شبلي شميّل نحو حداثة تنويريّة

شبلي شميّل نحو حداثة تنويريّة

د.عماد عبد الرّازق _ كاتب وأكاديمي من مصر/

يُعدّ شبلي شميّل أحد روّاد النهضة في العالَم العربيّ، الذين أخذوا من المَذهب العِلميّ التطوريّ مَنهجاً لهم في دراسة مشكلات الوطن العربيّ في عصرهم. فقد أخذ شبلي شميّل على عاتقه مهمّة تغيير العالَم العربيّ من خلال أعماله المنشورة، سواء أكانت كُتباً أم مقالاتٍ في مجلّات أو يوميّات. ومن هنا حاولَ تنوير العقول الشرقيّة (العربيّة) من خلال طرْح أهمّ مشكلات عصره، مُتجاوِزاً العقبات بتسليط الضوء عليها والعمل على إزالتها.

في هذا السياق نُشير إلى أنّ شبلي شميّل قد اجتهد في فهْم المجتمع العربي من خلال المنهَج التطوّري الذي تبنّاه وطبَّقه على جميع الموضوعات المطروحة للنقاش. ولعلّ من أهمّ الموضوعات التي عالَجها شميّل: التربية، والمرأة، والدّين، وحريّة التعبير، وإصلاح القضاء، والاشتراكيّة. وبناءً على ذلك، رأى أنّ الحلّ الأمثل والعلاج الأنجع لمعظم قضايا الوطن العربي يكونان بتبنّي رؤية تطوريّة. ولمّا كان التطوّر في المجتمع شيئاً حتميّاً، فإنّ ذلك لا يمنع من تسريع وتيرة التغيير، وعدم جعْل الحتميّة البيولوجيّة والجدليّة التاريخيّة تعملان لوحدهما.

لقد كان من الضروري، من وجهة نظر شميّل، أن يُسهِم الفرد العربي في دفْع عجلة التغيير والتحديث، مع التشديد على أنّ ذلك لن يحدث إلّا إذا وعى الفرد العربي أسباب التخلُّف والتقهقر، والعوائق التي وقفت حجر عثرة أمام التطوّر. لذلك كان شميّل حريصاً على ذكر كلّ العوائق التي تسبَّبت في تقهقر الشرق بعامّة والعرب بخاصّة؛ حيث كان ينقص الفرد الشرقي التعلُّم بالدرجة الأولى، وحتّى إذا توافَر ذلك، فقد كانت العقول الجامدة والمُقلِّدة تُهَيمِن على المناهِج رافِضةً كلّ تغيير. كما كانت تركِّز على الموضوعات الدينيّة وتُحاوِل شرح العلوم الطبيعيّة الوضعيّة بمنظور العلوم الدينيّة، في مُحاولةٍ للتوفيق بينهما. وقد ترتَّب عن ذلك أمرٌ خطير هو أنّ المعرفة أصبحت تدور في فضاءٍ فارغ بسبب ركود العقل واتّباع الأوهام، والابتعاد عن المعرفة الموضوعيّة والعلوم التجريبيّة المستقلِّة عن العقائد القديمة الضارّة بكلّ تقدّم. ومن هنا حاولَ شميّل أن يُلقي الضوء على أهمّ العقبات والعوائق المسؤولة عن تخلُّف الشرق والعرب على وجه الخصوص. فكانت الأسباب مُتعدِّدة برأيه ومتنوِّعة، ولعلّ أهمّها انتشار الأميّة والاستعمار، والاستبداد السياسي، وتكاسُل المثقّفين وتقاعسهم عن القيام بالدَّور المنوط بهم. ولقد أشار إلى تلك الأسباب مجتمعةً في مقالةٍ له في جريدة “البصير”، حيث لخَّص الوضعيّة بعبارة موجَزة بليغة وصفَ بها المشرق العربي بأنّه “ميّت في صورة حيّ”، وعدَّد الأسباب المحوريّة في تأخُّر الشرق وتخلّفه وعدم أخْذه بأسباب الحداثة والتنوير، آخذاً بعَين الاعتبار طبيعة البلد وأثرها في الإنسان، وفي مسألتَيْ التقدُّم أو التخلُّف. فخصوبة الأرض برأيه هي من العوامل المُشجِّعة على الخمول والكسل وحُبّ الملذّات، وهذا الواقع هو عكس المناطق التي يعيش أهلها في قسوة الطبيعة، حيث تُساعدهم هذة القسوة ليكونوا أقوياء وأشدّاء، ولكي يعملوا بجدّ ومن دون تراخٍ.

من الأسباب المحوريّة لتأخُّر الشرق وتخلُّفه كما يرى شميّل، أنّ البنية الفوقيّة للشرق ضعيفة نظراً إلى ندرة العِلم فيه ورداءته، فضلاً عن هَيْمَنة الأوهام على الذهنيّات، وقمّع الفكر والمُفكّرين والتضييق عليهم، وكبْت الحريّات الثقافيّة. فهذا كلّه أدّى إلى تقهقُر الشرق وتخلّفه عن الركب الحضاري. كما ردَّ شميّل التخلُّف الحضاري في الشرق إلى خموله وتكاسله عن الأخذ بمُنجزات التقدُّم العِلمي وسُبل التطوّر الحضاري؛ إذ إنّ الشرق العربي أصبح سجين التراث القديم، وحبيس النظريّات والأفكار القديمة التي تبنّاها السلف من الأجداد القدماء. ولعلّ العنصر المحوري الذي أدّى إلى تأخُّر المشرق العربي هو تقاعُس المُفكّرين والمُثقّفين العرب عن القيام بدَورهم في تنوير العقول، ومُحاولة بعث اليقظة الفكريّة من جديد في وجدان الشعوب. وهذا مرتبط تماماً بالتعليم في الوطن العربي، بوصفه تعليماً قائماً على الحفظ والتلقين، لا على الابتكار والإبداع و التفكير النقدي.

انتقدَ شميّل أيضاً العِلم الذي لا يقوم على أُسس النشوء والارتقاء، أي على العِلم الطبيعي الحديث. فرأى أنّ هذا العِلم لم يكُن مُنتشِراً في العالَم العربي لأنّ المَدارس لا تزال تُعلِّم العلوم العقليّة الأدبيّة فقط، من دون الاهتمام بالعلوم التجريبيّة. ولعلّنا نشير في هذا السياق إلى أنّ سبب عدم نشر هذا العِلم والتطوّر في المَدارس الشرقيّة يرجع إلى التخوُّف ممّا هو جديد، فيما يَمنع الخوفُ على الدّين المَدارسَ من تعليم مذهب التطوّر. من هنا حذَّر شميّل من عرقلة العِلم الطبيعي الجديد (أي النشوء والارتقاء) بحجّة الدّين، لأنّ حرمان الأجيال من تعلُّم هذا العِلم، يتسبَّب في خسارة كبيرة، نظراً لما يتضمّنه من فوائد كثيرة، حيث يشمل العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة معاً.

ببعد إلقاء الضوء على العقبات القائمة أمام تأخُّر المشرق العربي وأسبابه، يُقدِّم شميّل بعض الحلول والمُقترحات الفعّالة لكي يخرج الشرق من كبوته وتخلُّفه الحضاري. ولعلّ من أهمّ هذه الحلول إصلاح التعليم، والاهتمام بالتعليم النظري والعَملي في آن، أي العلوم الإنسانيّة والعلوم التجريبيّة. وكذلك إدخال مَناهج تأخذ بعَيْن الاعتبار نظريّة النشوء والارتقاء. فيدعو إلى تعليم هذا العِلم في المراحل الثانويّة و الجامعيّة، لأنّ نهضة الشعوب في الشرق لن تتمّ إلّا بنظريّة التعلُّم، كما يدعو أيضاً إلى إطلاق العنان لحريّة القول والحريّة الفكريّة، التي تجعل المفكّرين والمُثقّفين يقومون بأداء أدوارهم المنوطة بهم في إصلاح المجتمع، وتحرير العقول من الأوهام والخرافات، والاهتمام كذلك بتعليم المرأة لأنّه ذو أثرٍ إيجابي على تقدُّم المُجتمعات والشعوب، لِما لدَور المرأة من أهميّة في تقدُّم المجتمع واللّحاق بركب الحضارة، ناهيك بضرورة الانفتاح على الغرب لِما حقَّقه هذا الأخير من مُنجزات عِلميّة كبيرة، والأخذ بتقنيّاته الحديثة، ومنجزاته العِلميّة، أو منجزات الحداثة عموماً.

من الحلول التي يقدّمها شميّل أيضاً الاشتراكيّة. فالاشتراكيّة لم تَسلم لديه من نواميس النشوء و الارتقاء. والاشتراكيّة الصحيحة هي التي تؤسَّس على مبدأ العلوم الطبيعيّة.

هكذا، حاولَ شبلي شميّل أن يُلقي الضوء على أسباب تخلُّف المَشرق العربي عن ركب الحضارة، و أن يُشخِّص داءات تأخُّر المَشرق عن اللّحاق بالتقدُّم الحضاري بعَينٍ بصيرة وثاقبة وموضوعيّة، ومن دون تعصّب أو انفعالٍ عاطفي. كما حاول أن يضع حلولاً للخروج من الأزمة، لعلّ أبرزها إصلاح التعليم. فالأُمم لا تنهض إلّا بالتعليم، فالتعليم هو قاطرة التقدّم والتحضّر، وتأخّره هو التأخّر عن اللّحاق بالحضارة والحداثة. فلا نهضة ولا حداثة ولا تنوير إلّا بإصلاح التعليم، وجعْله في خدمة البشريّة، وحلّ قضايا المجتمع الإنساني.