هذا الكَون العظيم العجيب.. إلى أين؟

هذا الكَون العظيم العجيب.. إلى أين؟

شجون عربية _ بقلم: حسن الشريف _ باحث ومُترجِم من لبنان

تَقدَّم عِلم الفلك بقفزاتٍ نَوعيّة، نظريّاً وعمليّاً، في مطلع القرن الحادي والعشرين. وأخذ هذا العِلم يُعالِج بشكلٍ جدّي أسئلةً كانت إلى وقتٍ قريب مجالاتٍ للفلسفة والتكهُّن والتحليل العِلميّ التقريبيّ. من ذلك، كيف نُفسِّر بدايةَ الكَون ونهايته؟ وما معنى تمدُّده ومداه؟ وكيف بَدَأَت الحياة على الأرض؟ وماهو مَوقعنا الفعليّ في هذا الكَون العظيم؟

هذه أسئلة تشغل تفكير الإنسان منذ بدء الخليقة، وما زالت تبحث عن إجاباتٍ حاسمة. وعِلم الفلك في القرن الحادي والعشرين بدأ يُقدِّم إجاباتٍ شبه حاسِمة عن بعض هذه الأسئلة، نتيجة تراكُم الأرصاد الفلكيّة وتوسُّعها، وكذلك نتيجة تقدُّم التحليل العِلميّ في علوم الفيزياء الفَلَكيّة.

بالمُقارَنة مع غيرهم، وعلى الرّغم من التقدُّم الهائل في التكنولوجيّات الفلكيّة، ما زال عِلميّو الفَلَك لا يَمتلكون إمكان تكرار الظروف التي ترتبط بنظريّاتهم للتأكُّد من ثبوتها. ومع ذلك، فهُم يُحاولون تطوير آليّاتٍ تجعل من المُمكن توليد بعض الظروف في المُختبر تُشابِه الظروف القصوى في الفضاء البعيد. فالظروف السائدة على الأرض ليست سوى تعرُّجاتٍ غير مَرئيّة على مرآةٍ مَلساء، مُقارَنةً بالتقلُّبات المهولة في أحوال الكَون، مثل “الانفجار العظيم”، و”نجوم الحفر السود”، و”انفجارات السوبّر نوفا”. فهنالك في أصقاع الكَون البعيدة، قد تَرتفِع درجاتُ الحرارة إلى مليارات الدرجات المُطلقة، أو تنخفض إلى ما يُقارب الصفر المُطلق، حيث يتجمَّد كلّ شيء، أو حيث تشتدّ كثافة المادّة لتتعدّى أعلى كثافة على الأرض بمليارات المرّات، أو تنخفض إلى الفراغ المُطلق. ومن حُسن حظّنا أنّنا نعيش على كَوكَبٍ مُعتدِل المُواصَفات يدور حول الشمس التي توفِّر له كلّ مُستلزمات الحياة، في ركْنٍ هادئٍ من مجرّةٍ عاديّةٍ هادئة، بحيث لا يَصلنا إلّا بعض رذاذ الانفجارات المهولة في فضاء الكَون العظيم.

وقد ساعدَ الخالِقُ عزّ وجلّ عِلميّي الفلك في كشْفِ أسرار الكَون، إذ جَعَلَ كلَّ هذه الأسرار في إشعاعاتٍ فلكيّة متنوّعة تنتشر في أرجاء الكَون، تحمل معها أسرارَ الأجرام البعيدة وأسرار الأصقاع في الفضاء اللّامتناهي في أطراف الكَون.. وبدايته.

ويقوم عِلميّو الفلك برصْد ما يجري في الكَون وتحليله، وكلّ مُعطياتهم تأتيهم مع الإشعاعات المُختلفة التي ترِدنا من كلّ أرجاء الكَون. ويبدو أنّ الأرضَ تَسبح في مُحيطٍ مائج من مُختلف الإشعاعات الفلكيّة، على الرّغم من أنّ غلاف الأرض الجوّي يحجب – لحُسن حظّ الحياة على الأرض – مُعظم هذه الإشعاعات، وعلينا الخروج من هذا الغلاف لالتقاط كامل أطياف الإشعاعات الفلكيّة. والمزيد من أرصاد هذه الإشعاعات بَدأَ يتراكَم في المَراصِد المُتقدِّمة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.

ويبدو عِلم الفَلَك اليوم أَقْرَب إلى الأنشطة الفكريّة شديدة التعقيد، التي ترتكز بشكلٍ شبه كلّي على القدرات الحاسوبيّة المُتنامِية، تُضاف إليها مخيّلات العقول الفذّة – من مثل أنشتاين وستيفن هوكنز – بشكلٍ لم يَعُد له أيّة علاقة بعِلم الفلك السابق الذي كان سائداً إلى مطلع القرن العشرين.

مستجدّات أدوات الرصد في القرن 21

لم يكُن يتوفَّر للفلكيّين إلى مطلع القرن العشرين، سوى حيّز بسيط من طَيف الإشعاعات الكهرومغناطيسيّة – يتمثَّل بالضوء المَرئي – كمَصدرٍ للمعلومات حول الكَون العظيم. وكانت أدواتُ الرصد بدائيّة ترتكز على تطوير أجهزة خاصّة بتحسين الرؤية البصريّة. وفي مطلع القرن العشرين توسَّع طَيفُ الإشعاعات المرصودة، فرُصدت الإشعاعات دون الحمراء وإشعاعات الراديو؛ ومع نهاية القرن العشرين كان الإنسان قد نجح في تطوير كلّ أنواع المَراقِب والمَراصِد، كما نَجَحَ في إرسال المركبات والمحطّات والمَراصِد الفضائيّة حتّى أطراف النِّظام الشمسي. وبذلك أَصبح بالإمكان رصْد كامل طيف الإشعاعات الكهرومغناطيسيّة، بما في ذلك أشعّة س. وأشعّة غاما. وأصبح بالإمكان التعمُّق في سبْر فضاء الكَون إلى أطرافِ تكوُّنِه الأولى. كما أَصبح بالإمكان تحليل الأطياف المرصودة للتعرُّف إلى سرعات الأجرام السماويّة وهَياكلها الفيزيائيّة وتَراكيبها الكيميائيّة، وإلى حدٍّ ما تاريخ تطوّرها مع الزَّمن.

وفي القرن الحادي والعشرين نجحَ الفلكيّون في بِناء مَراقِب لرصْد جسيّماتٍ خارج طَيف الإشعاعات الكهرومغناطيسيّة، مثل جسيّمات النوترينو، ومؤخّراً جسيّمات الغرافيتون التي تؤشّر إلى مَوجاتِ الجاذبيّة التي أشارت إليها نظريّة أينشتاين للنسبيّة العامّة.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، أَنشأ العُلماء تجهيزاتٍ مُختبريّة لدراسة جسيّمات تركيب المادّة من خلال تصادُم الجسيّمات الأوّليّة المعروفة – الإلكترونات والبروتونات والنوترونات – للحصول على الجُسيّمات الأوّليّة الدنيا على أنواعها، والتي كانت الأساس في تركيب المادّة في الثواني الأولى من عُمر الكَون. كما نَجَحَ العُلماء – مع الزيادة المُستمرَّة في القدرات الحاسوبيّة – في تطوير برمجيّات لمُحاكاة تشكُّل كلّ الأنشطة الفلكيّة وتطوّرها.

بداية الكَون وتمدُّده

عِلم الكونيّات هو دراسة الكَون في إطاره الأوْسَع، بما في ذلك طبيعته وأصله وتطوّره ومَصيره النهائي. وكان الفَلَكيُّ المُهمّ في مطلع القرن العشرين، أدوين هابل، أوّلَ مَن اكتشفَ أنّ الكَونَ في حالةِ تمدُّدٍ مُستمِرّ، بدراسة أطياف الأجرام السماويّة ورصْده انزياحها نحو الأحمر، ما يعني أنّها تبتعد عنّا؛ كما اكتشفَ أنّ المجرّات الأبعد تتباعد بأَسْرع من تباعُد المجرّات الأقرب، ما يعني أنّ الكَون كلّه في حالةِ تمدُّدٍ كـأنّه ناجِمٌ عن انفجارٍ عظيم. وقد سُمّيت سرعة التمدُّد بـ “ثابتة هابل”، وهي اليوم مَجال جَدَلٍ واسعٍ لارتباطها بنشوء الكَون وتطوُّره ومَصيره.

نظريّات بداية الكَون

وقد أدّى اكتشافُ تمدُّد الكَون المُستمِرّ، وبالعودة العكسيّة إلى الوراء بالزمن، إلى طرْحِ نظريّة الانفجار العظيم كبدايةٍ للكَون وبدايةٍ للزمن. ففي الربع الأوّل من القرن العشرين، وبحساباتٍ مُطوَّلة لمُعادلات أنشتاين النسبيّة، قامَ العالِمان فريدمان والأب لومتر – كلٌّ على حدة – بطرْح نظريّة “الانفجار العظيم” الذي حصلَ قبل 13.7 مليار سنة، كانت فيه كلّ مادّة الكَون وطاقته مُركَّزة في نقطةٍ أحاديّة لامُتناهية في الحرارة والكثافة، حيث تنهار كلّ قوانين الطبيعة. وهذه النظريّة هي اليوم النظريّة المعياريّة السائدة في عِلم الكونيّات. وتبعاً لهذه النظريّة، فإنّ الكَون سيستمرّ في حالةِ تمدُّدٍ مُتواصلٍ إلى أن يَستهلك كلّ مادّته وطاقته ويُصبح هباءً منثوراً… إلًا بمُعجزةٍ إلهيّة أخرى تعكس الانفجار العظيم.

مقابل هذه النظريّة، ظَهرت أيضاً نظريّة الكَون دَوريّ التأرجُح. وتقول هذه النظريّة إنّ الانفجار العظيم، الذي ما زلنا نعيش تداعياته، إنمّا هو حلقة في تأرجُحٍ دَوريّ لهذا الكَون. فبعد فترةٍ طويلة من التمدُّد قد تمتدّ لتريليونات السنين، سيعود الكَونُ للتقلُّص، وليَنهارَ في النهاية باصطدامٍ مهول لكلّ مادّته وطاقته وينتهي في نقطةٍ أحاديّةٍ لامُتناهية في الحرارة والكثافة، ليعود بعدها مُجدّداً إلى ما يُشبه الانفجار العظيم، في حلقةٍ دوريّةٍ جديدةٍ من التمدُّد ثمّ التقلُّص!

ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، يسعى عِلميّو فيزياء الفلك لتطوير المُعادلات المُتعلّقة بالنظريّتَيْن، وحلّها تبعاً للأرصاد المُراكَمة من أعماق الكَون وبداياته الأولى. ولكلٍّ من هاتَين النظريّتَيْن إشكالاتها النظريّة والرصديّة، ما يستدعي إدخالَ بعض العناصر الافتراضيّة الإضافيّة التي ما زلنا لا نعرف عنها إلّا القليل النادر، أهمّها الانتفاخ الكونيّ السريع في بداية الكَون، والمادّة القاتمة والطّاقة القاتمة.

النموذج المِعياريّ

أَدخلَ فيزيائيّو الفلك في النموذج المِعياريّ فرضيّةَ طاقةٍ تنافُريّةٍ هائلة، بعد أقلّ من جزء من تريليون تريليون تريليون من الثانية في بداية الكَون أدّت إلى انتفاخٍ هائل السرعة للكَون، وإلى تعاظُم حجْم الكَون عشرة تريليون مرّة في أقلّ من جزءٍ من مليار من الثانية، توقَّفت بعدها هذه الطّاقة التنافُريّة، وعادَ الكَونُ إلى التمدُّد المُستمرّ بالوتيرة التي نعرفها اليوم.

ومع تمدُّد السديم الكَونيّ الأوّليّ، البلاسما، بدأت تتشكَّل جسيّمات المادّة الأولى التي نعرفها، وأُضيفت فرضيّة تشكُّل مادّةٍ قاتِمةٍ ذاتَ قوّة جاذِبة أيضاً، كلّ ما نَعرفه عنها أنّ كتلتها تُساوي حوالى خمسة أضعاف كتلة المادّة العاديّة في الكَون. وقد انتشرت المادّة القاتمة في البلاسما الكَونيّة الأوّليّة بكثافةٍ شبه مُتناسِقة تخلَّلتْها بعضُ التموّجات المحليّة. ومع تمدُّد الكَون، شكَّلت تموُّجات المادّة القاتمة بؤرَ جذْبٍ أَخذت تنمو بدَورها لتُشكِّلَ هالاتٍ أكثر كتلة وكثافة. وشكَّلت هالاتُ المادّة القاتمة بؤرَ جذْبٍ للمادّة العاديّة المُتشكِّلة في بداية الكَون، ما أدّى، وعلى امتداد مئات آلاف السنين، إلى تشكُّل السُدُم النجميّة وإلى تشكُّل المجرّات ثمّ النجوم. لهذا ما زالت المادّة القاتمة، من ضمن نسيج المجرّات، تَلعب دَوراً مُهمّاً في حركة النجوم والمجرّات.

وفرضيّة أخرى في هذا النموذج، هي الطّاقة التنافُريّة القاتمة! وتبعاً لهذه النظريّة ظَهرت الطّاقة التنافريّة في بداية الكَون، وأَخذت تَنتشر في كلّ فضاء الكَون بكثافة ثابتة، وإنْ كانت ضئيلة، بشكلٍ متناسق، ولا تتأثَّر كثافتها مع تمدّده، ما يعني زيادة كميّاتها مع التمدّد. في حين أنّ كثافة المادّة العاديّة وكثافة المادّة القاتمة تخفّان مع تمدُّد الكَون، لأنّ كتلتهما تبقى ثابتة! لهذا فإنّ الطّاقة التنافريّة أصبحت اليوم تُشكِّل حوالى ثلاثة أرباع مُجمل الطّاقة – الكتلة في الكَون. وبالفعل بدأ تأثير الطّاقة التنافريّة يغلب قبل حوالى خمسة بلايين سنة، ما أدّى إلى زيادة تسارُع تمدُّد الكَون، بدلاً من تباطُئه بتأثيرِ قوى الجاذبيّة لكتلتَيْ المادّة العاديّة والمادّة القاتمة. وهذا التسارُع سيستمرّ، وسيؤدّي استمرار تمدُّد الكَون إلى تفتُّت كلّ مادّة الكَون، وتبعْثُر طاقته الجاذِبة ليُصبح هباءً منثوراً بعد تريليونات السنين!

كما بدأنا أوّل خلق نعيده

في نظريّة الكَون المُتأرجِح دَوريّاً، التفّ عِلميّو فيزياء الفلك على فرضيّات النموذج المِعياري بفرضيّاتٍ مُغايِرة. فالطّاقة التنافريّة تبقى واحدة على امتداد عُمر الكَون، وبالتالي ليس من حاجة للانتفاخ المُتسارِع جدّاً في بداية الكَون. لكنّهم افترضوا أنّ هذه الطّاقة التنافُريّة ستُغيِّر طبيعتها بعد تريليونات السنين، فتُصبح طاقةً جاذِبة، وبذلك يتوقَّف تمدُّد الكَون، ثمّ يَبدأ بالتقلُّص بتأثير مُختلف القوى الجاذبة داخله. ويتسارع التقلُّص، بحيث تبدأ كلّ المادّة والطّاقة في الكَون تتقارَب، لتَندمِج بشكلٍ مُتسارِعٍ يؤدّي في النهاية إلى انهيارٍ عظيم لكلّ المادّة والطّاقة في نقطةٍ لامُتناهية في صغر الحَجْم، وما يؤدّي بعد ذلك إلى انفجار تمدُّدٍ عظيم جديد، وإلى حلقةٍ جديدةٍ في دَوريّة تطوّر الكَون!

من الواضح أنّ الفرضيّات في كلتَيْ النَّظريّتَيْن تحتاج إلى المزيد من التدقيق التحليلي والرصدي، وما زلنا في ظلام المادّة القاتمة والطّاقتَيْن القاتِمة والتنافُريّة، وما زال أمامنا الكثير لنَكشف كلّ أسرار الكَون.

المصدر: الفكر العربي