النّظام السّياسي الفلسطيني بعد الإنتخابات المؤجّلة

النّظام السّياسي الفلسطيني بعد الإنتخابات المؤجّلة

شجون عربية _  بقلم: د. رائد أبو بدوية، رئيس قسم العلوم القانونية في الجامعة العربية الأمريكية ، فلسطين. 

لا يبدو أن الإنقسام السياسي الفلسطيني المستمر منذ 2007  هو الإنقسام الوحيد بين قطاعات المجتمع الفلسطيني، فالأشهر والأيّام الماضية كشفت الكثير من الإنقسامات الفلسطينيّة الدّاخلية والتي تعدّت حدود  قطبيه الرّئيسيين فتح وحماس، إلى إنقسامات قطاعيّة متعدّدة الأوجه والمشارب. من انقسامات ذات خلفيّات حزبيّة سياسيّة الى إنقسامات  قطاعيّة ومجتمعيّة، نخبويّة واكاديميّة ومهنيّة، برجوازيّة وعمّاليّة،  لا بل إن غالبيّة هذه القطاعات لم تعد تؤمن بالإطاريّة الحزبيّة الضيّقة والتي تحمّلها هذه القطاعات مسؤوليّة الحالة السياسيّة الفلسطينيّة الرّاهنة وانسداد أفقها السّياسي.

وبعيداً عن الأسباب التي أنتجت هذه الحالة الإنقساميّة التعدّديّة؛ سواءً إرتبطت إرتباطاً وثيقاً بنتائج الإنقسام السّياسي الفلسطيني الأوّل (2007)، أو كان ذلك بسبب فجوة في برامج الأحزاب السّياسيّة الفلسطينيّة الرّئيسيّة وابتعادها عن الإستجابة لمتطلّبات واحتياجات قطاعات كثيرة من قطاعات المجتمع، أو حتّى كان ذلك نتيجة حالة الوعي المتنامي لهذه القطاعات (المدنية والسياسية والنخبوية)،  إلّا أن عمر الإنقسام السّياسي الفلسطيني الطّويل عمل على تغذية وتعزيز حالة الإنقسام الأيديولوجي بين أفراد المجتمع ، لا بل إنّه أنتج ما يقرب على تشكيل قطب ثالث هو أبعد ما يكون عن ثنائيّة قطبيّة فتح وحماس وبرامجهما السّياسيّة التقليديّة.

 بعيداً عن هذا وذاك، فهذه الحالة التعدّديّة والتي لها ما لها وعليها ما عليها لا شكّ أنها أنتجت حاجة فلسطينيّة ملحّة لإعادة هيكلة النّظام السّياسي الفلسطيني، على أن يصبح نظاماً سياسيّاً قادراً على خلق آليّات سياسيّة جديدة قادرة على منح دور ملموس لكافّة هذه القطاعات في دورة الحياة السّياسيّة والخدميّة الوطنيّة، سواءً كان ذلك في الضّفة الغربيَة أو قطاع غزة.

لقد انعقد الأمل كثيراً لدى الأحزاب السّياسيّة ولدى الكثير من أبناء القطاعات المختلفة، على الإنتخابات الفلسطينيّة العامّة (المؤجّلة) كأداة ديمقراطيّة متاحة، لتكون مفتاح دخول لمعترك إنهاء حالة الإنقسام السّياسي؛ لكنّ إرهاصات الإعلان عن إجرائها مع ما رافق ذلك من ازدحام في تشكيل الكتل الانتخابيّة ومن انقسامات حزبيّة هنا وهناك، إنما أبرزت هذه الإنقسامات صورة أكثر وضوحاً لحالة الإنقسام التعدّدي التي يعيشها النّظام السّياسي الفلسطيني.

وانطلاقاً من إرهاصات هذه العمليّة الإنتخابيّة المؤجّلة وظهور هذه الصورة التعدّديّة الجديدة التي تعيشها الحالة الفلسطينيّة والتي برزت بشكل أكثر وضوحاً قبيل إعلان الرّئيس الفلسطيني تأجيل الإنتخابات؛ يمكننا الوقوف على بعض النّتائج التي تلزمنا جميعاً لكي نتوافق على نظام سياسي فلسطيني قادم وقادر على إدارة دفّة الإنقسامات الفلسطينيّة بجميع أشكالها، بطريقة  يستطيع من خلالها الكلّ الفلسطيني أن يلعب دوراً سياسياً فاعلاً في إدارة الحياة المدنيّة والسّياسيّة الفلسطينيّة:

  • فتح وتخوّفاتها من فقدان زمام الحكم

لقد أثبت قرار الرّئيس الفلسطيني بتأجيل الإنتخابات العامّة بعدما كانت على الأبواب بعد غياب دام 15 عاما–  أثبت أن حركة فتح متوجّسة من فقدان التأييد الشّعبي الذي حافظت عليه لسنوات عديدة، منذ إنطلاقتها وحتّى آخر إنتخابات تشريعيّة فلسطينيّة عامّة عام 2006م . فخوفاً منها على إرثها النّضالي الذي أمسكت من خلاله بزمام القوّة والقيادة للحالة النّضالية الفلسطينيّة في فترة ليست ببعيدة من مسيرة النّضال الفلسطيني عموماً، تتخوّف الآن حركة فتح ومن يدور في فلكها من فقدان زمام الحكم. خاصّة أنها فقدت سابقاً كثيراً من عناصر قوّتها السّياسيّة والعسكريّة سواءً على الصّعيد الوطني أو الدّولي. إلّا أن ما يجب التّأكيد عليه والإعترف به، أنه وبرغم حالة التّشرذم السّياسي الدّاخلي الذي أصاب هذه الحركة إلّا أنّها ما زالت تتمتّع بجمعٍ من الأنصار والمؤيّدين لا يستهان به داخل قطاعات عديدة من قطاعات المجتمع الفلسطيني، إضافة الى ما تتمتّع به هذه الحركة من الإمساك بعناصر القوّة المختلفة، سواءً كان ذلك في أجهزة الدّولة الإداريّة أو الأمنيّة، ومن الغباء والسّذاجة بمكان إنكار ذلك أو غضّ الطّرف عنه.

  • حماس وأزمة الحكم

لا شكّ أن سيطرة حماس على مقاليد حكم قطاع غزة منذ الإنقسام وحتّى يومنا هذا؛ شكّل وما زالأزمات عديدة أمام الحركة سواءً كانت أزمات خدماتيّة أو أمنيّة أو سّياسيّة،  تلك الأزمات التي عايشتها و تعايشها الحركة، كانت وما زالتتشكّل أحد المحرّكات الرئيسيّة وراء انفتاح حماس على غالبيّة مقترحات المصالحة والوفاق لإنهاء الإنقسام وعودة التمثيل السّياسي الفلسطيني الجامع، فجميع العوامل السّياسيّة الوطنيّة والإقليميّة والدوليّة وقفت عائقاً أمام إستمرار حكم حماس للقطاع منفردة. وكما هو الحال بالنّسبة لحركة فتح وعمقها في الضّفة الغربيّة، يستوي الأمر مع حماس في قطاع غزّة، فمن الغباء والسذاجة بمكان أيضاً، إنكار ما لهذه الحركة القطبيّة من عمق جماهيري وتملّك لعناصر قوّة تكاد تفتقدها السّلطة الفلسطينيّة الرّسميّة.

تعددية الاقطاب

لقد أفرزت الإنتخابات الفلسطينيّة المؤجّلة صورة جديدة فاعلة لقطاعات متعدّدة من قطاعات المجتمع الفلسطيني والتي انطوت سابقاً تحت مظلّتي حماس وفتح، وهو ما يعدّه البعض أمراً تعدّدياً ايجابياً في النّظم الدّيمقراطيّة، وما يعدّه آخرون سوءة من سوءات هذه النّظمإلّا أنّنا نراه يحمل ميزتين متداخلتين؛ ففي الوقت الذي يعتبر التعدّد أحد أركان النّظام الديمقراطي، إلّا أنّه وفي الحالة الفلسطينيّةيعاب عليه غياب التجانس اللّازم بين هذه الأقطاب لغايات إستقرار الحكم. فمن جهة، غابت حالة الإستقطاب الثّنائي التقليدي الأيديولوجي بين فتح وحماس، ومن جهة أخرى ظهرت أقطاباً سياسيّة جديدة على السّاحة الفلسطينيّة تحمل في غالبيّتها أيديولوجيّات وبرامج جديدة تخرج عن المظلّة الأيديولوجية التقليديّة والتي سيطرت على الحياة السّياسيّة الفلسطينيّة لفترة طويلة من الزمن. إن هذا القطاعات الجديدة لا بدّ أن تجد لها مكاناًشئنا أم أبيناتحت مظلّة النّظام السّياسي الفلسطيني القادم.

صحيح أنّنا رأينا الإنتخابات الفلسطينيّة (المؤجلة) مفتاحاً ذهبيّاً لإنهاء الإنقسام الفلسطيني وإعادة هيكلة النّظام السّياسي الفلسطيني على طريقة النّظم الدّيمقراطية، إلّا أنّ عجزنا و\أو حالة الإنقسام المتعدّد التي أصابت نظامنا السّياسي وحالت دون إتمام هذه الإنتخابات. ومن الأهميّة بمكان في ظلّ هذا التأجيل أن لا نتّخذه ذريعة وعائقاً أمام تقدّم الرّؤية الإستراتيجيّة المتمثّلة في إصلاح نظامنا السّياسي عبر توافقات سياسيّة فلسطينيّة قادمة عليها أن تأخذ بعين الإعتبار ما يلي

  • الإعتراف بوجود حالة التعدّديّة الفلسطينيّة التي أنتجتها إرهاصات الإنتخابات المؤجّلة وما قبلها. مع الإعتراف بوجود مصالح متناقضة حتّى يتمكّن النّظام السّياسي القادم من استخدام الإنقسام التعدّدي كأساس لإطلاق نظام ديقراطي متماسك لاحقاً، وذلك بغية خلق استراتيجيّة فلسطينيّة قادرة على إدارة الشّأن الفلسطيني لحين الخروج من حالة الإنقسام.
  • التشاركيّة في الحكم بعيداً عن المركزيّة الإدارية، فللجميع دور ما في منظومة الحكم.

وحتّى لا يصبح إلغاء الإنتخابات أو إرجاء إجرائها عاملاً إضافياً من عوامل الإنقسام الفلسطيني، يجب علينا جميعاً القفز الى الأمام بالذّهاب الى توافقات سياسيّة تشاركيّة في مؤسّسات الدّولة، علّ هذه التوافقات أن تشكّل طريقاً ناجعاً للخروج من حالة الإنسداد السّياسي الوطني والدّولي التي تعيشها القضيّة الفلسطينيّة.