوذ بها ولا مُغالاة، ولكنْ في أيّام الانفعالات تظهر الأفكار الكبيرة وكأنّ النفوس في تلك الأزمنة تخرج عن مداراتها المألوفة فنلمس شيئاً من أسرار الحياة المُحجّبة وغرائبها المستورة وتبصر لمحات من الأبديّة الخفيّة ويهبط عليها نوعٌ من حكمة الوحي وقداسة الإلهام، ويظهر في تلك الفترة الجليل والسخيف والرائع والمضحك، وتتجلّى المتناقضات والخوارق والمعجزات، وتبرز جوانب الروح المُختلفة ونواحيها المُتناقضة. وقد ظهرت في العصر الذي أرسل فيه المتنبّي حكمه الخالدة في مسمع الأيّام حماقاتُ الشاعر ابن سكرة وسخافات ابن حجّاج. وعهود الاستقرار عهود اتّزان وانسجام؛ فنفوس أهلها هادئة مُطمئنّة غير مأخوذة بروعة المجهول ولا سكرى بنشوة المُكافحة.

ويسوق بعض الباحثين توضيحاً لتلك المسألة عبر الموازَنة بين شاعر يمثِّل عصراً من عصور الاستقرار النسبي كالبحتري، وآخر يمثّل عصراً من عصور القلق مثل المتنبّي؛ والبحتري والمتنبّي شاعران مُتناقضان في كلّ شيء. البحتري رجل حضارة، فهو سلس الطباع غير ناقم ولا متسخّط، والمتنبّي ثائرُ الطَّبع غير مستقرّ النَّفس؛ الأوّل يجيء في عصور الاتّزان وقد استفاضت الحضارة وأسبغت ظلّها. والثاني لا يُقبل على الدنيا إلّا في أوائل الحضارة أو في نهايتها، في ثورة التكوين أو في اضطّراب الانحلال. و البحتري أنقى صياغة وأرشق معرضاً، ولكنّ المتنبّي يذهلك بقوّة روحه وشدّة طيبته. وقد ظهر الأوّل والخلافة لم تذهب بعد هَيبتها ولم تعصف العواصف بقوّتها، فكانت شخصيّة الخليفة تستغرق كلّ الشخصيّات وتنيف عليها وتبسط ظلّها فوقها. ولكنّ الثاني جاء في وقت ملكيّات محدودة متعدّدة الأشياء والنظائر، فنمت شخصيّته ولم تجد قوّةً ما تصدّها وتهزمها. لذا ترى الأوّل يتناسى شخصيّته ويفنى في شخصيّة ممدوحه، بينما المتنبّي يفيض على ممدوحه من صفات نفسه وشمائلها وتنسج له حلّة من خياله. والأوّل كالبحيرة الصافية يُحرِّك عليلُ النسائم عذبَ مياهها مُحدثاً فيها تموّجات لطيفة هادئة. والثاني كالبركان الثائر يقذف بالحمم المستعرة ويغلب عليه الألم الدائم والشكوى المستمرّة وسوء الظنّ بالبشر والتقلُّب بين العطف القوي عليهم والكره الشديد لهم. ونَفْس البحتري وادعة مطمئنّة والثاني نفسه متحرّقة، لا تأوي إلى ظلٍّ من الأمن.

بين البحتري والمتنبّي

وترى في شعر كلٍّ منهما صورة من عصره، فالبحتري ينظر إلى الأشياء القريبة المنال الدانية من الفهم ويتجنَّب كلّ ما يعسّر الفكر ويكدّ الذهن ويُراعي في شعره موازنة عجز البيت بصدره ويدخّر الكلمات الرشيقة والألفاظ الطليّة ليقفل بها القافية ويحاول أن يوجِد توازناً ملحوظاً بين الفكرة والتعبير عنها ويقدِّر لذّة الأذن ومتعة السمع بتخيُّر الألفاظ الرقيقة المهذّبة ويطرح الغريب الوحش والحشو والزوائد. ففي شعره بلاغة وبراعة وتتخلّله موسيقيّة هادئة مُنسجِمة وأوضح صفاته التناسق والسلاسة لا الحرارة وقوّة الروح؛ وعبقريّته عبقريّة متّزنة وليست عبقريّة جريئة كعبقريّة المتنبّي، وعواطفه هادئة لا تترامى إلى الحدود البعيدة والغايات القاصية. فهو رجل بلاط قبل كلّ شيء ملوَّع بالزينة وانتقاء العبارات السائغة المقبولة، وهو يحبس في نفسه مَشاعر ويكظم فيها أهواء ولا يرضي الوجود والحياة لكلّ فكرة تمرّ بخاطره، وعاطفة تختلج في نفسه، وإنّما يتناول الأفَكار التي أقرّها المجتمع واصطلح عليها العرف حتّى لا يصطدم بمذهب أو عقيدة. وإنّك لتلمح أحياناً استهانة المتنبّي بأوضاع اللّغة، ولكنّك تسمع خلال شعره نبضات قلب كبير ونزعات روح طموحة، وهو يأخذ الحياة مأخذ الجدّ فلا يكثر في شعره من التجميل والزخرف، ولا يجري وراء المحسّنات والمرقّقات ولا تفارقه في شعره تلك النظرة الأخلاقيّة النافذة التي امتاز بها عن سائر شعراء العربيّة، والتي هي أساس فلسفته في الحياة، وخلاصة تأمّله الطبيعة البشريّة.

خلاصة القول إنّ البحتري مثلٌ صادقٌ ونموذجٌ تامّ لأدب الصنعة والزخرف الذي يظهر في عصور الاستقرار. كما أنّ المتنبّي خير عنوان لأدب القوّة والابتكار الذي يسود في عصر القلاقل والاضطرابات.