“مباط عال”: حزب الله و”حارس الأسوار” – دلالات أولية

“مباط عال”: حزب الله و”حارس الأسوار” – دلالات أولية

 شجون عربية_ بقلم: أورنا مزراحي ويورام شفايتسر – باحثان إسرائيليان في معهد الأمن القومي

منذ بداية عملية “حارس الأسوار” التي بدأت في 10 أيار/مايو كان واضحاً أن حزب الله غير معني بفتح جبهة قتال إضافية في الشمال، وامتنع من المشاركة في المعركة العسكرية ضد إسرائيل. يعود هذا في الأساس إلى رغبته في السيطرة على توقيت وظروف المواجهة العسكرية مع إسرائيل، بما يتلاءم مع اعتباراته ومصالحه، سواء كانت داخلية لبنانية أو خارجية إيرانية إقليمية، وليس الالتزام بتوقيت تفرضه المصلحة الفلسطينية. التوقيت الحالي لا يناسب حزب الله بسبب الوضع الصعب في الدولة اللبنانية المنهارة وازدياد الانتقادات الداخلية له، وكذلك عدم رغبة الراعي الإيراني في عرقلة المفاوضات التي تتقدم بعد عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، ورغبة إيران في المحافظة على الذراع العسكرية اللبنانية التي بنتها طوال العديد من الأعوام من أجل مواجهتها العسكرية مع إسرائيل.

طوال أيام القتال بقي حزب الله بعيداً نسبياً عن الأنظار واكتفى بالتعبير عن التأييد والتضامن مع “حماس” في صراعها من أجل القدس. وقد شجع مع الفصائل الفلسطينية التظاهرات في شتى أنحاء لبنان، وفي الأساس على طول الحدود مع إسرائيل، والتي شملت أعمال عنف، بينها مهاجمة العائق الحدودي والمعدات التكنولوجية عليه، وحتى محاولات التسلل إلى أراضي إسرائيل التي أحبطها الجيش الإسرائيلي.

لكن الأخطر من ذلك كانت الحوادث الثلاث لإطلاق الصواريخ من لبنان على إسرائيل:

في 13 أيار/مايو أُطلقت 3 صواريخ من كفركلا وسقطت في البحر. فسارع الجيش اللبناني إلى فرض وجوده على الأرض موضحاً أن مصدر الصواريخ طرف فلسطيني، وأنه منع إطلاق المزيد من الصواريخ وألقى القبض على مشتبه بهم.

في ليل 17 أيار/مايو أُطلقت 6 صواريخ من منطقة كفرشوبا، لكنها سقطت في الأراضي اللبنانية. وردّ الجيش الإسرائيلي بقصف مدفعي على المنطقة من دون وقوع ضحايا في الأرواح وأصاب أنابيب المياه بأضرار. الجيش اللبناني حدد هذه المرة منطقة إطلاق الصواريخ وعثر على صواريخ لم تُطلَق وأعلن البدء بالتحقيق.

في 19 أيار/مايو أُطلقت 4 صواريخ من صدّيقين في منطقة صور تخطت هذه المرة الحدود إلى إسرائيل: جرى اعتراض صاروخ، وسقط آخر في منطقة شفاعمرو، وإثنان في البحر. وعثر الجيش اللبناني على صاروخ خامس لم يُطلَق، وهذه المرة أيضاً رد الجيش الإسرائيلي بقصف مدفعي محدود في اتجاه مصدر إطلاق النار.

في كل حادثة إطلاق صواريخ سارعت الجهات الأمنية اللبنانية إلى التوضيح أن المسؤول أطراف فلسطينية، وحتى الآن لم تُعرَف بوضوح هوية الفصائل الفلسطينية المقصودة. وسارع حزب الله إلى إعلان عدم مسؤوليته، كما دحض نعيم قاسم أي علاقة للحزب بإطلاق الصواريخ. على الرغم من ذلك، يمكن التقدير أنه نظراً إلى كون حزب الله هو الطرف العسكري المهيمن في لبنان إلّا أنه كان قادراً على منع إطلاق الصواريخ لو شاء ذلك، أو على الأقل أن يوضح لمن أطلق الصواريخ بصورة مستقلة أنه لا يسمح له بذلك لأنه سيجر لبنان وحزب الله إلى مواجهة عسكرية يمكن أن تشعل حرباً واسعة. من المحتمل أن الحزب اختار غض النظر وحتى المساعدة في القصف من خلال الحرص على أن يبقى محدوداً ورمزياً، ولإظهار التعاطف مع الشريك الفلسطيني، في ضوء الانتقادات التي وُجهت إليه لعدم انضمامه إلى النضال الفلسطيني، وفي الوقت عينه منع التصعيد. يشير غض النظر من جانب حزب الله إلى أن الحزب مستعد للمخاطرة كما أثبت في الماضي، على الرغم من الثمن الباهظ الذي من المتوقع أن يدفعه نتيجة احتمال التدهور إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل. يأتي هذا بعد عدد من محاولات هجوم نفذها الحزب في السنة الماضية ضد الجنود الإسرائيليين انتقاماً لمقتل مقاتل من الحزب في سورية في تموز/يوليو السنة الماضية، والذي هدد الحزب في إثره بالانتقام لمقتله.

وقعت عملية أكثر خطورة من الحدود السورية تحديداً عندما أُطلقت منها مسيّرة مزودة بالذخيرة أسقطها الجيش الإسرائيلي. بالاستناد إلى تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، جرى القصف بمبادرة من إيران من العراق أو من سورية. إذا كان هذا صحيحاً فمن المحتمل أن تكون إيران شريكة في إطلاق الصواريخ، وهي التي أمرت به من أجل خلق انطباع بأنها تشارك في الجهد الفلسطيني بثمن زهيد نسبياً. وباستثناء إطلاق المسيّرة الوحيدة من سورية، حرص الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية في العراق واليمن على الاكتفاء بتصريحات تأييد وتضامن مع النضال الفلسطيني ضد الاحتلال من دون التدخل فعلياً في القتال.

بالنسبة إلى حزب الله، تشير الطريقة التي اختارها خلال العملية العسكرية على غزة بوضوح إلى الأهمية التي يوليها لأن يكون هو مَن يملي توقيت وظروف المواجهة مع إسرائيل وليس عناصر خارجية، بينها الشركاء الفلسطينيون. لا يزال الحزب يركز على مواصلة تعاظُم قوته العسكرية وترسيخ “معادلة الردع” الموسعة إزاء إسرائيل، بحيث تشمل منع هجمات إسرائيلية ضد مقاتليه في سورية كما في لبنان. ضمن هذا السياق يمكن تفسير تشديد الناطقين بلسان الحزب في تصريحاتهم على إنجازات “حماس” التي  في رأيهم انتصرت في المعركة ونجحت على ما يبدو في خلق معادلة ردع جديدة تربط بين المس الإسرائيلي بالحرم القدسي وبالقدس الشرقية، وبين إطلاق النار من قطاع غزة على إسرائيل.

المعركة بين إسرائيل و”حماس” أتاحت لحزب الله ولرعاته في إيران فرصة فحص الاستراتيجيا الإسرائيلية في زمن مواجهة عسكرية والتعلم منها ما هي نقاط قوة إسرائيل ونقاط ضعفها. ومن المعقول أن نتائج هذه المواجهة ستُدرس وستؤخذ في الاعتبار في قراراتهم المستقبلية بشأن احتمالات المواجهة مع إسرائيل في الساحة الشمالية. درس أساسي بالنسبة إليهما هو قوة الجيش الإسرائيلي مع التشديد على القدرة التدميرية لسلاح الجو الإسرائيلي وكثافة عملياته، واستعداده للتسبب بدمار واسع النطاق يشمل البنى التحتية المدنية رداً على قصف مدن ومواطنين إسرائيليين. يمكن التقدير أن المعركة في غزة أوضحت للحزب أن “عقيدة الضاحية” في حرب لبنان الثانية ليست حادثة منفردة، وعندما تُهاجم إسرائيل وتقاتل دفاعاً عن نفسها فإنها تعمل انطلاقاً من شرعية ضرب أهداف عسكرية في بيئة مدنية- بصورة يمكن أن تُلحق أضراراً كبيرة بالخصم. في وضع لبنان سيؤدي رد إسرائيلي بهذا الحجم إلى الانهيار الكامل للدولة التي تعاني جرّاء وضع صعب اليوم.

في المقابل، كشْف قدرات الجيش الإسرائيلي يمكن أن يشجع حزب الله على بلورة رد لمواجهتها وتوظيف جهد في تطوير قدرات من نوع تحسين دقة الصواريخ لديه وبناء مظلة دفاعية في مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، أو محاولة التشويش المسبق على عملياته. كشْف نقاط الضعف في جهوزية الجبهة الداخلية الإسرائيلية الذي تجلى أيضاً في القصور الواسع في تأهيل الملاجىء، سواء في جنوب إسرائيل أو في شمالها، لم يغب بالتأكيد عن أنظار كل الأطراف في الساحة الشمالية. كذلك زعزعة نسيج العلاقات بين العرب في إسرائيل والسكان اليهود في المدن المختلطة، والتي يمكن أن تشجع حزب الله على دعوة الجمهور العربي في إسرائيل إلى استخدام العنف في زمن مواجهة عسكرية، في الأساس في سيناريو حرب متعددة الجبهات تشمل إطلاق النار من قطاع غزة.

بالنسبة إلى إسرائيل، على الرغم من أن حزب الله يبدو مرتدعاً في الوقت الحالي، فإن نهاية العملية في غزة تتطلب، لا بل تفرض على الجيش الإسرائيلي العودة إلى الاهتمام بالتهديد المركزي الذي يواجهه في الجبهة الشمالية من طرف حزب الله والمحور الشيعي. المطلوب من الجيش إبداء جهوزية ويقظة في هذه الساحة وتحديد موعد جديد للتدريب العسكري المتعدد الأذرع “عربات النار” الذي تأجل بسبب الأحداث على الساحة الفلسطينية.

مع وتيرة الأحداث التي تقع في مختلف جبهات المواجهة مع إسرائيل، ليس واضحاً في هذه المرحلة ما إذا كانت الخلاصات التي استخلصها حزب الله وإيران من المعركة القصيرة بين إسرائيل و”حماس” ستشجع التنظيم اللبناني على محاولة استفزاز إسرائيل من خلال تنفيذ تهديدات نصرالله بالانتقام لمقتل أحد عناصر الحزب والمخاطرة بمواجهة يمكن أن تتصاعد كما أثبتت إسرائيل في ردها على إطلاق “حماس” صواريخها على القدس، أم ستُضعف تحديداً استعداده للمخاطرة بردّ قوي على حادث محلي.

المصدر: صحيفة مباط عال الإسرائيلية