“مباط عال”: الساحة الفلسطينية بعد عملية “حارس الأسوار”

“مباط عال”: الساحة الفلسطينية بعد عملية “حارس الأسوار”

|شجون عربية _ يوحنان تسوريف – باحث إسرائيلي في معهد دراسات الأمن القومي

  • انتهت عملية “حارس الأسوار” بعد 11 يوماً من القتال بوقف إطلاق للنار أعلنته مصر ووافقت عليه إسرائيل و”حماس”. وكما في الماضي، وعلى الرغم من الفجوات البارزة في مفهوم الخسائر في الأرواح وفي الأضرار المادية لمصلحة إسرائيل، إلّا إن “حماس” نجحت في تقديم صورة انتصار. لكن يبدو هذه المرة أن هذا الشعور يتجاوز كثيراً حدود قطاع غزة ليشمل الفلسطينيين كلهم في الضفة الغربية، وفي أراضي إسرائيل، وفي الشتات الفلسطيني. وتحظى “حماس” بتعاطف وسط جماهير كثيرة في الشرق الأوسط، وأيضاً في الساحة الدولية.
  • الصورة الداخلية الفلسطينية التي بدأت في الارتسام في أعقاب العملية تدل على تغيّر في موازين القوى التي تقود الساحة الفلسطينية، وعلى جمهور فلسطيني مستعد لتأييد الاستراتيجيا التي وضعتها “حماس” في هذه العملية، والخطوط الحمراء المتعلقة بالأقصى وتحقيقها. من المحتمل أن ما يجري هو بداية مسار سيؤدي إلى مشاركة “حماس” في اتخاذ القرارات، الأمر الذي يستوجب إعادة فحص النماذج والخطط والأفكار التي كانت مطروحة حتى الآن بشأن العلاقة بالساحة الفلسطينية وقيادتها.
  • بعد أشهر من دخول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2017، وكدرس من عملية “الجرف الصامد” في سنة 2014 التي خرجنا منها من دون الإحساس بالانتصار، تبنت “حماس” استراتيجيا مصالحة هدفها المشاركة في السلطة وفي عملية اتخاذ القرارات. في تشرين الأول/أكتوبر 2017 اقترحت الحركة تسليم السلطة الفلسطينية السيطرة المدنية على كامل قطاع غزة، خطوة رُفضت حتى الآن. أقرّ يحيى السنوار رسمياً بهذه السياسة في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة في أيار/مايو 2018. لكن هذه الخطوات لم توحّد الفلسطينيين ولم تقرّبهم، بل ازداد الضعف الفلسطيني. والمفارقة أن الضربات القاسية التي وجهتها إدارة الرئيس ترامب إلى الفلسطينيين عندما حاولت فرض سياستها عليهم مع علمها بأنهم لن يقبلوها، واتفاقات التطبيع التي وُقّعت بضغط منها مع إسرائيل، والتهديد بالضم في الضفة الغربية الذي لوحت به إسرائيل في نهاية ولاية ترامب- كل هذا أثمر تقارباً غير مسبوق بين كل الفصائل الفلسطينية.
  • بعد نقاشات متواصلة، أدى هذا التقارب إلى الاتفاق على إجراء الانتخابات. اعتبرت “حماس” انتخابات المجلس التشريعي جزءاً مركزياً من استراتيجيا المشاركة في السلطة، ووافقت حتى على إجرائها بشكل منفصل عن الانتخابات في المؤسسات الأُخرى – الأمر الذي جعل من الصعب على أبو مازن الاستمرار في رفضه إجراءها، وأصدر مرسوماً رئاسياً بالبدء بمعركة انتخابية ممتلئة بالأمل بالتغيير. لكن منذ إعلان أبو مازن في 30 نيسان/أبريل إلغاء [في الواقع تأجيل] الانتخابات عادت “حماس” إلى سياستها القديمة لتحقيق استراتيجيتها بالقوة. فاستخدمت الاحتكاكات في المسجد الأقصى وفي حي الشيخ جرّاح، التي أجّجتها أطراف متعددة، بينها الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي في إسرائيل، كمادة مشتعلة لتأجيج النيران.
  • مع انتهاء جولة المواجهات يبدو أن الحركة حققت نجاحاً هائلاً على صعيد الوعي المهم جداً في نظر “حماس”، وفي نظر كل مَن يرى في الصمود استراتيجية نضال. في الحديث في الساحة الفلسطينية وفي معظم العالم العربي تجري الإشادة بـ”حماس” والثناء عليها. في المقابل يبدو أبو مازن شخصاً ضعيفاً وغير ذي دلالة، ووصل إلى نهاية مسيرته. لقد أثبتت “حماس” لأنصارها أنها من الممكن أن تفرض على الجانب المقابل الاعتراف بأهميتها – على الرغم من عدم التوازي العسكري…
  • الدمار الهائل الذي لحِق بقطاع غزة جرّاء قصف سلاح الجو الإسرائيلي تعتبره “حماس” أمراً تافهاً لا قيمة له إزاء الإنجاز الكبير على صعيد الوعي. سكان القطاع الذين وجهوا أصابع الاتهام إلى “حماس” في المواجهة السابقة امتنعوا من القيام بذلك الآن. روحية الانتصار تسيطر وتمنع حتى الآن التعبير عن انتقادات. أيضاً حقيقة العدد المنخفض نسبياً للقتلى تستخدمه “حماس” كي تثبت تحسّن أدائها العسكري. بينما هو يعود فعلاً إلى التحذيرات المسبقة التي قام بها سلاح الجو الإسرائيلي، والتي طلب فيها من سكان المباني إخلاءها قبل القصف.
  • ما دام لم تحدث في الساحة خطوة لها أهمية مشابهة لعملية “حارس الأسوار”، فإن هذه التطورات تجعل “حماس” طرفاً لا يمكن تجاهله بعد اليوم، وخصوصاً في الساحة الداخلية الفلسطينية التي تعتبر “حماس” الآن أكثر شرعية من السلطة بقيادة “فتح”. صحيح أن أبو مازن هو الذي جعل القدس تتصدر العناوين الأولى للصحف عندما ادعى، رداً على رفض إسرائيل السماح لسكان القدس بالمشاركة في الانتخابات، أن الانتخابات لن تجري من دونهم، إلاّ أنه الآن يشاهد تفضيل سكان المدينة القديمة “حماس” عليه. قادة “حماس” يصبّون الزيت على النار من خلال تقديمهم الإنجاز الذي حققته الحركة كبداية لعملية التحرير “المتجددة”، ويشجعون على الخروج إلى الشوارع وحمل سلاح ناري أو سكين ومهاجمة إسرائيليين.
  • لا تزال الأجهزة الأمنية الفلسطينية مخلصة لأبو مازن وتنجح في السيطرة على الأرض ومنع توسع تظاهرات الاحتجاج بصورة يمكن أن تخرج عن السيطرة. لكن ثمة شك في أنها ستتمكن من الاستمرار في القيام بذلك لوقت طويل من دون القيام بإصلاحات في المنظومة السياسية، أو إطلاق عملية واسعة تضع القضية الفلسطينية في المقدمة من خلال إعادة تحديد العلاقات الداخلية فيها من جديد.
  • لا يزال في مصلحة السلطة عدد من الأسس التي بنتها في الأعوام السبعة الأخيرة لحكم أبو مازن، عندما كان سلام فياض رئيساً لحكومته، والتي تحافظ حتى الآن على استقراره. والمقصود مزايا يبدو أن “حماس” لن تحصل عليها في المستقبل المنظور إلّا إذا غيّرت نظرتها السياسية. هناك أولاً العلاقات الدولية الغنية للسلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن، التي جعلته عنواناً حصرياً في كل موضوع وكل شأن فلسطيني، والتي تجعل الأموال المطلوبة تتدفق إلى صندوقه لتمويل إدارة الحياة في المجال الفلسطيني.
  • الأساس الثاني هو نظام العلاقات بين السلطة وبين إسرائيل الذي حُدّد في اتفاقات أوسلو وحافظ منذ أكثر من 16 عاماً على تعاون أمني وثيق بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل، التي تُشغّل العديد من العمال الفلسطينيين، وتشكل سوقاً للبضائع الفلسطينية ومصدراً أساسياً لتأمين حاجات الفلسطينيين في مجالات التجارة والاقتصاد والصحة. عامل إضافي يحافظ على الاستقرار ويعمل لمصلحة السلطة الفلسطينية هو أن “حماس”، مثل أي مجموعة سياسية إسلامية في شتى أنحاء العالم العربي، تجد صعوبة في الحصول على ثقة النخب المتعلمة وغير المتدينة، والتي تعتبر أن القومية هي أساس هويتها والعامل المؤثر في اتخاذ القرارات، وليس الدين. تعمل هذه النخب على نزع شرعية حركات إسلامية مثل “حماس” التي تطمح إلى الوصول إلى السلطة.
  • هل سينجح تضافر هذه العوامل في المحافظة على استقرار السلطة، أم أن تآكل مكانة السلطة و”فتح” سيزداد ويمس بأداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية؟ يبدو أنه من دون إصلاحات حقيقية تغيّر القيادة سيكون من الصعب على السلطة و”فتح” والتيار الوطني الفلسطيني عموماً المحافظة على موقعهم كممثل حصري وموجّه للشأن الفلسطيني.
  • بناء على ذلك، المطلوب من إسرائيل إعادة تقييم سياستها حيال السلطة الفلسطينية وأبو مازن، وفحص ما إذا كانت مستعدة لقبول “حماس” كشريك. وإذا رفضت عليها أن تفكر كيف ستمنع صعودها. يبدو أن المطلوب خطوة إقليمية – عربية ودولية واسعة النطاق تدعم الإصلاحات التي يجب أن تجري في السلطة الفلسطينية وفي “فتح” لترميمهما. عودة سلام فياض إلى الساحة كرئيس للحكومة يمكن أن تخفف قليلاً من الانتقادات الموجهة إلى أبو مازن. أيضاً سياسة الفصل الإسرائيلية بين قطاع غزة والضفة الغربية تتطلب إعادة فحص، وخصوصاً في ضوء الارتباط الذي أقامته “حماس” بالضفة الغربية. هل هذا الارتباط لا مفر منه؟ وماذا يمكن أن تفعله كي لا يتحول إلى عبء.
  • حتى الآن، وعلى المستوى الفوري، الخطوة المطلوبة بشدة هي لقاء بين زعماء الطرفين [الفلسطيني والإسرائيلي] للبحث في إحياء العلاقات وإعادة البناء وتحسين الحياة اليومية في الساحة الفلسطينية. أيضاً تصريح مشترك بشأن صلاحية فكرة الدولتين واعتبار الطرف الآخر شريكاً في الحوار يمكن أن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح.
  • بعدها يتعين على الطرفين معالجة المشكلات المشتعلة لمنع احتكاكات ومواجهات عنيفة. ومن بين الخطوات التي ستساهم في تهدئة التوتر، وخصوصاً في القدس، تأجيل إجلاء العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جرّاح، وتفاهمات تتعلق بحرم المسجد الأقصى، وتشجيع الحوار بين زعماء يمثلون الأديان الثلاثة الموجودة في القدس الشرقية.

المصدر: صحيفة مباط عال الإسرائيلية