“مباط عال”: علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل بعد عملية “حارس الأسوار”

“مباط عال”: علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل بعد عملية “حارس الأسوار”

شجون عربية _ بقلم: إلداد شافيط – باحث  إسرائيلي في معهد دراسات الأمن القومي

  • عملية “حارس الأسوار” فاجأت الإدارة الأميركية. تعيين سفير في إسرائيل وقنصل عام في القدس (دليل ثقة بالعلاقات مع السلطة الفلسطينية) تأجل بعد دخول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، ولم تكن إدارته تنوي وضع قضية النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني في رأس سلّم أولوياتها، مع أنها عملت على ترميم العلاقات مع الفلسطينيين وفتح الباب مستقبلاً أمام إمكان الدفع قدماً بحل الدولتين. المواجهة العنيفة التي نشبت بين إسرائيل و”حماس” فرضت على الإدارة الأميركية بسرعة بلورة سياسة وتوظيف الكثير من الوقت للحث على التهدئة، خلال العملية وفوراً من بعدها:
  • دعم الرئيس بايدن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها وامتنع بقدر الممكن من انتقاد خطواتها علناً. في المقابل بذل جهداً دبلوماسياً كبيراً حيال إسرائيل والدول العربية، وبصورة خاصة مصر، للدفع قدماً بمخطط لوقف إطلاق النار. ويبدو أن الضغوط على إسرائيل ازدادت فقط عندما بات واضحاً للإدارة الأميركية أن المعركة العسكرية قد استُنفدت بالكامل.
  • بعكس أحداث مشابهة في الماضي، لعب الكونغرس دور “الشرطي الشرير” واستخدم الضغوط على الإدارة للتشدد في سياستها إزاء إسرائيل، وفي الأساس الضغوط من الأجزاء التقدمية في الحزب الديمقراطي كانت كبيرة.
  • وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وصل إلى المنطقة للعمل على ترسيخ التهدئة، وعلى ما يبدو من أجل تشجيع الجهود لبلورة مخطط إعادة إعمار قطاع غزة. في المقابل كررت إدارة بايدن والرئيس القول إن شيئاً لم يتغير في الالتزامات الأمنية إزاء إسرائيل، لكنهما شددا على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لإنهاء النزاع، وأن للإسرائيليين والفلسطينيين الحق في الحصول على فرص متساوية في العيش الآمن والكريم.”

بعد عملية “حارس الأسوار” سيكون على إسرائيل بلورة سياستها، وأن تأخذ في حسابها المسائل التالية:

  • على ما يبدو وبعكس التقديرات السابقة، يوجد في البيت الأبيض اليوم رئيس صديق حقيقي لإسرائيل يعتمد نهجاً يستند إلى أعوام من التجربة السياسية والمعرفة العميقة بحاجة الولايات المتحدة إلى تأمين مصالح إسرائيل الأساسية في كل ما يتعلق بحاجاتها الأمنية. مع ذلك، هذا الفهم لا يعني أن الرئيس وإدارته سيوافقان تلقائياً على كل خطوة تقوم بها حكومة إسرائيل. ومثل الإدارات السابقة فإن كل الخطوات التي ستقوم بها إسرائيل ستُدرَس في ضوء المصالح الأميركية والتفسيرات التي ستقدَّم للمصالح الإسرائيلية. في هذا السياق يتعين على إسرائيل عند اتخاذ القرارات أن تدرس مسبقاً النهج المتوقع للإدارة الأميركية.
  • أيضاً إذا تمسكت الإدارة الأميركية بسلّم أولوياتها فقد أثبتت التطورات الأخيرة لها أن الشرق الأوسط يجذبنا إليه حتى لو لم نكن مهتمين به. يبدو أنه على الأقل في المرحلة المقبلة ستكون الإدارة الأميركية منخرطة في محاولات بلورة مخطط عمل يسمح بتثبيت الوضع في قطاع غزة بهدف منع تجدد أعمال العنف. لقد شدد وزير الخارجية بلينكن قبل زيارته إلى المنطقة على أن الهدف الآن هو “بناء وسائل ملموسة تسمح بأمل جديد حقيقي وتقدّم فرصاً للناس.” وبحسب كلامه، في المرحلة الأولى سيكون هناك حاجة إلى مواجهة الوضع الإنساني الخطر في غزة من خلال إقناع الدول بدعم إعادة إعمار المنطقة وتطويرها. في المقابل، ستستأنف الإدارة علاقاتها مع الفلسطينيين وستواصل الحوار الدائم مع إسرائيل. مع ذلك من المتوقع أن تواجه هذه الإدارة صعوبات، سواء بسبب التشريعات التي تقيّد قدرتها على مساعدة الفلسطينيين، أو على ما يبدو بسبب رفض الفلسطينيين بدء حوار معها قبل إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس.
  • من السابق لأوانه القول ما إذا كانت المواجهة بين إسرائيل و”حماس” ستدفع الإدارة الأميركية، بخلاف رغبتها السابقة، إلى المزيد من التدخل في القضية الفلسطينية. في هذه المرحلة تشدد الإدارة على أنه من المبكر التطرق إلى مبادرات سياسية لحل النزاع. مع ذلك، يكرر الرئيس بايدن والناطقون بلسانه أنه فقط لدى حلّ الدولتين فرصة في النجاح في تهدئة النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.
  • في الوقت عينه، يفرض سلوك المشرّعين الديمقراطيين على إسرائيل- بعد تركيزها في فترة الرئيس ترامب وفترة الرئيس أوباما على العلاقة بالحزب الجمهوري- بذل جهود أكبر لعودتها إلى مكانتها السابقة كمركز إجماع في الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة. لا تزال أغلبية المشرّعين الديمقراطيين في الكونغرس تتمسك بموقفها الداعم لإسرائيل. لكن المواقف الانتقادية لإسرائيل في الجناح التقدمي من الحزب الديمقراطي بدأت تتغلغل أيضاً إلى المشرّعين الذين ينتمون إلى التيار الوسطي. في هذا السياق تبرز الانتقادات غير المسبوقة التي أدلى بها السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، الذي يُعتبر من أبرز مؤيدي إسرائيل، في أعقاب تدمير مبنى الجلاء في غزة، الذي ضم أيضاً إلى جانب مكاتب الجزيرة مكاتب وكالة الأنباء الأميركية الأسوشيتد برس، إذ قال: “أنا قلِق جداً من تقارير عمليات عسكرية إسرائيلية في غزة أدت إلى مقتل مواطنين أبرياء وتدمير مقصود لمكاتب وسائل إعلام دولية.”
  • علاوة على ذلك، هناك مشرّعون ديمقراطيون، وعلى رأسهم السيناتور اليهودي برني ساندرز، يطلبون من الرئيس – الذي يعارض بشدة – اشتراط المساعدة العسكرية لإسرائيل بالدفع قدماً بحل النزاع. يُضاف إلى ذلك قيام عدد من المشرّعين الديمقراطيين خلال العملية بمحاولة فاشلة لوقف صفقة السلاح التي وافقت عليها الإدارة مع إسرائيل.
  • لقد دلّ سلوك الرئيس بايدن خلال العملية فعلاً على أنه قادر على الوقوف في وجه الضغط. لكن يجب أن نأخذ في الحسبان أن ليس في إمكان الرئيس وإدارته تجاهُل التيارات التي تزداد قوة داخل الحزب ووسط جمهور مؤيديه في شتى أنحاء الولايات المتحدة. فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب في شباط/فبراير 2021 ارتفاعاً في تأييد الفلسطينيين على الرغم من أن أغلبية الجمهور الأميركي تقف موقفاً إيجابياً من إسرائيل. كما يبرز أن الأغلبية في وسط الديمقراطيين ترغب في ضغط أكبر من جانب الولايات المتحدة على إسرائيل. وأظهر بحث أجرته جامعة ميريلاند ونشرته صحيفة الواشنطن بوست وجود أغلبية وسط الناخبين الديمقراطيين تطالب باتخاذ خطوات عقابية ضد إسرائيل بسبب المستوطنات. وبحسب البحث الأميركي، فإن عدداً كبيراً من الأميركيين مستعد اليوم للتخلي عن حل الدولتين ويفضل إسرائيل دولة ديمقراطية غير يهودية على دولة يهودية لا تمنح الفلسطينيين حقوق المواطنة. أكثر من  ذلك، يجب ألّا يغيب عن البال أن المزيد من المشرّعين الديمقراطيين يستوعبون الحديث المتزايد وسط جمهور الناخبين الديمقراطيين، والذي يربط بين النضال من أجل حقوق الإنسان في الولايات المتحدة ونضال الفلسطينيين من أجل الحصول على حقوقهم.
  • لقد قال الرئيس بايدن فور بدء عملية “حارس الأسوار” إن الحزب الديمقراطي مستمر في تأييده لإسرائيل، لكنه اضطر في أثناء العملية إلى توظيف جهود في مواجهة حزبه. التوتر بين التوجه الأساسي للرئيس المؤيد لإسرائيل والتناقض الذي ينطوي عليه هذا الموقف مع الأهمية التي يوليها الرئيس وإدارته لحقوق الإنسان، أجبره على المناورة خلال العملية، في الأساس عندما عرض موقفه أمام خصومه في الساحة الدولية، وبصورة خاصة في مواجهة الصين عندما اتهمه وزير الخارجية الصيني بالنفاق، على خلفية الانتقادات الأميركية لسياسة الصين في سنغافورة، بينما تسكت الإدارة الأميركية على الانتهاكات الإسرائيلية في غزة. ومن المتوقع أن يواصل بايدن، في ضوء صداقته والتزامه العميق بإسرائيل، صد المطالب غير العادية لأعضاء حزبه، لكن كونه بحاجة إليهم للدفع قدماً بجدول أعمال إدارته يمكن أن يجعله يواجه تحديات معقدة.
  • علاوة على أن سلوك الإدارة الأميركية خلال عملية “حارس الأسوار” أظهر الموقف الإيجابي للرئيس بايدن إزاء إسرائيل، فإنه أيضاً جسّد كما في الماضي الدور المركزي للولايات المتحدة في إدارة الأزمات التي تؤثر في المصالح الأمنية لإسرائيل. على هذه الخلفية، وكدرس مباشر، يتعين على حكومة إسرائيل أن تفهم، وأن تأخذ في اعتبارها مصالح الولايات المتحدة وحاجات الإدارة الأميركية. ومن أجل تقليص المفاجآت ومنع الفجوات بين مواقف الدولتين، يتعين على إسرائيل إجراء حوار استراتيجي متواصل وبنّاء، يمكن في إطاره التأثير في الإدارة، وبصورة خاصة أن تفهم المصالح الأميركية بطريقة أفضل. في هذا السياق، نوصي إسرائيل بتبني نهج يؤدي إلى التقرب من الولايات المتحدة بقدر الممكن، وبعدم الدخول في مواجهة علنية معها، انطلاقاً من التقدير أن مطالبها تتطابق مع المصالح الإسرائيلية. بذلك تستطيع إسرائيل مساعدة الإدارة الأميركية على مواجهة التيارات المعادية لإسرائيل وسط الجمهور الأميركي، الذي من الصعب على إسرائيل التعامل معه مباشرة.

          المصدر: صحيفة مباط عال الإسرائيلية