في نقض صفة رهين المحبسين الّتي اتّصف بها أبو العلاء المعرّي

في نقض صفة رهين المحبسين الّتي اتّصف بها أبو العلاء المعرّي

شجون عربية _ بقلم: د. انتصار الدّنّان/

معظم الدّراسات الّتي كُتبت عن الشّاعر أبي العلاء المعرّيّ أكدت بأنّه كان رهين المحبسين، وهذا اللّقب صار ملازمًا له. فنحن إذ نقول رهين المحبسين، أو سجين المحبسين يتراود إلى أذهاننا بشكل كبير اِسم الشاعر أبي العلاء المعري حتى ولو لم نذكر اِسمه.
الباحثون أو الكتّاب الذين كتبوا عنه وأعطوه هذه الصفة اِستندوا على معطيات كثيرة من خلال شعره أكدت ذلك، وهي بالرجوع إلى فكرة أن أبا العلاء لحقته هذه الصفة لأنه أصيب بالعمى وهو في الرابعة من عمره، فكان هذا هو الحبس الأول، أما الثاني فكان لزومه بيته بعد أن قرر اعتزال الناس بعد عودته من بغداد حتى وفاته عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين.
الإشكالية التّي أريد أن أؤكدها هنا، وأؤكد فيها رأيي أنّ أبا العلاء المعري لم يكن رهين المحبسين، بل كان رهين ثلاثة سجون، لكن في البداية أريد أن أعرف بأبي العلاء المعرّي بإيجاز، وللعصر الّذي عاش فيه، وتأثير إصابته بالعمى عليه، ونشأته، ومن ثم وفاة أمه وما لاقاه من تصرفات أساءت إليه في بغداد، ومن ثم زهده في الحياة واِعتزاله النّاس.
عصر أبي العلاء
العصر الذي كان فيه أبو العلاء عَصرٌ ثائرٌ فائر؛ فبعد أن أَشعلَت “الفاطميةُ” القيروانَ والمغرب، وافق دُخولُ إمامها — المعز لدين الله — مصر عام مَولد المعري، وفي العَقدِ الذي وُلد فيه شيخ المعرة ودَرَج كانت جمعية إخوان الصفاء تَزدهِر وتنمو نُموَّ الصبي (٩٧٠–٩٨٠).
ثورات دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة كانت قبل ولادة أبي العلاء المعرّي، وترافقت تلك الثورات معه حيث اِفتتحت بمحنة العمى. وإنّ الفترة الّتي عاشها أبو العلاء تركت في تاريخنا عصارة الفكر العربي، وفيه بدأ العربيّ تتفتّح عيناه على الحضارة وتفلّت عقله من غلال الصّحراء وقيودها، وصار يتأمّل في معضلات الحياة، ورَأَى علومًا لا عهد له بها، فنشطت علوم الطب والصيدلة والكيمياء والحساب والهندسة والهيئة والحيل والتنجيم وغيرها. كما نشط علم الفلسفة، حيث إنه ظهر علماء كثر فلسفوا أمور دينهم، ولا يقبلون الأمور كما هي عليه؛ لأنّ العقل يرفض الكثير منها ولا يصدّقها.
كما كانت ثقافات مختلفة في تفاعُلٍ مستمر، فهناك ثقافةٌ نصرانية، وثقافةٌ يهودية، وثقافة إسلاميّة، وهناك الثّقافة الفارسية، وهناك المجوسية، والزرادشتية والمانوية والمزدكية، وهناك ثقافةٌ هندية قديمة.
كما كانت فرقة المعتزلة ومبتكرها النظَّام الذي كان يقول: إن القُرءان مُعجِز بالنسبة إلى عَصرِه، ولكن من الممكن أن يَتوصَّل البشر إلى تأليف مِثله، فهال هذا القول العلماءَ المؤمنِين، فانبَرَوا للدفاع والتأويل والتفسير، وظهرت المذاهب الأربعة والسُّنَّة والشيعة، ثم تنَاسلَت البِدَع والطُّرق فمَلأَت الأرض، فكانت المعتزلة والرافضية والقَدَرية والجَبْرية والخوارج والمُرجئة والمُعطِّلة.
ومن الشيعة، ظَهرَت الزيدية والكيسانية والإمامية والموسوية والإسماعيلية والفاطمية والسبيئية والباطنية والمُشبِّهة والحُلولية والقَرمَطية والصوفية، ومن كل فرقة اشتُقَّت عشَرات الفِرق.
كما كانت ثورات اجتماعية غذتها فرق دينية فهناك القرامطة، وهناك الفاطميُّون. وفي ظل كل هذه الظروف جاء أبو العلاء المعرّي.
أبو العلاء المعرّي
وُلِدَ أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنُوخي المعري المعروف ﺑ “أبي العلاءِ المعريِ” ( 363-449هـ/ 973-1057م) بمَعَرة النُّعْمان بسوريا، نشأ في بيت من بيوت العلم والفضل والأدب؛ فكان أبوه وأمه من ذوي الوجاهة والصلاح.
كان جده لأبيه، سليمان بن أحمد، قاضي المعرّة، وكان شاعرًا، أما أبوه فقد جمع بين الشعر والقضاء، وقد تتلمذ أبو العلاء في بداية عمره على يد أبيه الذي علمه القرءان، ولما أظهر الصغير قدرًا كبيرًا من الفطنة والذكاء مضى به والده إلى حلب.
فَقد بصره وهوَ صغير نَتِيجةً لمَرَضِه بالجدري. أخَذ علوم القراءات القُرْءانيةِ بإِسْناد عنِ الشيوخ، كمَا تَعلَّمَ الحَدِيثَ في سِن مُبكِّرة حيث درس في مدينة حلب، ومدينة أنطاكية، وتنقل في دراسته بين مدارس المدن السورية، فدرس الحديث، والأدب، والفقه، والشعر، والتفسير، وعلوم اللغة، كما درس النحو.
سافر أبو العلاء إلى وسط مدينة بغداد فأقام بِها سَنةً وسَبْعةَ أشْهر، وجمع فيها عددًا كبيرًا من الطلاب الإناث والذكور من أجل الاستماع إلى محاضراته عن النحو والشعر والعقلانية.
عاد إلى مدينة معرة النعمان في عام 1009م، وعمل في التصنيف والتأليف وهو في بيته. عاش أبو العلاء بعد أن اعتزل الناس زاهدًا في الدنيا بعيدًا عن لذاتها، وامتنع عن أكل لحم الحيوان وعن منتجاته؛ كالعسل، والسمن، والبيض، واللبن، كما أنه كان يلبس الثياب الخشنة. فلقبَ ﺑ “رَهِين المَحْبِسَيْن”؛ العمى والدار، ومن هنا أردت الاِنطلاق ونفي إثبات لقب ” رهين الحبسين” لأبي العلاء المعرّي، وهي العمى ولزومه بيته، وإثبات فكرة أنّه كان رهين ثلاثة سجون، ويتّضح ذلك من خلال قوله:”
أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني
فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي
وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ
في هذه الأبيات الّتي وردت يؤكّد فيها أبو العلاء أنّه يعيش في ثلاثة سجون، هي: فقده ناظره”العمى”، ولزومه بيته “الدار” بعد أن اِعتزل النّاس، وكون النّفس في الجسد الخبيث، أي النّفس الطّاهرة الّتي تذهب إلى عالم البرزخ بعد الموت، ويبقى الجسد الّذي يفنى ويبلى، علمًا أنّه كما يقال إنّ أبا العلاء هو الذي اِختار لنفسه لقب رهين المحبسين، وأحبّه كثيرًا، أي حبس نفسه بالمنزل وحبس بصره بالعمى. أما محبس العمى؛ فقد فُرض عليه فرضًا بالرّغم عنه، وأما المحبس الثاني؛ فقد فرضه أبو العلاء على نفسه بعد أن قرر اعتزال الناس وحبس نفسه في المنزل بعد عودته من طلب العلم في بغداد. وقد فرض أبو العلاء على نفسه السجن بالمنزل وعدم مخالطة الناس لأنه – كما يرى العقاد – قد أراد من الدنيا إما كل شيء وإما لا شيء؛ فهو كان لا يرضى من الدنيا إلا بالسيادة عليها، أو الإعراض عنها، فإما الملك وإما الرهبانية، ولا وسط عنده بين الأمرين، غير أنّه ناقض نفسه من خلال هذه الأبيات التي هو قالها أيضًا.
ومن خلال هذه الأبيات الثلاثة التي أوردها أبو العلاء، فأنا أميل إلى أنه رهين الثلاثة سجون، وليس رهين سجنين، بحسب ما أراد لنفسه.
قد يكون لقب رهين المحبسين شائعًا جدًّا، ويعرفه النّاس ويلقبونه به منذ أن كان على قيد الحياة، وقلائل ممن لا يدركون ذلك. كما أستند في كلامي هذا على ما قاله طه حسين الّذي رأى بأن أبا العلاء قد أصرّ على أنّه سجين ليس فقط عاهته، لكنه جعل لنفسه عزله في منزله الذي لم يغادره قط منذ أن قرر الاعتزال فيه مدة خمسين عامًا. أمّا السّجن الثّالث الّذي حبس أبو العلاء نفسه فيه فكان سجنًا فلسفيًّا غير مرئيٍّ.
ولم يكن السجن الفلسفي هو الشيء الوحيد الذي تشاركه أبو العلاء مع الفلاسفة؛ فبحسب قول عبّود كان عزوف أبي العلاء عن الزواج بسبب تأثره بفلاسفة اليونان، وخاصة أبيقور الذي كان يعتقد أن الصداقة هي الشيء الذي يمكن أن يعتمده الحكيم وسيلةً لتحقيق السعادة، وليس الحب.
على ذلك، يجدر القول بأن أبا العلاء الذي لقب نفسه برهين الحبسين إثر إصابته بالجدري، وهي العاهة الجسديّة التي رافقته حتى مماته، ليلقب نفسه برهين المحبسين، ثمّ ليرى نفسه لاحقًا رهين ثلاثة سجون لا في محبسين، وذلك من خلال الأبيات التي ذكرها.