​التعليم في عصر الثورة الرقميّة

​التعليم في عصر الثورة الرقميّة

د. خالد صلاح حنفي* —

هناك فكرة شائعة مفادها أنّ وسائل الاتّصال الجديدة تُلغي القديمة، وتحلّ محلّها في كلّ شيء، كما لو أنّ صلاحيّتها انتهت، ولم يعُد لها مكان في سوق التداول. وهذه الفكرة، كما تؤكّد الأدلّة، خاطئة، إذ إنّ هذه الوسائل والوسائط لا تقوم على التنازُع، بقدر ما هي مؤسَّسة على التكامل والتعاون.

يوضح لنا تاريخ التواصل البشريّ أنّ النقلة النوعيّة المهمّة التي عرفتها الإنسانيّة في بداياتها، من التواصل الشفهيّ إلى التواصل الكتابيّ، لم تؤثِّر في شيء، لا من حيث الحضور أو الاستعمال، على الوسيلة الشفهيّة الأولى. لا بل إنّ التواصل الكِتابيّ عمل على استكمال نواقص التواصل الشفهي، وعلى سدّ القصور أو النقص في إنجاز بعض المهامّ التواصليّة القائمة أساساً على العلاقة المُباشرة (وجهاً لوجه) بين المتكلّمين، وهو ما كان يؤثِّر سلباً على العمليّة التواصليّة ويحِدّ من إمكاناتها كالتوثيق ومُخاطَبة البعيد. ولنا في إشكاليّة الشكّ في صحّة الشعر الجاهلي لارتباطها بالرواية وغياب التدوين أكبر دليل على ذلك.

تهدف الوسائل التواصليّة الجديدة إلى استكمال العجز الملحوظ في أداء الوسائل التواصليّة القديمة ليس إلّا؛ ولو لم يكُن الحال كذلك لكان الخطاب الشفهي قد اندثر بمجرّد ظهور الكِتابة، ولأَصبح ابتكار وسائط جديدة مؤشّراً على أفول أخرى قديمة، وهو ما يتنافى طبعاً مع الواقع. فالعلاقة تكامليّة لا تنازعيّة.

ما هي الوسائط التواصليّة الجديدة؟

تعرَّف مَواقع أو وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكات الإعلام الاجتماعي (Social Networks) بأنّها مَواقع (websites) أو تطبيقات (Applications) مخصَّصة لإتاحة القدرة للمُستخدِمين للتواصل في ما بينهم من خلال وضع معلومات، وتعليقات، ورسائل، وصور… إلخ. وهناك خمسة مَواقع للتواصل الاجتماعي تعَدّ الأكثر شهرة ونموّاً في عدد المُستخدِمين، وهي: فيسبوك ( Facebook )، وهو موقع التواصل الاجتماعي الأكثر شهرة منذ ظهوره في العام 2003؛ يليه تويتر ( Twitter )، وهو موقع التدوين المُتناهي الصغر، الذي يسمح لمُستخدِميه بكتابة ” تغريدات” بحدّ أقصى نحو 140 حرفاً للتغريدة الواحدة، وظهر في العام 2006؛ وغوغل بلاس (+ Google )، الذي دشَّنته شركة غوغل العالميّة في العام 2011 كمُنافس لفيسبوك، وتعمل على تكامله مع خدمات أخرى تقدِّمها كالبريد الإلكتروني… إلخ؛ ولينكدإن ( LinkedIn )، الذي بدأ التشغيل به في العام 2003 ويُعَدّ مَوقعاً للتواصل الاجتماعي على مستوىً احترافي مهني، ويهدف إلى ربط المُشاركين المُهتمّين بفئات متنوّعة من الوظائف والأعمال؛ وأخيراً بنترست (Pinterest)، الذي أُطلق في العام 2010 ويُعَدّ الأكثر نموّاً في مجال المُشاركة الإعلاميّة، ويتيح خدمة تشارُك الصور بين المُستخدِمين.

ولكلّ وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي خصائصها ومميّزاتها وتفرّدها في نقل المحتوى المطلوب بثّه، ولكنّها جميعاً تتّفق في سمة واحدة، هي القدرة على تحقيق التواصل بين البشر عبر تجاوز الحدود المكانيّة أو الزمنيّة أو القيود على الحريّة، فضلاً عن إمكانيّة نقل أيّ رسالة سواء أكانت مرئيّة أم صوتيّة أم مكتوبة، وإمكانيّة الوصول إليها من أيّ مكان في العالَم.

وسائل التواصل الاجتماعيّ والأنظمة التعليميّة العربيّة

يُمكن للوسائط التواصليّة الجديدة كالحاسوب والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أن تُساعد على تطوير المنظومة التعليميّة والرفع من مستوى أدائها ونتائجها. ويُمكن لهذه الوسائط كذلك، إذا ما أُحسن استغلالها، تدعيم منظوماتنا التعليميّة الحاليّة في جوانب عديدة أظهرت فيها الوسائل القديمة من خلالها عجزاً كبيراً وكانت بالتالي سبباً مباشراً في تدهور أدائها، وانحصار مردوديّتها، كما هو الحال مثلا ًبالنسبة إلى الكِتاب المدرسي الورقي. ففي الآونة الأخيرة، عَرف هذا الكِتاب بدَوره تراجعاً كبيراً مقارنةً بما كان عليه وضعه من قبل، أي عند ظهور المطبعة، لدرجة أنّه أصبح يُشكِّل في بلداننا العربيّة عائقاً في وجه العمليّة التعليميّة أحياناً في ظلّ ارتفاع تكلفة طباعته والمُنافَسة الشديدة بين الناشرين، التي امتدّت آثارها السلبيّة للتضحية بالأهداف التثقيفيّة والتعليميّة النبيلة لهذا المُنتج لمصالح اقتصاديّة صرفة. هذا فضلاً عن الجوانب السلبيّة العدّة المرتبطة أساساً بصعوبة تزويد المَكتبات العامّة والخاصّة بالكُتب اللّازمة.

يُعَدّ “الكِتاب الرقمي” اليوم ثورة علميّة يُمكن أن تغيِّر مَسار التاريخ في القرن الحادي والعشرين، أكثر من التغيير الذي أحدثته المطبعة؛ إذ أصبح “الكِتاب الرقمي الإلكتروني” في متناول اليد، وسهل القراءة والاطّلاع. وهناك بعض الكُتب الرقميّة المحفوظة على أقراص ليزريّة جيّدة الحفظ، والتخزين، ويُمكن قراءتها في أيّ وقت، ويُمكنها أن تُصبح مِلكاً للجميع، ما يتيح إمكانيّة المُطالَعة والتثقيف، والبحث عبر القارّات من غير حدود ولا حواجز.

ويُمكن أن يُسانِد الكِتاب الرقمي الكِتاب الورقي في مَكتبات المَدارس والجامعات، وخصوصاً في حالات المَراجع والمَعاجم والموسوعات الإلكترونيّة المُتوافرة بأثمانها الزهيدة وسهولة حملها وتحميلها والبحث فيها.

إقرأ أيضاً : التعليم الإلكتروني: من طور التلقين إلى طور الإبداع

كما يُمكن استخدام الحاسوب والإنترنت في مُعالجة القصور الهائل الذى يعرفه نظامنا التعليمي الحالي بوسائطه التواصليّة القديمة المُعتمِدة على الخطاب الشفهي المباشر المشروط بالوجود الفعلي للمُعلّم والمُتعلّم في داخل قاعات الدرس، ما يحرم فئات عديدة من المتعلّمين الذين تحول ظروفهم الخاصّة دون المُشاركة في الصفّ من الاستفادة من طاقاتهم وكفاءاتهم، ويؤثِّر سلباً على التنمية البشريّة والاجتماعيّة للوطن والمُواطنين على السواء. فوسائط التواصل الجديدة تفتح آفاقاً رحبة أمام الكثير من الفئات المحرومة من التعليم، وتحقِّق طموحاتها في تحسين أوضاعها، وذلك عن طريق ما يُطلق عليه “التعلّم عن بعد”، بحيث يصير “الحاسوب خير جليس في هذا الزمن”.

هكذا يُمكن للأشخاص الذين تحول ظروفهم الخاصّة دون إمكانيّة التحاقهم بالمؤسّسات التعليميّة لسببٍ من الأسباب، كالمرض أو الحرب أو الصراع أو البُعد المكاني أو العوائق الماليّة، تلقّي دروسهم في أماكن معيشتهم وإقامتهم، ما يُسهِم في تحقيق “دمقرطة التعليم”، والحدّ من ظاهرة الحرمان القسري من التعليم، كما يفتح المجال مستقبلاً أمام إمكانيّة قيام منظومة تعليميّة جديدة تعتمد على التواصل عن بعد عن طريق الحاسوب والإنترنت، من دون الحاجة إلى بناء المزيد من المَدارس والجامعات، وما يفرضه ذلك من أعباء ماديّة جسيمة قد تتجاوز إمكانيّات الدول، ويُسهم ذلك في مُعالجة ظاهرة تكدّس الطلبة في الفصول الدراسيّة وتأثيراتها السلبيّة على العمليّة التربويّة بأسرها.

ومن هنا فإنّ الحاجة تبرز إلى:

1- تزويد جميع المدارس والمؤسّسات التعليميّة بشبكة الإنترنت والحواسيب اللّازمة للاتّصال.

2- تدريب المُعلّمين وتأهيلهم عن طريق الإنترنت واستخدام مَواقع التواصل الاجتماعي في تعليم الطلّاب.

3-الاعتماد على المَراجع والكُتب الرقميّة من ضمن المقرّرات المدرسيّة والجامعيّة.

4- تزويد المكتبات المدرسيّة والجامعيّة بالكُتب الرقميّة وبنقاط الاتّصال بشبكة الإنترنت أيضاً، ورفْع قوائم الكُتب على مَواقع المكتبات على الإنترنت، والفَهْرَسة الإلكترونيّة لجميع الكُتب والدوريّات.

5- الربط بين المَدارس والإدارات التعليميّة إلكترونيّاً، واستبدال البريد الورقي بالبريد الإلكتروني.

6- تطوير بَرامج إعداد المعلّمين في كلّيات التربية وما يناظرها من مؤسّسات إعداد المعلّمين، والتركيز على تعليم الطلّاب/ المُعلّمين المهارات التكنولوجيّة اللّازمة لذلك.

7- تطوير المَناهج والمقرّرات وما تتضمّنه من أنشطة وتدريبات لتركِّز على البحث عن طريق شبكة الإنترنت، والعمل الجماعي عن طريق مَواقع التواصل الاجتماعي.

8- تدريب المعلّمين على استخدام البَرامج الإلكترونيّة وفقاً للتخصّص، ومن أشهر هذه البَرامج Crocodile، وكذلك مَواقع المؤتمرات الإلكترونيّة مثل البلاك بورد وغيرها واستخدامها في التفاعل مع الطلبة.

9- تطوير نُظم الخدمات التعليميّة المقدَّمة للطلبة والاستغناء التدريجي عن الخدمات الورقيّة والاعتماد على الخدمات عبر شبكة الإنترنت.

10- التوسّع في استخدام التعلّم عن بعد في الدول التي تعاني الصراعات والحروب مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، وذلك بالتعاون مع المؤسّسات الدوليّة كاليونسكو واليونسيف والبنك الدولي والجهات المانِحة، لضمان إتاحة الخدمات التعليميّة لمَن حُرموا من التعليم نتيجة ظروف الحرب والقتال.

11- تحفيز أساتذة الجامعات والمعلّمين على طرح المقرّرات بصورة إلكترونيّة تفاعليّة، وتصميم مَواقع لشرح الدروس والمقرّرات.

12- توسّع الجامعات العربيّة في تقديم المقرّرات الإلكترونيّة واسعة الالتحاق (MOOCS) بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثيّة العربيّة والأجنبيّة.

*أستاذ مُساعد أصول التربية/ كليّة التربية – جامعة الإسكندريّة

المصدر: مؤسسة الفكر العربي